الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه:
كنا قد وصلنا إلى سورة الأنفال وأشرنا إلى الآية في مطلعها ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأنفال: ١) هذا أمر بطاعة الله ورسوله، وهنا في هذه الآية جعله الله تعالى من علامات الإيمان.
أيضًا في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: ٢٠، ٢١)، وفي سورة الأنفال أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (الأنفال: ٢٤) بينا أن الله -﷿- حين ينادي بوصف الإيمان؛ فإن ما بعد النداء يكون من مطلوبات الإيمان، التي على المؤمن أن يحققها في نفسه؛ لكي يستحق أن ينادى بهذا الوصف الإيماني.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا﴾ فعل أمر، يطلب الله -﷿- من المؤمنين ويناديهم بصفة الإيمان؛ أن يستجيبوا لله وللرسول في كل ما يأمران به وينهيان عنه، ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا﴾ يا أمة الإيمان أن الله -﷿-، ورسوله -ﷺ- لا يدعوان ولا يأمران بشيء إلا إذا كان فيه حياة الأمة، استجيبوا لله ورسوله إذا دعاكم لما يحييكم، وليس المقصود بالحياة هنا الحياة التي نعرفها من أكل ومشرب ومطعم؛ لا، إنما الحياة العزيزة الحياة الكريمة، الحياة الطيبة، الحياة المطمئنة. حياة العلو، والعز والتمكين، والتوفيق والسداد، والهداية والرشاد، حياة القرب من الله -﷿- والتماس الرضا منه ﷾، كل ذلك مرتبط باستجابة الأمة لكتاب ربها وسنة نبيها -ﷺ.
[ ١٠١ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن ما يطلبه الله من عباده ما يأمر به وما ينهى عنه، وكذلك ما يأمر به رسول الله -ﷺ- فيه الفلاح والفوز والهداية والنجاح، وفيه -السعادة في الدنيا والآخرة- ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
وفي سورة الأنفال أيضًا بيان لأسباب النصر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (الأنفال: ٤٥) هذا سبب، ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأنفال: ٤٥، ٤٦) يعني: تبين الآيات أن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله -ﷺ- إنما هي من أسباب النصر، التي تجلب العون والتوفيق والحماية من الله -﷿- وتستنزل نصره وتأييده وإعزازه للفئة المؤمنة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: ٤٥، ٤٦).
وأيضًا في سورة التوبة، يجعل الله -﷿- طاعة الله تعالى وطاعة رسوله -ﷺ- من أهم مقومات المجتمع المؤمن، من أهم العلامات التي تُميّز المجتمع المؤمن عن غيره من المجتمعات، في قوله تعالى خصوصًا بعد أن تحدث الله -﷿- عن المنافقين قبل هذه الآيات، انتقل القرآن الكريم إلى الكلام عن المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ٧١) ما شأنهم؟ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (التوبة: ٧١) طاعة الله تعالى وطاعة رسوله -ﷺ- من أهم سمات المجتمع المؤمن، ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
[ ١٠٢ ]
الفئة المؤمنة عُوقبت في أكثر من غزوة بأن تخلَّى عنها النصر، أو ابتعد عنها لما تخلَّت عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله -ﷺ-، وذلك في غزوة أحد مثلًا، لما ترك الرماة الموقف الذي أوقفهم إيَّاه رسول الله -ﷺ- وطلب إليهم ألا يغادروه مهما كان وضع المعركة بين المسلمين والكفار، لكنهم تصوَّروا أن المعركة انتهت لما كان النصر في أول الأمر للمسلمين؛ فنزلوا من على الجبل وكُشف ظهر المسلمين، وكان ذلك سببًا من أسباب انكسار المسلمين في تلك الغزوة بعد أن كان النصر معهم في أول المعركة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ولأننا قلنا من أول الأمر: إننا سنتوقف مع الآيات التي دلَّت في صراحة ووضوح على وجوب اتباع السنة، فإننا لن نتوقف مع الآيات التي تتضمن ذلك ضمنًا؛ حتى لا ينازع منازع في سلامة الأدلة التي نسوقها للاستدلال على هذه القضية الإيمانية العقدية الخطيرة، وهي وجوب اتباع رسول الله -ﷺ-.
في آل عمران، وفي النساء مجموعة من الآيات كثيرة، في المائدة، في الأنعام، في الأعراف، في الأنفال، في التوبة، القرآن على مسيرته.
