الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
حجية السنة المطهرة من خلال أحاديث سيدنا رسول الله -ﷺ-:
وكما اهتمَّ القرآن الكريم بقضية السنة اهتمت السنة أيضًا، نبَّه النبي -ﷺ- في كثيرٍ من الأحاديث إلى ضرورة اتباعه واتباع هديه -ﷺ-، ولذلك عَقَد المُحدِّثون كُتبًا في أبوابهم؛ لضرورة اتباع السنن واجتناب البدع، فعل ذلك الترمذي، وفعل ذلك أبو داود -﵏ جميعًا- والإمام البخاري عقد كتابًا، باب الاعتصام بسنن رسول الله -ﷺ-، والاهتداء بهديه -ﷺ.
إذن، الأحاديث كثيرة جدًّا، وأيضًا سنتوقف مع الأحاديث التي تدل في صراحة ووضوح على ضرورة اتباع السنة المطهّرة، روى البخاري ومسلمٌ -رحمهما الله تعالى- من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قولَه -ﷺ: «كل أُمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» هذا حديثٌ رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله -ﷺ-.
والحديث له دلالته: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» فقد عاند وجحد، الذي يتوقف في السنة وفي حجيتها، وفي وجوب طاعتها وحين سُئل النبي -ﷺ- عن الذين أبوا عرَّفهم بأنهم هم الذين عصوا الرسول -ﷺ، الذين عاندوه، وشاققوه، وحاددوه، وابتعدوا عن هديه، والتمسوا هديًا آخر غير هديه -ﷺ-، هؤلاء هم اختاروا طريقهم هم أحرار، لكن القضية أن تشتدّ الظلمات عليهم، فيتصورون أنهم لم يبتعدوا عن هدي القرآن الكريم، أو عن هدي النبي -ﷺ-.
[ ١٢١ ]
وفي الحقيقة القرآن الكريم والنبي -ﷺ- نزلت عليه هذه الآيات؛ لتبين أن هناك أناسًا قد تضيع أعمارهم في الشرِّ والباطل، وهم يتصورون أنهم يحسنون صنعًا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: ١٠٣، ١٠٤) نسأل الله -﷿- أن يبصّرنا، وأن يهدينا، وألا تصل بنا العماية إلى هذا الحد المهين والعياذ بالله! فتضيع الأعمار، ويتصور أصحابها أنهم قد أفنوها في خير، أو في برّ، يظل طوال عمره يجحد السنة، ويشكك في الأحاديث، وفي هدي النبي -ﷺ، ويؤلف الكتب في ذلك، وهو يتصور أنه قد يقدّم خيرًا لإسلامه، فنسأل الله العصمة والسلامة.
أيضًا، من الأحاديث التي وردت في هذا حديث رواه البخاري ومسلم، وله قصة، النبي -ﷺ- يقول: «أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا، قالوا: أفي كل عام يا رسول الله؟ سكت النبي -ﷺ- حتى قالها الرجل ثلاثَ مرات، ثم قال: لو قلت: "نعم" لوجبت، ولما استطعتم» القائل هو رسول الله -ﷺ- إذا قال: نعم؛ فقد وجبت الطاعة.
إذن، النبي -ﷺ- يبين أنه يشرع وأن تشريعه يجب على الأمة، وبعد ذلك حذر الأمة فقال: «ذروني ما تركتكم» ما دام أنا سكت اسكتوا أنتم، ولو كان الأمر واجبًا في كل عام لبيّنته من غير سؤال؛ لأن تأخير البيان عن موضع الحاجة لا يجوز، كيف أتأخر عن بيان أمرٍ كلفني الله -﵎- به وهذا هو موطنه، هل كان الحج واجبًا على الناس في كل عام، أو هل يكون الحج واجبًا في كل عام، ثم يقول النبي -ﷺ: «أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا» ويسكت من غير أن يبين أنه في كل عام، ولذلك كان على السائل أن يتنبَّه إلى أن سكوت النبي -ﷺ- دلالة على أنه ليس مفروَضًا في كل عام.
