أيضًا من الأدلة على حجية السنة الإجماع، أجمعت أمة الإسلام قديمًا وحديثًا على التمسك بالسنة، والعض عليها بالنَّواجذ، وعلى ضرورة تطبيقها والسير على هديها في كل جوانب حياة المسلمين، لم يمارِ في الحقيقة في هذه المسألة إلا نفر حقيقة ممن لا يُعتدُّ بخروجهم عن إجماع الأمة من بعض الخوارج ومن الروافض.
هذا أمر كان واضحًا جليًّا في حياة الأمة، من لدن أمر رسول الله -ﷺ- الأمة بأن تتبع هديه، وأن تجمع سنته، وأن تفهمها وأن تطبقها، والنبي -ﷺ- دعا بنضارة
[ ١٣٣ ]
الوجه، فيما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- لمن سمع حديثًا من النبي -ﷺ- فأدَّاه كما سمعه من غير زيادة ولا نقصان، فرب مبلغ أوعى من سامع، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -ﷺ-.
إذن، الأمة وعت دور السنة وأهميتها، وأن القرآن لا يفهم بدونها، وأن الإسلام لا يُطبَّق بدون فهم القرآن الكريم وبدون السنة المطهرة، فلذلك حرصت على السنة وعضت عليها بالنواجذ، والنبي -ﷺ- قال: «ليبلغ الشاهد الغائب» يعني: كل من بلَغه حديث أو شهد واقعة في حياة النبي -ﷺ- وسمع حديثًا عليه أن يبلغه للأجيال اللاحقة حتى تتواصل الأمة بكل أجيالها عبر القرون، وإلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها على حب الله -﵎- وحب النبي -ﷺ، وحب سنته، وضرورة تطبيقها في حياته.
ولذلك انعقد الإجماع على ذلك، على حجية السنة، وعلى ضرورة الالتزام بها، وعلى استقلالها بالتشريع.
قد نقرأ نقاشات، مثلًا يُناقش البعض أحيانًا: هل الذي جاءت به السنة ينبثق عن أصل قرآني أو لا ينبثق؟
هذا نقاش في نظري لا يغير من جوهر الحقيقة شيء، وهو أنه يجب اتباع السنة، وأن السنة تستقل بالتشريع؛ فسواء انبثق الحكم النبوي الذي جاء في السنة عن أصل قرآني، أو لم ينبثق هذا النقاش، لا يُغيّر في المسألة شيء، فهو حكم جديد.
فمثلًا، حين يحرم القرآن الكريم الجمع بين المرأة وأختها: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (النساء: ٢٣) وحين جاءت السنة لتحرم الجمع بين المرأة وعمتها، فإن ذلك يراه البعض منبثقًا عن أصل قرآني، ويراه البعض
[ ١٣٤ ]
حكمًا جديدًا لا ينبثق عن أصل قرآني، أيًّا كان الأمر فإن الخلاف هنا لا يُغيِّر من جوهر المسألة، وهي أن السنة تشرع، هذا حكم جديد ليس في القرآن؛ سواء كان منبثقًا عن أصل قرآني أو غير منبثق، لكنه في كل الحالات حكم جديد أتت به السنة المطهرة.
أقول: انعقد إجماع الأمة على حجية السنة وعلى استقلالها بالتشريع، ويقول الشوكاني -رحمه الله تعالى: "إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يُخالف في ذلك إلا من لا حظَّ له في الإسلام" هذا الكلام الخطير قاله الإمام الشوكاني -﵀- في كتابه (إرشاد الفحول) ص٢٩.
ذكرنا الأدلة من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، ودليل الإيمان، ودليل الإجماع على حجية السنة المطهرة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٣٥ ]