«سحَرَه رجل من بني زُرَيْق يقال له: لَبِيد بن الأعصم»، هو ليس يهوديَّ الأصل، هو يهودي بالحِلْف مع اليهود، هو أنصاري خزرجي من بني زُرَيْق، يعني: من الأنصار لكنه منافق؛ لأنه تعاطى السحرَ وسحَرَ النبي -ﷺ-. إنما وصفته الروايات بأنه يهودي؛ لأنه كان بينه وبين اليهود حِلْف، وهذا كان موجودًا في المدينة بالذات، تَحالفَ كثيرٌ من بطون الأوس أو بطون الخزرج مع اليهود؛ نظرًا لما كان لهم من سَطوة اقتصادية أو عسكرية، وكان ذلك قبل الإسلام، وردّوا هذه العهود على أصحابها حين نهى الإسلام عن موالات غير المسلمين أو الذين يحاربون الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الممتحنة: ١) إلى آخره.
"حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن"، هذا أثرُ السحر في نفس النبي -ﷺ.
«يا عائشة، ألا ترين أن الله قد أفتاني فيما استفتيه» أي: أظهر لي حقيقة مرضي، أَطلقَ عليه الدعاء، والداعي يسمَّى مستفتيًا والمُجيب يسمى مفتيًا؛ لأنه طلب من ربه -﷾- أن يكشف عنه ما هو فيه. "الملكان جاءَا" في بعض الروايات أنهما "جبريل وميكائيل"، يسأل أحدهما صاحبه: «ما يشكو الرجل؟ قال: مطبوب» طب يطُبّ ويطِبّ في المضارع فاء الكلمة تُضَمّ وتُكْسَر، وهو من
[ ٣٨٥ ]
أسماء الأضداد، يعني يستعمل في المعنى وضده. عندنا كلمات في اللغة العربية تستعمل في المعنى وضده، مثل كلمة "مولى" تستعمل على السيد وتستعمل في العبد، أيضًا هنا طَبَّ تطلق على العلاج الذي يتلقاه الناس لعلاج أجسامهم ونفوسهم حين يذهبون إلى الأطباء، ويُطلَق على السحر أيضًا، إذن هو مطبوب يعني: مسحور.
«مُشط ومُشَاطة» والمُشط: هو الأداة التي نسوِّي بها شعرنا، وهو آلة معروفة لتسريح وتنظيم شعر الرأس واللحية، والمُشاطة هي الشعر الذي يسقط من الرأس نتيجة التمشيط، وهي بكسر الميم وضمها مِشاطة ومُشاطة، وتقال على بقايا الوَبَر من الكتَّان ومن غيره، يقال مثلًا: مشاطة الكتاب، وفي بعض الروايات هي بالقاف المشاقة أو المشاطة، هي بنفس المعنى ما سقط من الشعر.
«جُفّ طَلْع نَخْلٍ ذَكَر» الجُفّ: بهذا الضبط الذي نقوله -بضم الجيم وتشديد الفاء- هو وعاء طلع النخل، هو الغشاء الذي يكون فيه على الطلع، أي: فوقه، وطرفه الذي يتخلق فيه، وفي رواية مسلم: «جُبّ» بدل: «جُفّ» وهما بمعنى أيضًا؛ ولذلك وقع الجمع بينهما في رواية عند الإمام أحمد ذكرتْهُما معًا، قالت: "جب أو جف"، وهناك بعض اللغويين فرّق بينهما، بأن الجف: هو وعاء الطلع، والجب -بالباء-: هو ما بداخل الطلعة نفسها.
«بئر ذَرْوانَ» هو بئر لبني زُرَيْق بالمدينة، هذه المكونات كلها للبئر، مكونات السحر: المُشط والمُشاطة كانت موضوعة في الجب، والجب هذا موضوع تحت الصخرة في وسَط البئر، ولما جاء الملكان وأعلما النبي -ﷺ- بمكان السحر ذهب هو وجمْع من الصحابة، في روايات كثيرة: عمار بن ياسر، علي بن أبي طالب، استخرجاه من السحر، هناك روايات أنهما دفناه، وهناك روايات أنهما أحرقاه، وهناك غير هذا
[ ٣٨٦ ]
والمهم أن النبي -ﷺ- تخلَّص منه ولم يُعَقِّبْ، ولم يُرِد أن يجعلها فتنةً للناس، إنما انتهى الأمر عند هذا الحد.