[ ١٢٢ ]
والنبي -ﷺ- في مثل هذه الأحوال يخشى أن تؤدِّي كثرة المسائل إلى مشقَّة على المسلمين، فيكون صاحبه من أعظم الناس جُرمًا حين تؤدِّي أسئلته إلى مشقة على المسلمين، والنبي -ﷺ- هو الرءوف الرحيم بهذه الأمة، ولذلك طلب من الأمة «ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم»، ولعله -ﷺ- يشير إلى ما ورد في سورة البقرة من موقف بني إسرائيل حين طلب منهم الله -﷿- على لسان نبيه موسى -﵇- أن يذبحوا بقرة، ولو أتوا إلى أي بقرة وذبحوها لكانوا قد استجابوا لأمر الله، ولكنهم جعلوا يضعون أسئلة يشقُّون على أنفسهم؛ فشق الله عليهم ولم يجدوها إلا بصعوبة.
على كل حال، هذا حديث يُبيِّن أن على المسلمين أن يستجيبوا لأمر الله -﵎- وأمر النبي -ﷺ، وألا يسألوا أو يجادلوا ما دام الأمر واضحًا وجليًّا.
أيضًا، من الأحاديث التي تدل على اتباع السنة: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عنه فاجتنبوه»، أو «وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» هذا حديث أيضًا رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنة رسول الله -ﷺ، وأيضًا هو من حديث أبي هريرة -﵁: «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» هذا توجيه من النبي -ﷺ- للأمة أن تفعل ما يأمرها بها، أو ما يأمرها به نبيها -ﷺ- وأن تنتهي عما نهى عنه.
لكننا نلاحظ أنه في مجال الأمر قال: «فأتوا منه ما استطعتم»، ونطرح هنا تساؤلًا هل ينطبق ذلك على الواجبات، لا، لماذا؟ لأن الواجبات لا بد من فعلها، حتمًا على المسلم أن يفعل ما أوجبه الله تعالى عليه، أو ما أوجبه عليه رسوله -ﷺ- يعني: مثلًا لما ضربنا مثالًا لما أوجبته السنة بزكاة الفطر مثلًا، فهل يملك المسلم ألا يخرج زكاة الفطر، لا يستطيع ذلك، ولا يملك هذا: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» أمرٌ من النبي -ﷺ- أن نبدأ الصيام حين نرى هلال
[ ١٢٣ ]
رمضان، وأن نفطر حين نرى هلال شوال، هل نملك غير هذا؟ لا نملك غير هذا، إنما "استطعتم" تنصرف إلى غير الواجبات، لا تُحمل على الوجبات لسببين:
السبب الأول: أن الوجبات لا بد من فعلها.
والسبب الثاني: أن الله -﵎- ونبيه -ﷺ- لم يُوجبا على الأمة إلا ما تستطيع أن تفعله؛ لأن أصل التكاليف مبنيٌّ على القدرة والاستطاعة، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦)، ورفع الله الإصر عن هذه الأمة؛ تكريمًا لنبيها -ﷺ- في صور كثيرة، وخفف عنها في أحكام كثيرة. إذن، «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» لا يحق لأحد أن يأخذ منه دليلًا على الكسل أو التراخي في الاستجابة لأمر الله -﵎- وأمر نبيه -ﷺ- في غير الواجبات، بل إن الحديث يضع قاعدة هامة جدًّا هنا وهي أن العلاقة بين المسلم وبين أمور الشرع غير الواجبة هي أن يأتي منها ما استطاع، بعبارة أخرى: ألا يتركها حين يكون مستطيعًا، إننا لو أخذنا معنى السنة بالمعنى الفقهي: ما يُثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فهل منا من هو مستغنٍ عن الثواب، لا أحد من المسلمين يستغني عن الثواب أبدًا، وقد يحتاج ميزانه يوم القيامة إلى بضع حسنات تثقل وترجح بهما كفة الحسنات حتى ينجو الإنسان من هول ذلك اليوم الشديد.
إذن «فأتوا منه ما استطعتم» تربية للأمة أن العلاقة بين الأمة وبين أوامر شرعها المستمدة من كتاب ربها ومن سنة نبيها -ﷺ- هي علاقة حب، هي علاقة أداء برغبة، بتطلع، بشغف، بحمدٍ لله على التوفيق إلى نعمة الاستجابة.
كثير ما نلاحظ في واقع الأمة يعني: هذا أمر سنة، يعني: ليس واجبًا! يكسل عنه البعض، هذا يتعارض مع قوله -ﷺ: «فأتوا منه ما استطعتم» لا نستهين
[ ١٢٤ ]
بشيء من أوامر الشرع، ولا نقول: إنه ليس بواجب، أنت لست مستغنٍ عن الثواب.
