الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ثم أما بعد:
فنرد أيضًا على بعض الشبه التي أثارها المشككون في حجية السنة، رددنا على فهمهم لكثير من الآيات التي حاولوا أن يستدلوا بها على غير بابها، وبينا أن فهمهم مخالف لفهم الأمة بأجمعها من سلفها وخلفها وقديمها وحديثها.
نواصل -بعون من الله ﵎ وتوفيقه- الرد على زعمهم بأن السنة المطهرة لم تحفظ، وهي شبهة أثاروها أيضًا، محاولين أن يستدلوا بها على ابتعادهم عن السنة وعدم تمسكهم بها، وعدم اعترافهم بحجيتها.
يقولون: إن القرآن الكريم قد حُفظ، وهذا الحفظ قد سجله الله -﵎- في القرآن الكريم في قوله -﵎-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ (الحجر: ٩) وإن هذه الآية تدل على أن القرآن وحده هو الذي حُفظ، ويستدلون أيضًا بأن السنة تعرضت لمشاكلَ كثيرة من وضّاعين، ومن من حاولوا أن يضيفوا إليها، وأن يحذفوا منها وأن يسقطوا الاحتجاج بها إلى آخر ما يحاولون إثارته من شبه؛ ليستدلوا بها على أن السنة النبوية لم تُحفظ، وما دامت لم تحفظ فهي يتطرق إليها الشك والاحتمالُ، ومن ثم لا تكون لها حجية في الشرع، ولا نستطيع أن نحتكم إليها.
هذا هو هدفهم الذي يحاولون أن يصلوا إليه، وأن يحاولوا أيضًا إثباته من خلال الأدلة.
الرد من مجموعة من الجوانب:
أولًا: اتفقنا من خلال الأدلة من القرآن الكريم: على أن السنة تبين القرآن الكريم، وبداهةً لا يُمكن حفظ المُبيّن -وهو القرآن الكريم- بدون حفظ المبيّن -وهو
[ ١٧٧ ]
السنة المطهرة- وإلا لما كان هناك معنى؛ لأن السنة غير المحفوظة -على زعمهم- تُبيّن نصًّا محفوظًا اعترفوا هم بحفظه فقط دون السنة المطهرة، ما قيمة حفظ المبيَّن إذا لم يحفظ المبيِّن الذي بينه؟! اللهم إلا إذا نازعوا في أن السنة تبين القرآن الكريم، وحينئذٍ يتصادمون مع القرآن نفسه كما أوردنا قبل ذلك.
على أن الذكر في آية الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ كثيرٌ من العلماء قال: بأن المراد به القرآن والسنة، المراد به رسالة الإسلام، وقالوا: إن الآيات التي وردت تبين هذا، ويقصدون سياق الآيات التي تكلمت عن الكافرين، وأنهم يستهزئون بالقرآن الكريم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُون * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٣: ٩) هؤلاء السفهاء من الكفار يستهزئون برسول الله -ﷺ- ويتهمونه بالجنون، وما دام مجنونًا فإن الذي أتى به -سواء من القرآن أو من السنة- لا يمكن أن يكون محفوظًا، ولا له قيمة؛ لأنه صدر عن شخص مجنون، فدافع الله -﷿- عن نبيه -ﷺ- بقوله﷾-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
فسياق الآيات يُشعر بأن الذكر المراد في الآية إنما هو القرآن والسنة؛ أي: كل الذي نطق به رسول الله -ﷺ- وجاء به من عند الله -﵎- ردًّا على هؤلاء الكافرين المستهزئين الذين سخروا من رسول الله -ﷺ- واتهموه بالجنون -قاتلهم الله وانتقم منهم بقوته ﷾-.
وهذا الفَهم كثير من العلماء قاله، وقالوا: إن المراد أيضًا بـ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الضمير في "له" يعود على رسول الله -ﷺ- أي: نزلنا الذكر
[ ١٧٨ ]
وحفظنا رسول الله -ﷺ- وحفظ رسول الله -ﷺ- يَستلزم بالضرورة حفظ سنته، حفظ ما قاله، يعني: كيف يحفظ هو في ذاته فقط من الاتهامات؟ إنما أيضًا يحفظ من الاتهامات الظالمة؛ من اتهامه بالجنون، من أن ما جاء به ليس من عند الله، بأنه لا ينطق عن الحق إلى آخر ما اتهموه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ حفظ للقرآن الكريم، وحفظ لسنة النبي -ﷺ-.