في سورة النور مجموعة من الآيات التي تُحتّم طاعة رسول الله -ﷺ- بعد طاعة الله تعالى، وأيضًا سياق الآيات خطير حقيقة في سورة النور، كما كان في كثير من الآيات التي أشرنا إليها؛ لأننا أيضًا ننبه إلى ضرورة التنبه إلى دلالات الآيات، ليس المراد سرد الآيات فقط، وإنما التنبه إلى دلالاتها على القضية التي نستدلّ بها عليها.
[ ١٠٣ ]
في سورة النور: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ (النور: ٤٧)، وبمقتضى هذا القول يلزمهم أن يطيعوا الله تعالى، ورسوله -ﷺ- في كل ما يأمران به أو ينهيان عنه، لكن فعلهم لم يتطابق مع قولهم، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٤٧) لننظر هنا إلى حكم الله تعالى عليهم رغم قولهم: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، لم يقولوا: وعصينا، كما قالت طوائف من البشر من بني إسرائيل، إنما قالوا: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ لكنهم لم يتطابق قولهم مع فعلهم، ثم يتولى، ثم يعرض ويبتعد فريق منهم بعد ذلك عن مقتضيات هذا القول، ولم يحسِنوا الاستجابة لأوامر الله تعالى ونبيه -ﷺ؛ فكانت النتيجة أن حكم الله عليهم بعدم الإيمان: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ لا يستجيبون للحق أو للمنهج الذي جاء به رسول الله -ﷺ-، ونزلت به آيات القرآن الحكيم وأحاديث سيد المرسلين -ﷺ- إلا إذا كان فيه منفعتهم، إلا إذا كان فيه خير لهم، إلا إذا تصوروا أن ذلك يجلب نفعًا لهم، ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾.
وفي تقسيم القرآن لمثل هذه الطائفة تقسيمٌ عجيب، هؤلاء الناس الذين لا يَقتربون من منهج الحق إلا بمقدار انتفاعهم به فحسب، هؤلاء يَندرجون تحت واحدٍ من ثلاثة: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ (النور: ٥٠) هذا تقسيمهم العقلي والواقعي لمن يتوقف ويتردد ويمتنع عن حكم الله -﵎-، وحكم رسوله -ﷺ-؛ إما في قلبه مرض النفاق والعياذ بالله، وإما عنده شكٌّ، وإما يعتقد بظلم الحكم الإلهي؛ ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾، وكل واحد من هذه الأسباب الثلاثة كافٍ في تدمير أصحابه
[ ١٠٤ ]
والذهاب بهم إلى الهلكة وإلى النار، والعياذ بالله -﵎-، ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ نعم، هم الظالمون لأنفسهم، والظالمون لأمتهم، والظالمون لدينهم، والظالمون لقرآنهم، ولسنة نبيهم -ﷺ- حين تجافى قولهم مع فعلهم، وحين أعرضوا عن حكم الله -﵎-، وحكم النبي -ﷺ، وبحثوا عن أحكام أخرى تتوافق كما يَرونه موافقًا لمصلحتهم.
وفي الحقيقة، فإن القرآن الكريم حدثنا عن طائفةٍ من الناس، اقترابها من منهج الإيمان بمقدار انتفاعها منه، لو كلفهم الإيمان مثلًا تكلفة مالية أو بدنية، في الجهاد في الصدقات كذا- ربما تثاقلوا ولم يستجيبوا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج: ١١) والعياذ بالله! هؤلاء صنف من الناس -كما قلنا- اقترابهم من منهج الإيمان هو اقتراب نفعي مبنيّ على المصلحة، ليس على صدق اليقين، وعلى قوة الاعتقاد، وعلى الفهم الناضج الذي بمقتضاه يعلمون أن ما حكم به الله تعالى وما حكم به رسول الله -ﷺ- هو سيد الأحكام، وأعدل الأحكام وخير الأحكام، لكنهم نظروا فقط بمقدار منفعتهم العاجلة التي يبحثون عنها.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (النور: ٤٧ - ٤٩) لا يستجيبون للحق ولا يخضعون له إلا إذا كان في صالحهم وفي جانبهم، أما إذا كان عليهم فهم لا يستجيبون له، ولذلك وضعهم الله -﵎- تحت صنفٍ من هؤلاء الأصناف الثلاثة، وحكم عليهم بعدم الإيمان، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ خصوصًا إذا تصاعد اعتراضهم إلى درجة الإنكار والجحود، والعياذ بالله.