وفي الحقيقة، هذا كان منهج الصحابة في التعامل مع أوامر النبي -ﷺ، لم يدخلوا إلى المسألة من باب: هل هذا واجب أو غير واجب؟ وإنما يكفيهم شرف الاقتداء برسول الله -ﷺ، ولذلك مثلًا لم نسمع أن صحابيًّا لم يكن ملتحيًا مثلًا؛ لأنهم لم يدخلوا إلى الأمر بالمناقشة التي تُجرى الآن: واجبة أو غير واجبة؛ إنما النبي -ﷺ- ملتحٍ فليقتدوا به، يلبسون كما يلبس، ينامون كما ينام، يأكلون كما يأكل، يعني: يتتبعون هديه في كل صغيرة وكبيرة بشغف وحب وتقدير واحترام، ورغبة صادقة في هذا الائتساء العظيم؛ رجاء ما عند الله، وأن يفوزوا، وأن ينالوا القرب من النبي -ﷺ- في الجنة وشفاعته بإذن الله -﵎-.
أيضًا، من الأحاديث التي تدل على وجوب اتباع السنة قول النبي -ﷺ- في حديث حقيقة خطير وهام، حديث حذيفة -رضي الله ﵎ عنه- في الصحيحين، وهو حديث فيه فوائد عظيمة وجليلة، لكني سأقتصر على الجزء الخاص بمتابعة النبي -ﷺ- ومتابعة القرآن الكريم، هذا الحديث يقول حذيفة -رضي الله تعالى عنه- في مطلعه: «حدثنا رسول الله -ﷺ- حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال» يعني الفطرة أمانة التكاليف بمعنى: أن الله فطرنا عليها وعلى معرفتها، إما أن نطبق بعد ذلك أو لا نطبق، «حدثنا أن الأمانة نزلت في جَذر» جَذر وجِذر، يجوز فتح الجيم وكسرها، وهي الجذر: أصل كل شيء، كما هو أصل النبات هو أصل كل شيء، محل الشاهد: «ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة»، السنة تُشرّع كما يُشرع القرآن الكريم تمامًا، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة.
[ ١٢٥ ]
وبإيجاز، الله -﷿- فطرنا على معرفة الحق والاهتداء إليه، ولكن الله -﷿- لم يُقم حجته علينا بالفطرة فقط؛ لأن الله -﷿- يعلم أن الفطرة قد تُنسخ بفعل فاعل، كما ورد في الحديث الصحيح: «كل مولود يُولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدناه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» ولكي لا يعتذر معتذر بأن فطرته قد مُسخت، ولم يعد يعرف الحق من الباطل، أو يعرف الخطأ من الصواب أنزل الله ما يريده من عباده في كتاب تعهد بحفظه، وفي سنة أيضًا تعهد بحفظها، أرسل بالاثنين معًا رسوله -ﷺ، ولذلك قال النبي -ﷺ: «نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن؛ فعلموا من القرآن وعلموا من السنة» أي: أقام الله عليهم الحجة برسول الله -ﷺ، وبالقرآن الكريم، وبالسنة المطهرة. ولا يستطيع مسلم أن يزعم الآن أنه لا يعرف ما يُراد منه على وجه التحديد، إلا أن يكون ذلك من باب المجادلة العقيمة، أو من باب التنطع، ونسأل الله -﷿- السلامة من كل ذلك.
حديث حذيفة هذا رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الرقاب باب رفع الأمانة، وفي الفتن باب إذا بقي حثالة من الناس، ورواه في كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن الله -ﷺ، ورواه مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان باب رفع الأمانة والإيمان من القلوب.
أيضًا من الأحاديث التي تدل على وجوب اتباع السنة ما ورد عن رسول الله -ﷺ- من حديث رواه الترمذي -رحمه الله تعالى- ورواه أيضًا أبو داود وغيرهما. قال عنه الترمذي: إنه حسن صحيح، من حديث العرباض بن سارية -رضي الله تعالى عنه- قال: «صلى بنا رسول الله -ﷺ- الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودِّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال -ﷺ: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا -أي: وإن كان الذي تولَّى أمركم عبدًا حبشيًّا-
[ ١٢٦ ]
فإنه من يعشْ بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة».
هذا حديثٌ رواه الإمام أحمد ورواه الترمذي، وكما قلنا: رواه الترمذي في كتاب العلم باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.