ابن جرير -رحمه الله تعالى- في تفسيره قال: الضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ يعود على محمد -ﷺ- وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه، هذا رأي أورده بعد أن بيّن أيضًا أن: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: يعود على القرآن الكريم أيضًا في المقام الأول، ونزيد نحن في استدلال ابن جرير نقول: حفظ النبي -ﷺ- يقتضي حفظ سنته، هذا من البدهيات، وإلا فلا معنى لحفظ النبي -ﷺ- مع عدم حفظ سنته؛ لأن الباب للتشنيع عليه ولاتهامه وللسخرية منه سيظل مفتوحًا ما لم تُحفظ سنته بحفظ الله -﵎-. أيضًا هذا الرأي -أي: الضمير في عودته على رسول الله -ﷺ- قاله الألوسي -رحمه الله تعالى- ونسبه إلى الفراء، وقال -النقل عن الفراء-: وإنا للنبي الذي أنزل عليه الذكر لحافظون من مكر المستهزئين، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) يقول الألوسي: والمعول عليه الأول -أي: الرأي الأول- في أن المراد به القرآن، وابن كثير أيضًا ذكر هذا الرأي في تفسيره.
يقول -رحمه الله تعالى-: ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ على النبي -ﷺ- كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ والمعنى الأول أولى؛ أي: المعنى الأول أن المراد به القرآن وهو المناسب للسياق.
انتهى كلام ابن كثير.
[ ١٧٩ ]
وذكره الزمخشري -رحمه الله تعالى- في (الكشاف) عند تفسيره لهذه الآية، رأيًا ثانيًا، لكنه لم يستبعده كما استبعده ابن كثير وكما استبعده الألوسي، وفي تفسير أبي السعود -رحمه الله تعالى- المسمى بـ (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم) ذكره أيضًا ولم يستبعده، وذكره الفخر الرازي -رحمه الله تعالى- في تفسيره الموسوم بـ (التفسير الكبير ومفاتح الغيب)، ونسَبَه إلى الفرّاء وقال: زاد أيضًا، وقوّى ابن الأنباري هذا القول؛ يعني: ابن الأنباري قوى القول بأن مرجع الضمير يعود أيضًا إلى النبي -ﷺ- واعتبره رأيًا قويًّا، ونقل الفخر -﵀- في تفسيره قول ابن الأنباري هذا.
إذن نحن أمام جملة من العلماء، وإن كان بعضهم قد استبعد إلا أنهم ذكروه رأيًا من بين الآراء في الآية، يعني: هذه الأقوال من قديم ليست من واردة اليوم وليست من فهمنا نحن؛ حتى يتهمنا البعض بأننا ندافع عن السنة بتعسف، هي أقوال قديمة موجودة: أن المراد بالحفظ أيضًا للقرآن وللنبي -ﷺ- وكما قلنا: من المعلوم بداهة أن حفظ النبي -ﷺ- يستلزم حفظ سنته، وإلا فإن الباب لم يغلق أمام سخرية الساخرين ومعاندة المعاندين، وجحود الجاحدين إذا بقيت السنة من غير حفظ على زعمهم.
وعلى فرض أن المراد بالذكر في الآية -كما قلنا- هو القرآن الكريم فقط؛ فإننا نؤكد أن حفظ القرآن بالضرورة يستلزم حفظ السنة، وأنه لا معنى لحفظ السنة بدون حفظ القرآن الكريم، وهذا أمرٌ من البداهة بوضوح؛ بحيث لا نقف عنده كثيرًا.
على أنه أيضًا توجد أدلة أخرى من القرآن الكريم في حفظ السنة، من ذلك: قوله -﵎- في سورة القيامة عن القرآن الكريم: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦ - ١٩) قد يقال: إن آية الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[ ١٨٠ ]
دلالتها ليست إلا عن طريق اللزوم والتتبع؛ يعني: يلزم من حفظ القرآن حفظ السنة، والسنة تتبع القرآن، فكما حُفظ القرآن تُحفظ السنة، وهذا الدليل قد يعترض عليه البعض، إلا أن آيات سورة القيامة التي قرأناها نصّ صريح في حفظ الله -﵎- للسنة بطريق الأصالة والاستقلال، وليس عن طريق اللزوم أو الدلالة الالتزامية.