[ ١٠٥ ]
ثم جاءت الآيات لتبين بعد ذلك موقف المؤمنين الخُلَّص السعداء، الفاهمين، الواعين، المدركين لعظمة هذا الدين، وعظمة أوامره، وأنها جاءت كلها لصالح المؤمن في دنياه وفي آخرته: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (النور: ٥١) هذا شأن المؤمنين ولذلك حكم الله لهم بأن قال -عز من قائل-: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: ٥٢) فلاح وفوز، ارتبطا معًا بطاعة الله -﵎- وطاعة رسوله -ﷺ-: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ نالوا الفلاح ونالوا الفوز ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ختام الآيتين جاء بأسلوب القصر عن طريق تعريف الطرفين: المبتدأ والخبر، المبتدأ والخبر في كلا الجملتين جاء معرفة؛ في الآية الأولى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أولئك: مبتدأ، والمفلحون: خبر، أيضًا إشارة إلى أن الفلاح مرتبطٌ بطاعة الله -﵎- والاستجابة لحكم رسوله -ﷺ. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ أيضًا الفوز في الدنيا وفي الآخرة مرتبط بخشية الله، بطاعة الله وطاعة رسوله -ﷺ-، وجاءت الجملة أيضًا معرفة الطرفين للدلالة على هذه الحقيقة وتأكيدها.
في سورة النور أيضًا: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ قل للمؤمنين: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (النور: ٥٤) الفوز والفلاح والهداية كما كان في سورة الأعراف، وكما كان في غيرها من الآيات، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ كل
[ ١٠٦ ]
واحد يبوء بالحمل الذي وضعه الله -﵎- عليه وكلّفه به، الرسول -ﷺ- بلَّغ، وأدَّى، ونصح، وكشف؛ فجزاه الله تعالى عن أمة الإسلام خيرًا، وعن كل مسلمٍ استجاب له، وهداه الله به إلى معالم الهدى والإيمان.
وأيضًا بعد ذلك بآيات: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ جملة من الآيات متقاربة في سورة النور أشرنا إليها، وهي أيضًا من السور التي ذكرت صراحة اتباع رسول الله -ﷺ-.
سورة الأحزاب فيها آيات أيضًا تحثُّ على الطاعة، وتطلب من المؤمنين حسن الاستجابة لرسول الله -ﷺ-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦) هذه الآية تنفي الاختيار عن المؤمنين حين يكون هناك حكم لله -﵎- ولرسوله -ﷺ.
الاختيار في حقيقته يكون بين شيئين أو بين مجموعة من الأشياء، والذي يختار يُقارن بين هذه الأشياء؛ ليختار من بينها في النهاية ما يؤدِّي إليه اجتهاده، من أنه أكثر فائدة وأقلّ ضررًا، مثلًا أشتري قطعة الأرض هذه أو تلك، أركب هذه السيارة أو تلك، أفعل كذا أو كذا أو كذا إلى آخره، أصلُ عملية الاختيار أنها لا تتم إلا بين خياراتٍ متعددة.
المؤمن سيختارُ بين حكم الله -﵎- وحكم من لا يَستقيم في منهج الإيمان أبدًا أن يختار المسلم بين حكم الله -﵎- وحكم الرسول -ﷺ، وبين حكم غيرهما. المقارنة أصلًا معقودة لصالح حكم الله -﵎- وحكم النبي -ﷺ؛ بل الدقة تقتضي أن نقول: لا يجوز أن ترِد المقارنة على الذهن أبدًا، كيف أقارن بين منهج الحق وبين غيره من المناهج؟ الذي يأتينا من عند الله
[ ١٠٧ ]
هو الحق ولا حق سواه، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩)، ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (يونس: ٣٢) كيف؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤) أشرنا في الدروس السابقة إلى قول الصحابي الجليل: "نهانا رسول الله -ﷺ- عن أمرٍ كنا نرى فيه خيرًا، وأمر رسول الله -ﷺ- خير وأرشد" نعم خير وأرشد وأنجح، وأكثر سعادة وتوفيقًا وهداية، طريق الهدى الذي عصم الله به البشرية من التردِّي في مهالك الرذيلة، ومن السير في طريق الغواية والضلالة، والظلمات والجهالة، كشف الله كل ذلك بمنهج الإيمان المتمثّل في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة.