العصمة من البدعة العصمة من الاختلاف، العصمة من التنازع، العصمة من تعدد الأهواء، كل ذلك مرهون باتباع كتاب الله -﵎، واتباع النبي -ﷺ.
«تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» لا تفرطوا فيها أبدًا، لا تستبدلوها بغيرها، لا تركنوا إلى أي حكم آخر غير حكم الله -تبارك تعالى- وحكم رسوله -ﷺ- «تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، نسأل الله السلامة من الضلالات ومن البدع.
إذن، السنة عصمة من الاختلاف، عصمة من البدع، وفي الحقيقة أنا أقول لكل مسلم: لا وسط، أنت في أي موقف من المواقف إما أن تكون على بدعة، وإما أن تكون على سنة، حين لا تكون على سنة فبالضرورة يكون الموقف على بدعة؛ لأنه لا وسط بينهما، هذان من الأمور المتضادة التي لا تجتمع معًا ولا ترتفع معًا، في أي قضية من القضايا في جمعك لمالك أنت متبع للسنة، أو مخالف لها فأنت على بدعة، في معاملتك لأهلك وأولادك، في طعامك في شرابك، لا وسط، «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة» والبدعة ضلالة، وقد تؤدي بصاحبها إذا استمسك بها واستمر عليها أن يكون من أهل النار، والعياذ بالله -﵎-.
أيضًا، من الأحاديث التي وردت في وجوب اتباع السنة ما رواه البخاري -﵀-
[ ١٢٧ ]
من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنهما- قال: «لعن الله الوَاشِمَات والمُسْتَوْشِمَات، والمُتنمّصات»، وفي رواية: «والنَّامِصَات والمُتَنَمِّصَات، والمتفلِّجات للحسن، المغيرات خلق الله» قالت له امرأة من الأنصار تُسمى بأم يعقوب: ما هذا؟ وفي رواية: "فقالت امرأة في ذلك" بمعنى: أن المرأة تستغرب من عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- وهو أحد أكابر الصحابة في علمه، وفهمه، وزهده، وورعه، ومن أصحاب الصلة الوثيقة بكتاب الله -﵎، وسنة نبيه -ﷺ- ومن السابقين للإسلام يقول: «لقد رأيتني وأنا سادس ستة ما يوجد على الأرض مسلم غيرهم».
الحديث كأنه في الرواية هذه هو من قول النبي -ﷺ-، لكنه في هذه المرة كأن عبد الله هو الذي قال ما نسميه موقوفًا، أن عبد الله بن مسعود -﵁- قال؛ إذن عبد الله بن مسعود هو الذي يقول. ماذا قال؟ قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات» إلى آخر ما ذكرنا، المرأة المسلمة الصالحة الأنصارية خافت عليه أن يشرّع من قبل نفسه فقال -رضي الله تعالى عنه: «وما لي لا ألعن من لعنه رسوله الله، وهو في كتاب الله»، قالت المرأة: «والله لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدته» المرأة هنا تبحث في القرآن عن «لعن الله الواشمات والمستوشمات، ولعن الله النامصات والمتنمصات، ولعن الله المتفلّجات للحسن المغيرات خلق الله» كأنها تريد هذا النص بذاته في القرآن الكريم، لكن عبد الله قال لها: "والله لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، ألم تقرئي قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) " هذا داخل تحت هذه الآية، وتحت غيرها من الآيات التي تُوجب طاعة النبي -ﷺ-.
فالحديث فوق دلالته على وجوب اتباع النبي -ﷺ- هو أيضًا قاطع في دلالته على أن النبي -ﷺ- يُشرّع كما يُشرّع الله تعالى، وعلى المسلمين أن يقولوا: سمعنا وأطعنا.
[ ١٢٨ ]
أيضًا، من الأحاديث التي تدل على ذلك حديث وجوب طاعة النبي -ﷺ، بل ليس أن نطيعه فقط، بل أن نطيع أميره الذي أرسله، لو أن النبي -ﷺ- أرسل أميرًا في قيادة ما على أي مستوى من المستويات، على الأمة أن تستجيب لهذا الأمير، أولًا في حديث: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» يعني: على الأمة -كما قلت- لا تطيع النبي -ﷺ- فقط، بل تطيع من أرسله النبي -ﷺ- في أي أمر من الأمور، لو أن النبي -ﷺ- أرسل رسولًا يأتي بزكوات، أو يقود غزوًا "سرية مثلا" أو كلَّف مؤمنًا بأن يُصلي بالمسلمين، أيّ تكليف للنبي -ﷺ- هو طاعتنا لأمره -ﷺ- إنما هو طاعة له -﵊- ومن ثَمَّ أيضًا هي طاعة لله -﵎- لأن من أطاع النبي -ﷺ- فقد أطاع الله، ومن عصى النبي -ﷺ- فقد عصى الله تعالى والعياذ بالله -﵎-.
