الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
حديث فقء موسى -﵇- لعين ملك المو ت:
وهذا من الأحاديث التي تكلموا بصددها، وتقوَّلُوا على هذا الحديث ما شاء لهم أن يقولوا، وتكلموا على أنه مخالف للعقل ومخالف للشريعة، وما إلى ذلك، ونحن في هذا الأمر سنردّ عليهم وعلى شُبههم التي أثاروها بإذن الله -﵎-.
نتكلم أولًا عن تخريج الحديث:
هذا الحديث روتْه كل كتب السنّة، رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في (الصحيح) من حديث أبي هريرة -﵁- قال: «أُرْسِل ملك الموت إلى موسى -﵉- فلما جاءه صكه» يعني: لما جاء ملك الموت إلى سيدنا موسى صكه، أي: ضربه: «فرجع إلى ربه فقال: أرسلتَني إلى عبد لا يريد الموت، فردَّ الله عليه عينَه، وقال: ارجِعْ، فقل له: يضع يده على متن ثَوْر، فله بكل ما غطَّت به يده بكل شَعْرة سَنَة» رجع ملك الموت إلى سيدنا موسى أخبره بذلك، سيدنا موسى يسأل: «قال: أيْ ربِّ، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل اللهَ أن يدنيَه من الأرض المقدسة رميةً بحَجَر، قال رسول الله -ﷺ-: فلو كنت ثَمَّ -أي: هناك- لأريتُكم قبرَه إلى جانب الطريق عند الكَثِيب الأحمر».
هذا الحديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب: الجنائز، باب: مَن أحبَّ الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها. وأخرجه أيضًا في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى -﵇- وأخرجه مسلم -رحمه الله تعالى- من حديث أبي هريرة في كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى -﵇- وأخرجه من طريق آخر أيضًا في نفس الباب السابق والكتاب السابق.
[ ٣٥٥ ]
وأخرجه الإمام أحمد في (المسند) وآخرون، من حديث أبي هريرة أيضًا، وذكره في عدة مواطن من مسنده.
وأخرجه النسائي من حديث أبي هريرة أيضًا في كتاب: الجنائز، باب التعزية إلى آخره.
هذا الحديث يملأ دواوين السُّنة، لا يوجد كتابٌ من كتب السُّنة إلا وقد رواه، والحديث بذلك في أعلى درجات الصحة، يعني: لا ينازِع في صحته أحدٌ أبدًا من أئمة الشأن المعتمدين ممن لهم دارية وعمق في تخصص الحديث وعلومه قديمًا وحديثًا، ويكفي أن صاحبي (الصحيح) -رحمهما الله تعالى- روياه في صحيحيهما، فهو من المتفق عليه عند علماء الأمة، ويعتبر من الأحاديث التي أجمعت الأمة على تلقيهما بالقبول، بالتالي هو في أعلى درجات الصحة.