ولذلك كان نسق الآية عجيبًا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦) كان من الممكن مثلًا أن يكون التعبير القرآني: وما كان لرجل وامرأة أو لذكر وأنثى أو لبشر إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. إنما آثر القرآن الكريم التعبير بوصف الإيمان، هل يوجد مؤمن في الدنيا تردُ على ذهنه المقارنة بين حكم الله -﵎- والنبي -ﷺ- وبين حكم غيرهما؟ مستحيل، ولذلك اختار الله -﷿- صفة الإيمان التي تنبّه المؤمن العاقل الرشيد إلى أنه لا يجوز له أبدًا أن يُقارن هذه المقارنة الظالمة الآثمة التي قد تؤدِّي بصاحبها إلى الهلاك والتردِّي والعياذ بالله، ولذلك أيضًا ختم الله -﵎- بقوله -عز من قائل-: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ وكأن ختام الآية بوصف المعصية بالضلال؛ لتبين لنا أن مجرد الاختيار، أو أن يرد على الذهن اختيار أو ترد مقارنة، هذه في حد ذاتها معصية، حتى لو انتهى المؤمن بعد ذلك إلى اختيار
[ ١٠٨ ]
حكم الله -﵎- وحكم نبيه -ﷺ. ما موقفه إيمانًا أو إيمانيًّا من الأوقات التي توقّف فيها، وجلس يقارن بين حكم الله -﵎- وحكم النبي -ﷺ- من ناحية، وبين حكم غيرهما.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أيضًا في سورة الأحزاب، وهي وإن كانت في ترتيبها قبل هذه الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ٢١) في الحقيقة الله -﷿- في هذه الآية حصر أسوة المؤمنين في رسول الله -ﷺ- وقصرها عليه، بمقتضى هذه الآية ليس من حقنا أبدًا أن نأتسي بغير النبي -ﷺ- وهذا القصر أودُّ أن ألفت النظر إليه عن طريق إعراب الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ نقول: اللام للتأكيد، وقد حرف تحقيق، كان فعل ماض، هذا من البدهيات، كان لكم: جار ومجرور متعلق بالأسوة، هذه الأسوة لكم يا مؤمنون، لقد كان لكم: أين اسم كان وخبرها؟ لقد كان لكم في رسول الله: هذا جر في رسول جار ومجرور خبر مقدم، أو متعلق بمحذوف خبر مقدم كما يقول النحاة، ولفظ الجلالة مضاف إلى رسول، في رسول: خبر مقدم أو متعلق بخبر مقدم، ولفظ الجلالة مضاف إليه، وأسوة: هي المبتدأ، أو هي اسم كان، وأسوة نكرة، وأهل النحو يقولون: لا يجوز الابتداء بالنكرة إلا بمسوغات، ومنها أن تُوصف كما هي هنا، حسنة: صفة لأسوة، وترتيب الجملة على النسق النحوي: لقد كان أسوة حسنة في رسول الله لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.
وفي الحقيقة فإن علم النحو لا يمنع من أن تأتي الجملة على ترتيبها النحوي المعهود: المبتدأ أولًا والخبر ثانيًا، خصوصًا أن كلمة "أسوة" كما ذكرنا وُصفت، وما دامت قد وُصفت فلا مانع من أن تأتي بها أولًا، وقد جاء ذلك في القرآن الكريم في سورة الممتحنة مثلًا ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ (الممتحنة: ٤)
[ ١٠٩ ]
الجملة هناك في سورة الممتحنة جاءت على ترتيبها النحوي المعروف، إنما في سورة الأحزاب لم تأتِ على ترتيبها النحوي رغم أن علم النحو -كما ذكرنا- لا يمنع؛ نظرًا لأن المبتدأ -وإن كان نكرة- إلا أنه وُصف؛ إذًا فإن السبب هنا بلاغي، وهو إفادة القصر، بمعنى أن الله -﷿- جاء بالجملة على النسق البلاغي؛ بمعنى تقديم الخبر أولًا على المبتدأ؛ ليبين أن أسوة المسلمين وقدوتهم محصورةٌ في رسول الله -ﷺ، ليس من حقهم أبدًا أن يأتسوا، أو أن يقتدوا بغيره أبدًا، ولذلك ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ لكم: الخطاب لمن؟ للمؤمنين، هو لا يخاطب الذين لم يؤمنوا برسالة النبي -ﷺ-.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أسوتنا بمقتضى هذه الآية محصورة في النبي -ﷺ، أو فيمن يبيح لنا النبي -ﷺ- أن نأتسي بهم، كما في الحديث الصحيح مثلا: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».
حين يبيح لنا رسول الله -ﷺ- أن نأتسي بسنة الخلفاء الراشدين المهديين هل هذا متعارض مع الآية؟ لا. لأن استجابتنا لهدي الخلفاء الراشدين إنما هو اتباع للسنة من وجهين:
الوجه الأول: أن اتباعنا لهديهم هو امتثال لأمره -ﷺ- الذي قال لنا ذلك: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، وأيضًا لأن هدي الخلفاء الراشدين لا يُخالف هدي النبي -ﷺ- بل هو تابع له؛ فاتباعنا لهم إنما هو اتباعٌ للنبي -ﷺ- من هذين الوجهين معًا.