أيضًا، من الأحاديث التي تدل على وجوب طاعة النبي -ﷺ- قول النبي -ﷺ: «إني تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي» هذا حديثٌ رواه الحاكم في كتاب العلم وهو حديث صححه العلماء، ويلتقي مع كل الروايات الواردة في هذا الأمر، طاعة الله -﵎- وطاعة الرسول -ﷺ- طاعة القرآن الكريم وطاعة السنة المطهرة، ما دمتم تستمسكون بهما فلن تضلوا أبدًا؛ لأنهما طريق الهداية وطريق الرشاد، والعصمة من الزلل: كتاب الله -﵎- وسنة النبي -ﷺ-.
أيضًا، الأحاديث في الحقيقة أكثر من أن تحصى في هذا المجال، ولذلك هنا نقل للإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في (الرسالة) يقول: "وكل ما سن فقد ألزمنا الله باتباعه -أي: كل ما سن رسول الله -ﷺ- فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته -أي: جعل في اتباعه النبي -ﷺ- طاعة الله تعالى، وفي العنود عن
[ ١٢٩ ]
اتباعها -أي: عن السنة معصيته" -أي: حين تُعاند ولا تستجيب للسنة وتماري وتتوقف؛ فأنت معاند، نسأل الله -﷿- ألا تتردى في الهلاك بسبب ذلك الموقف.
"وكل ما سنّ رسول الله -ﷺ- فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العنود عن اتباعها -أي: عن السنة- معصيته، التي لم يعذر بها خلقًا ولم يجعل له من اتباع سنن الرسول مخرجًا" الله -﷿- لم يعذر خلقًا أبدًا في عدم اتباعهم للنبي -ﷺ-، ولم يوجد لهم مخرجًا إلا أن يتبعوه -﵊- لن تجد أبدًا مخرجًا يخرج بك إلى أي خير إلا في اتباعك للنبي -ﷺ. أما المخارج إلى غير ذلك فهي كثيرة، ونسأل الله العصمة.
فالصحابة كانوا يقتدون بالنبي -ﷺ- في كل ما يأمر به، وفي كل ما ينهى عنه، حتى فيما لم يفهموا حكمته، الفاروق -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- يقبل الحجر الأسود ويقول: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يُقبّلك ما قبلتك»، هذا رواه البخاري في كتاب الحج باب ما ذكر في الحجر الأسود وباب تقبيل الحجر، ورواه مسلم أيضًا -رحمهما الله تعالى- في كتاب الحج باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف.
سيدنا عمر -رضي الله تعالى عنه- قبَّل الحجر لمجرد اتباعه لهدي النبي -ﷺ- وهو يعلم أنه حجر لا يضر ولا ينفع، هو لا يلتمس نفعًا عند الحجر، ونحن نعلم جميعًا أن النافع والضار هو الله -﷾- فهو لم يلتمس من الحجر أيَّ منفعة؛ إنما قبله اتباعًا لهدي النبي -ﷺ-.
وأيضًا، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: واحد من الناس يقول له: لا نجد صلاة السفر في القرآن يقصد الهيئة أن يصلي ركعتين فقط وما شاكل ذلك، قصر الصلاة الرباعية أو الجمع أو ما شاكل هذا، مع أنها
[ ١٣٠ ]
فيها إشارة في القرآن الكريم، إشارة موجزة: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (النساء: ١٠١) فبماذا أجابه عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنه-؟ قال: "إن الله -﷿- بعث إلينا محمدًا ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأينا محمدًا -ﷺ- يفعل".
نقول: إنه اتباع مبنيٌّ على فهم، فهم عميق، هو يتبع النبي -ﷺ- لأنه طريق الهداية والعصمة من الضلالة، ومن الغواية، ومن الجهالة، ومن الظلمات؛ فسواء بَدت وظهرت لنا الحكمة من الفعل أو لم تظهر لنا؛ فيكفينا شرفُ الاقتداء برسول الله -ﷺ، هذه بعض الأحاديث في الدلالة على ضرورة اتباع السنة المطهرة.