دلالة الآيات على ذلك من وجوه:
أن بيان القرآن الكريم على الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ الله -﷿- تكفل ببيان القرآن كيف؟ أوكل إلى نبيه -ﷺ- هذه المهمة، كما في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤) يترتب على ذلك أن الله -﵎- أوحى ببيانِ القرآن الكريم للنبي -ﷺ- كما أوحى له بالقرآن الكريم ذاته، الله -﷿- قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يعني: نحن الذين سنبين القرآن الكريم ثم في سورة النحل في أكثر من آية أوكل الله مهمة بيان القرآن للنبي -ﷺ-.
إذن، كما أوحى الله -﵎- بالقرآن للنبي -ﷺ- أوحى أيضًا ببيان القرآن للنبي -ﷺ- وهي السنة المطهرة، وكون السنة المطهرة وحيًّا من عند الله -﵎- هذا أمر ثابت بالأدلة، يترتب على أن الله -﷿- أوحى بالسنة كما أوحى بالقرآن للنبي -ﷺ- على أن هناك وحيًّا متلوًّا وهو القرآن الكريم، ووحيًّا غير متلو وهو السنة المطهرة، وما دامت السنة وحيًّا من عند الله -﵎- وهي بيان للقرآن الكريم، فإن الله قد حفظ القرآن الكريم وحفظ بيانه، حفظ القرآن الكريم وحفظ السنة، وإلا كيف نفرق بينهما مع أن كليهما وحي من عند الله -﵎- ومع أن الله هو الذي تكفل ببيان القرآن على لسان نبيه -ﷺ-!!
[ ١٨١ ]
هل يُنكر أحدٌ يفهم الأدلة الواضحة أمامه في أن الله -﵎- قد أنزل الذكر، وأنزل بيانه بالسنة المطهرة، مع افتراض أن الذكر هو القرآن الكريم فقط على حدّ ما زعموا، قد يشغب مشاغب ويقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: الله وحده هو الذي يُبين القرآن الكريم، وليس النبي -ﷺ- وليس الأمة من علمائها الوارثين للنبوة، بدليل قوله -﵎-: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.
الرد على هذا الإشكال أو هذه المشاغبة من وجهين:
أولًا: تعارض ذلك مع القرآن الكريم: في أن الله تعالى أوكل لنبيه -ﷺ- مهمة ما في القرآن الكريم، أنت إذا قلت: إن الله -﵎- وحده هو الذي بين القرآن الكريم ولم يبينه النبي -ﷺ- ولم يبينه علماء الأمة فقد تعارضت مع القرآن الكريم على الأقل فيما يتصل بالنبي -ﷺ- القرآن الكريم الواضح القاطع الصريح في أن الله -﵎- كلّف نبيّه مهمة بيان القرآن الكريم كما في قوله -﵎-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، أيضًا يتعارض هذا مع قوله -﵎-: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ من الذي جمعه؟ لو قلت: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٩) تفيد بأن الله وحده هو الذي بيّنه وليست السنة، الآية التي قبلها: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: وقراءته، من الذي جمع القرآن الكريم؟ المسلمون جمعوه جمعين: في عهد أبي بكر الصديق -﵁- الجمع الأول، وفي عهد عثمان -رضي الله تعالى عنه- جمعه الجمع الثاني، في مصحف عثمان، ومعروف القصة للجميع، وهذه مسائل تدرس في علوم القرآن.
إذن، الأمة هي التي جمعت القرآن، والنبي -ﷺ- هو الذي بين القرآن الكريم للأمة من خلال السنة المطهرة.
[ ١٨٢ ]
إذن، لو قلت بأن علينا بيانه مقصود بها الله -﷿- تعارضت مع القرآن الكريم من زاويتين:
الزاوية الأولى: آية النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وأيضًا في سورة القيامة: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه﴾ قبلها قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ والله -﷿- لم يجمع القرآن؛ بمعنى أنه لم يجمعه الجمع المعروف أنه جمع الآيات ، الوحي كان ينزل بها إلى كذا، لكن لم يوجد بيننا كتاب يقول: هذا جمع الله -﵎- للقرآن الكريم، إنما كان يوحى به إلى النبي -ﷺ- والنبي -ﷺ- هو الذي يبلغ الأمة بترتيب الآيات وترتيب السور، ثم إن الكل يعلم أن الخليفة الأول -﵁- هو الذي جمع القرآن كله، ثم جاء الخليفة الثالث -﵃ أجمعين- وجمع الأمة على مصحف عثمان الذي نعرفه جميعًا.