وحين تقصر الآية أسوة الأمة في النبي -ﷺ، فإن ذلك يوضّح بجلاء حجية السنة؛ لأننا نطرح تساؤلًا: كيف نأتسي بالنبي -ﷺ-؟ الائتساء به يكون بامتثال أمره
[ ١١٠ ]
واجتناب نواهيه، ولذلك كما قلنا في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ٥٩) لماذا آثر التعبير بالرسول؟ ولم يقل: فردوه إلى الله وإلى محمد؟ لإغلاق الباب أمام أي زاعم يزعم: أن محمدًا قد مات، فانقطع الرد إليه بموته، نفس القضية هنا في سورة الأحزاب "لقد كان لكم في محمد أسوة حسنة" لا. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، إذن بما أن رسالته مستمرة فالائتساء به مستمرٌ إلى يوم القيامة، ولو جاءت الآية "لقد كان لكم في محمد" لربما زعم زاعم من المعاندين دائمًا يقول: إن محمدًا قد مات، فالأسوة به قد انقطعت بموته، لكن رسالته باقية، وسنته قائمة؛ فالائتساء بهما قائم إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ والخطاب هنا للمؤمنين، ومعنى ذلك: أنهم قد يتخلون عن منهج الإيمان إذا لم ينفّذوا هذا الأمر الإلهي الكريم، وهو حصر الأسوة في رسول الله -ﷺ-.
وفي سورة الأحزاب أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠، ٧١) الفوز العظيم الذي لا تصور لعقل بشري لمداه مرتبط بطاعة الله -﵎- وطاعة رسوله -ﷺ، وهذا الفوز يستمر بصاحبه إلى أن ينجيه الله تعالى من النار، وأن يدخله الجنة كما ورد في قوله -﵎- في سورة آل عمران: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧١).
أيضًا في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ
[ ١١١ ]
حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: ١٧).
قبلها في سورة محمد -ﷺ- سورة القتال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣)، في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات: ١) ونلفت النظر أيضًا إلى دلالة النداء بوصف الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعد أن نادانا الله -﵎- بهذا الوصف ماذا يطلب منا؟ ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أين مفعول لا تقدموا؟ ينهانا الله أن نقدم ماذا؟ هنا حُذف المفعول للعموم؛ لا تقدموا حبًّا على حبهما، لا تقدموا ولاء على ولائهما، لا تقدموا حكمًا على حكمهما، لا تقدموا طاعة على طاعتهما، لا تقدموا انقيادًا لأحد على الانقياد لهما، لا تقدموا، لا تقدموا، كل ما يمكن أن يتصوره العقل من صور التقديم لأي شيء تتعلق به أهواؤنا أو نفوسنا، أو يدفعنا إليه الحرص على المال، أو المنصب، أو ما شاكل ذلك، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ (الحجرات: ١).
بل إن القرآن بالأحرى يطلب من المؤمنين ألا ترتفع أصواتهم فوق صوت النبي، وأيضًا ليست بعيدة هذه الآية عن الاستدلال للسنة، الذي مجرَّد أن يرفع صوته مع النبي -ﷺ؛ سواء كان النبي حيًّا أو ميتًا، فإنما يبوء بوزر عظيم، وقد يتعرض لخطر شديد كما وردت الآية: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (الحجرات: ٢) رفع الصوت فقط قد يؤدِّي إلى أن تحبط الأعمال والعياذ بالله، فما بالك بمن يقدّم حكمًا على حكم رسول الله -ﷺ-!.
[ ١١٢ ]
في سورة المجادلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ طاعة الله ورسوله فإن لم نفعل قد نتعرَّض لخطر شديد نبهنا إليه مرارًا، إذا لم نقدم بين يدي نجوانا صدقات على مناقشة لأحكام هذه الآية، فإن لم تفعلوا فطاعة الله ورسوله واجبة حتمًا عليكم، وعليكم أن تستجيبوا لهذا الأمر الإلهي.
أيضًا في سورة التغابن: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (التغابن: ١٢) أمر بطاعة الله -﵎- وطاعة رسوله -ﷺ-، لما نتعرض لحجية السنة من القرآن الكريم لا يكاد البعض يتصوَّر إلا آية الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) ولذلك قلنا في أول حديثنا عن حجية السنة من خلال آيات الذكر الحكيم: أنها قضية قرآنية.
هذه دلالات كثيرة في الآيات تبين خطورة المسألة وأنها فعلًا قضية قرآنية.