ونأتي الآن إلى أدلة الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى- في (الرسالة) عقد فصلًا ممتعًا تحت عنوان: الحجة في تثبيت خبر الواحد: ذكر فيه مجموعة من الأدلة الكثيرة جدًّا ربما تقترب من ثلاثين دليلًا لإفادة خبر الواحد أو لحجيته ووجوب العمل به، وكل العلماء الذين تكلموا في هذا: الشيخ الألباني عليه -﵀- له كتاب في هذا الشيخ أحمد شاكر له كتاب في هذا وكثير من العلماء.
[ ٢٤٢ ]
نشير إلى العمدة في هذا وهو كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:
يقول -﵀-: فإن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنصّ خبر أو دلالة فيه أو إجماع -يعني: بنص خبر صريح، أو خبر يدل على هذا ولهدلالة التزامية أو تضامنية أو ما شاكل ذلك أو بإجماع- فقلت له: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن النبي -ﷺ- قال: «نضّر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » إلى آخر الحديث.
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- هنا يروي بإسناده، ورواه الترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على ترديد السماع، وقال عن حديث عبد الله بن مسعود هذا: حسن صحيح، ورواه أيضًا من حديث زيد بن ثابت، وقال عنه: حديث حسن، ورواه أبو داود في كتاب العلم، باب نشر العلم، ورواه غيرهم كثير.
وجه الدلالة من النص -كما يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى-: فلما ندب رسول الله -ﷺ- إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأً يؤديها والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدي إليه؛ لأنه إنما يؤدى إليه حلال يفعل وحرام يجتنب وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة في دين ودنيا -يعني: أحكام الشرع كلها تنقل- ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظًا ولا يكون فيه فقيهًا، وأمر رسول الله -ﷺ- بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين -إن شاء الله- لازم.
ويستطرد الإمام الشافعي -﵀ ﵎- يقول: أخبرنا سفيان، قال: أخبرني سالم أبو النضر: أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: قال
[ ٢٤٣ ]
النبي -ﷺ-: «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نَهيت عنه أو أمرت به؛ فيقول: لا ندري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» يقول: قال ابن عيينة: وأخبرني محمد بن المنكدر عن النبي -ﷺ- بمثله مرسلًا، وفي هذا تثبيتُ الخبر عن رسول الله وإعلامهم أنه لازم له، وإن لم يجدوا له نصّ حكم في كتاب الله، وهو موضوع في غير هذا الموضع.
والحديث له روايات أخرى: «إلا إن ما حرم رسول الله -ﷺ- مثل ما حرم الله تعالى» بين في نهاية الحديث أن النبي -ﷺ- يشرع كما يشرع الله -﵎. هذه أدلة على حجية خبر الواحد.
ويستطرد الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- مع أدلته؛ فيروي أن رجلًا قبل امرأته وهو صائم؛ فوجد من ذلك وجدًا شديدًا -يعني خاف وتألم- فأرسل امرأته تسأل عن ذلك؛ فدخلت على أم سلمة -أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها- فأخبرتها أم سلمة؛ فقالت: إن رسول الله -ﷺ- يقبل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله -ﷺ- يحل الله لرسوله ما شاء؛ فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله -ﷺ- عندها، فقال رسول الله: «ما بال هذه المرأة؟» فأخبرته أم سلمة فقال: «ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟! فقالت أم سلمة: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها؛ فأخبرته؛ فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله؛ يحل الله لرسوله ما شاء! فغضب رسول الله -ﷺ- ثم قال: والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده».
يقول الشافعي -رحمه الله تعالى-: وقد سمعت من يصل هذا الحديث، ولا يحضرني ذكر من وصله؛ لأنه رواه مرسلًا: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعطاء بن يسار من الصحابة: تابعي، فالشيخ أحمد شاكر
[ ٢٤٤ ]
-عليه رحمة الله تعالى- يقول: وصله عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن عطاء، عن رجل من الأنصار، وهو في (مسند الإمام أحمد): حدثنا عبد عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار: أن الأنصاري أخبر عطاء: أنه قبل امرأته على عهد رسول الله -ﷺ- وهو صائم ". فذكر الحديث، والهيثمي -﵀- في (مجمع الزوائد) قال عنه: ورجاله رجال صحيح، والشيخ شاكر عقب وقال: وهو كما قال.
لكن الشيخين -رحمهما الله- روياه من حديث أم سلمة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- كان يقبّلها وهو صائم، وهو موجود عندهم في كتاب الصيام في حكم القبلة للصائم، وأيضًا الإمام مسلم روى من حديث عمر بن أبي سلمة -وهو ابن أم سلمة- أنه سأل رسول الله -ﷺ-: أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «سلْ هذه» لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله -ﷺ- يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فقال رسول الله -ﷺ-: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له».
على كل حال: الحديث صحيح، ووجه الدلالة منه: أن المرأة جاءت من عند زوجها -وهي واحدة- وأخبرتها أم سلمة -وهي واحدة- وعادت إلى زوجها، وعادت مرة بعد العودة إلى زوجها إلى النبي -ﷺ- وكل ذلك أم سلمة تخبرها والمرأة تعود وتتكلم إلى أن قال رسول الله -ﷺ-: «إني والله لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده» دلالة واضحة في الحديث على أن الخبر الواحد يُعمل به بدون تردد أبدًا.
قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في الإسناد أيضًا: في ذكر قول النبي -ﷺ-: «ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك» دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله؛ لأنه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي -ﷺ- إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لما أخبرته، وهكذا خبر امرأته إن كانت من الصدق عنده.
[ ٢٤٥ ]
ثم انتقل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- إلى دليل آخر على أن النبي -ﷺ- والصحابة عملوا بخبر الواحد:
قال: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح؛ إذ أتاهم آتٍ فقال: "إن رسول الله قد أنزل عليه قرآن، وقد أُمر أن يستقبل القبلة؛ فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة"، وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفِقْه وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعو فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة -هل يتركون ما افترضه الله عليه من وجوب الاتجاه إلى بيت المقدس إلا بحجة غيرت هذا الحكم، وهم لم يسمعوا من النبي -ﷺ-، هم في صلاتهم آتاهم آتٍ أخبرهم أنه قد أنزل الليلة على رسول الله -ﷺ- قرآن يأمر بتحويل القبلة- ولم يَلقوا رسول الله -ﷺ- ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة؛ فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعًا من رسول الله -ﷺ- ولا بخبر عامة.
يعني: هم كانوا متتبعين لقبلتهم أولًا؛ لأن لهم فيها ما أنزل الله -﷿- من كتاب الله وأيضًا سنة النبي -ﷺ- الذي ظل سبعة عشر في المدينة بعد الهجرة يصلي بهم إلى بيت المقدس.
وانتقلوا عن هذا الحكم السابق في القرآن والسنة بخبر واحد؛ إذ كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي -ﷺ- أنه قد أتى عليهم بتحويل القبلة، أو ولم يكونوا ليفعلوه -إن شاء الله- بخبرٍ إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق، ولا ليحدِثوا أيضًا مثل هذا العظيم -الذي هو تحويل القبلة- في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثة، ولا
[ ٢٤٦ ]
يدَعون أن يخبروا رسول الله -ﷺ- بما صنع منه، ولو كانوا ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله في تحويل القبلة وهو فرضٌ مما يجوز لهم؛ لقال لهم إن شاء الله رسول الله: قد كنتم على قبلة ولم يكن لكم تركها، إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة من سماعكم مني، أو خبر عامة، -خبر العامة في استعمال الإمام الشافعي يقصد به خبر المتواتر.
الإمام الشافعي يريد أن يقول: لو كان هناك خطأ في هذا لكان النبي -ﷺ- قد أخبرهم أنه: ما كان لكم أن تنتقلوا القبلة التي كنتم عليها إلا بعد علم تقوم عليكم به الحجة، إما من سماعكم مني مباشرة أو بخبر عامة -يعني بخبر متواتر- فلما لم يحدث ذلك من النبي -ﷺ- دل ذلك على قبول خبر الآحاد.
الصحابة تحولوا وهم في الصلاة إلى القبلة إلى بيت الشام بدون أن يترددوا في ذلك لحظة واحدة.
حديث تحويل القبلة بروايات متعددة عن البراء بن عازب وعن عبد الله بن عمر -﵄- وغيرهما، رواه البخاري في كتاب الصلاة: باب التوجه نحو القبلة حيث كان، وأخرجه أيضًا في مواطن أخرى من صحيحه تزيد على عشرة مواطن، ورواه الإمام مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
والصحابة هنا في الحقيقية أعطونا درسًا في منتهى العظمة لسرعة التلبية لأوامر النبي -ﷺ- مع أوامر القرآن الكريم، والذين درسوا تحويل القبلة يجدون أن هذا الأمر قد تكرر، وكل ذلك في الصحيحين؛ النبي -ﷺ- أمر بتحويل القبلة فاستدار وهو في الصلاة، هذا الذي ينزل عليه الوحي، وكان في صلاة الظهر أو في صلاة
[ ٢٤٧ ]
العصر في ديار بني سلمة إلى آخر الروايات الواردة في هذا المهم كان قد صلى مع النبي -ﷺ- صحابي مر على قوم في مسجد يصلون العصر فشهد أنه صلى الآن مع رسول الله -ﷺ- فتحول عن القبلة -أي قبلة بيت المقدس- إلى الكعبة، حدث هذا في صلاة العصر لما أخبرهم المخبر سواء كان تحويل القبلة في الظهر أو في العصر مع النبي -ﷺ- إنما أدرك القوم في صلاة العصر وأخبرهم؛ فتحولوا بدون تردد.
ووصل الخبر إلى قباء مع صلاة الفجر؛ فنفس ما حدث من الصحابة في صلاة العصر بالأمس حدث اليوم في صلاة الفجر حين أخبرهم مخبر ١٨٠ درجة في الصلاة تحولوا من ناحية الشمال بالنسبة للمدينة بيت المقدس إلى ناحية الجنوب -أي مكة المكرمة- امتثالًا لأمر الله -﵎- والمخبر في الحالتين هو رجل واحد، يعني: هو هو خبر آحاد.
وللحديث بقية بإذن الله.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٤٨ ]