إذن، من يشاغب في هذا فإنه لا يشاغب معنا إنما يعاند القرآن الكريم، فهذا يتصادم مع القرآن الكريم، وكما حفظت الأمة القرآن الكريم فهي أيضًا حفظت السنة المطهرة بوسائل متعددة وبجهد جبار في ذلك يُدرّس في مواد خاصة في مادة مثلًا تاريخ السنة أو مناهج العلماء، نتتبع فيه جهد الأمة في صيانة السنة المطهرة.
إذن، وضح من خلال آيات القيامة أنها تحتوي على الدليل القاطع الأكيد في حفظ الله -﵎- للسنة المطهّرة.
وأشرنا إلى أن السنة وحيٌ من عند الله رب العالمين، هذا ثابت بالقرآن والسنة، في قوله -﵎-: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم: ١: ٥) ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ -ﷺ- ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: كل ما ينطق به: ﴿إِلَّا وَحْيٌ﴾ هذا أسلوب قصر عن طريق النفي والاستثناء، يثبت أن النبي -ﷺ- لا ينطق إلا بوحي من الله -﵎- سواء كان من القرآن الكريم أو من السنة
[ ١٨٣ ]
المطهرة، وإن حاول البعض أن يجعل الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ﴾ أي: القرآن، فهذا تضييق: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ستقصرها على القرآن أيضًا، هو نطق بالقرآن وبغيره، نطق بالسنة المطهرة، فكيف تجعل الضمير يعود على بعض المنطوق ويترك البعض الآخر؟ حتمي هنا أن نقول: ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن والسنة؛ أي: أن النبي -ﷺ- لا ينطق في أي شيء ينطق به إلا بالقرآن الكريم والسنة المطهرة أي: بوحي من الله -﵎-.
وأيضًا في آيات كثيرة في سور متعددة في البقرة وآل عمران والأحزاب، والجمعة: يمن الله علينا بأنه: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: ٢)، هذه الآيات التي ورد فيها ذكر القرآن والحكمة: يتلى عليكم الكتاب والحكمة تقتضي هذه الآيات أن الحكمة غير القرآن، بدليل المغايرة، ويعلمهم الكتاب والحكمةَ، لا بد أن تكون الحكمة غير القرآن؛ لأنه من البدهيات المعروفة عند النحويين أنه لا يجوز عطف الشيء على نفسه، بل إن العطف يقتضي أن المعطوف غير المعطوف عليه، إذن الحكمة غير الكتاب.
الآيات الأخرى من البقرة وآل عمران والأحزاب والجمعة بينت أن الحكمة غير الكتاب بدليل العطف الذي يقتضي المغايرة، ثم جاءت آية النساء لتبين أن القرآن والحكمة كليهما نازلٌ من عند الله -﵎-: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ بقي أن نقول: إن الحكمة هي السنة؛ لأن النبي -ﷺ- لم يأتنا بغير القرآن والسنة، فلزم حتمًا أن تفسّر الحكمة بالسنة، ولذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في (الرسالة): فسمعت من أرضى من أهل العلم يقول: إن الحكمة هي السنة.
[ ١٨٤ ]
ومن السنة المطهرة أيضًا أحاديث كثيرة، تبين أن النبي -ﷺ- لا ينطق إلا بوحي، وأوضح شيء في هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- حين كان يكتب كل شيء يسمعه من النبي -ﷺ- فنهته قريشٌ عن ذلك، فرفع الأمر للنبي -ﷺ- فقال له النبي -ﷺ-: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق» يقسم النبي -ﷺ- على أنه لم يخرج منه إلا حق؛ أي: إلا وحي من عند الله -﵎حق وصدق نزل به الوحي على رسول الله -ﷺ-: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» المثل الذي أوتيه مع الكتاب هو السنة التي بينت القرآن الكريم.
كل هذه بإيجاز أدلة على أن السنة وحي، وما دامت وحيًّا وما دامت هي مبينة للقرآن الكريم فإذن لا بد أن تحفظ كما حفظ القرآن الكريم، ولذلك قلنا عن آيات سورة القيامة: إنها تدل دلالة قاطعة وصريحة في غير لبس على أن السنة محفوظة بحفظ الله -﵎-.