أريد أن أركّز على بعض القواعد الكلية التي وردت في خلال الدروس، والتي أرجو أن تكون هي الثمرة المستفادة من الكلام حول الشُّبَه التي تكلمنا عن كثير من تفصيلاتها:
أولًا: ينبغي أن يتوقَّر في نفس كل مسلم أنه متى صح الحديث وجب العمل به، يعني: أن نتنازع في صحة الحديث هذا أمر مقبول، شيء طيب أن تنازعني في صحة حديث، عليك أن تثبت أنه غير صحيح بأدلتك، وأنا أرد عليه بالأدلة، وحتى لو انتهى الأمر إلى عدم اقتناع أحدنا بكلام الآخر، فمن ثبتت عنده صحة
[ ٤١٢ ]
الحديث فهو ملتزم به، ومن لم تثبت عنده صحة الحديث هذا إذا كان من الأئمة المجتهدين، ليس لكل واحد أن تثبت عنده، فهو ليس حجة عليه، لكن العوام -ليس العوام فحسب- غير أهل الاختصاص عليهم أن يستمعوا لعلمائهم، وأن يتوجهوا لأهل الاختصاص بذلك.
الحديث متى صحَّ وجب العمل به وأصبح أصلًا من أصول الشرع، وأيضًا لا يوجد أصل شرعي يتصادم مع أصول شرعية أخرى، لا يمكن أن يتناقض حديث مع حديث ولا مع آية قرآنية.
نحن لاحظنا من خلال الشُّبَه التي أثيرت حول الحديث، أن بعضهم يحاول أن يُثبت أنها تتعارض مع بعض آيات القرآن الكريم، بيَّنا أن ذلك لا يمكن أبدًا، أمر مفروغ منه، مصدر الوحي واحد، القرآن والسنة كلاهما جاء من عند الله -﵎-: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (النساء: ١١٣) فكيف يتعارض ما جاءنا من مشكاة واحدة، كيف يتعارض بعضه مع بعض؟!!! لا يمكن، مستحيل، وما وُجِدَ مما يبدو من ظاهره التعارض العلماء اجتهدوا في رد هذا التعارض ودفعه، والجمع بين النصوص المتعارضة: سواء من القرآن مع القرآن، من السنة مع السنة، أو مع القرآن والسنة بينهما مع بعضهما، وعندنا كتب ومؤلفات في هذا.
أيضًا من القواعد التي نلحّ عليها:
ينبغي أن نرجع إلى أهل الاختصاص في أي فن من الفنون، وعلى رأسها أن نعلم أن المختصين في الحديث هم الذين يتكلمون في السُّنة، من حيث صحة الأحاديث وفهمها، ومن حيث استنباط الأحكام منها أمور كثيرة جدًّا علينا أن ننتبه لها،
[ ٤١٣ ]
وهذه قاعدة قرآنية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣) ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر: ١٤).
ومن العجيب -كما ذكرنا مرارًا- أن الكلأ المباح والميدان المفتوح لكل من يريد أن يتقوَّل أو يتكلم هي أمور الشرع وعلوم الشريعة، وكل أهل تخصص آخر يحافظون على تخصصهم، ويكَوِّنُونَ لهم نقابة ولا يسمحون لأحد أن يتكلم في الطب إلا بتصريح، الطبيب الذي يفتح عيادة عليه أن يحصل على تصريح من نقابة الأطباء، وكذلك المهندس، أما علوم الشرع فلها الله -﷿- هي الكلأ المباح المفتوح لكل مَن أراد أن يتكلم، حتى ليتهم يتكلمون بأدب أو ببحث عن الحق، إنما السيوف مُشْهَرة في أيديهم، ليست سيوف القتل، سيوف الاتهام بضيق العقل، بالظلامِيّة، بعدم قبول الآخر لكل مَن يتصدى لهم أو يحاول أن يردهم عن فهمهم الخاطئ.
إذن هذه أيضًا من القواعد المقررة عند أهل العلم.
من الأمور أيضًا التي نتكلم فيها:
أن الغيبيات لا تُؤخَذ إلا من القرآن ومن السنة، لا مجالَ للعقل فيها، يعلموننا في علم التوحيد: الإلهيات، والنبوات، والسمعيات، أي: الأمور التي تعتمد على السمع، أو الغيبيات من حساب القبر، من كل أمور غائبة، نحن بُحَّ صوتنا أن ميدان عمل العقل هو الكون، هو الأشياء المادية، أما الأشياء التي ليست مادية فالدليل عليها هو القرآن الكريم والسنة المطهرة، لا تعتمد إلا على السمع وحده، لا مجال فيها للتخرُّصَات ولا العقل يتكلم فيها على أي أساس، هو هل رآها؟ هل كذا؟ كل ما لدينا من معلومات حولها إنما هو مما جاء في القرآن
[ ٤١٤ ]
الكريم، وما في السنة المطهرة؛ فلا يحق لأحد أن يقول: إن هذا الأمر يتعارض مع العقل، أو يتعارض مع كذا، إنما تُناقِش صحتَه، ومتى ثبتت صحته تُعمِل عقلك في فهمه ليس أكثر، وليس في أن تتصادم معه.
هذه من القواعد المقررة التي ينبغي أن تتنبه لها الأمة في تعاملها مع أمور الشرع.
هناك قواعد كلية نستطيع أن نرد بها على بقية الشبهات، وهناك كتب نزلت في السوق يستبعدون الأحاديث التي تتعلق بالغيب، ويتصورون -أو هم يزعمون- أن ذلك احتياط للشرع، وعدم تصادم مع الأدلة؛ لماذا؟ لأن الأدلة كلها قاطعة بأنه لا يعلم الغيب إلا اللهُ.
نناقش هذه المسألة في ختام هذه النقاط؛ لأنها تقوّض الأساسَ الذي بَنَوْا عليه رفضهم لكل الأحاديث الغيبية: من الشفاعة، ومن الحوض، ومن الميزان، ومن نزول عيسى، ومن المهدي إلى آخره.
أكرر: "إذا صح الحديث فعلى العين وعلى الرأس"، هذا هو الميدان، نشتغل بصحة الحديث، فمتى ثبت لا نقول: إلا سمعنا وأطعنا.
يستدلون مثلًا بآية الأعراف: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٨) ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥) في سورة النمل، يعني الآيات قاطعة في أن الذي ينفرد بعلم الغيب هو الله -﵎- في آخر سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٣٤).
[ ٤١٥ ]
هناك غيوب انفرد اللهُ بعلمها، هذا من خلال الأدلة، وهذه تنطبق عليها الآيات التي قرأناها الآن، هو الغيب الذي انفرد بعلمه الله -﷿- وإلَّا فأنا عندي أدلة كثيرة على أن الله -﷿- أعلمَ الغيبَ لبعض رسله:
أولًا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٧) أي: لا يطَّلع على غيبه إلا من ارتضى، أي: اصطفى مَن اصطفاه للنبوة، واطّلاعه على الغيب في هذه الحالة ليكون ذلك من الأدلة على صدق نبوته؛ ولذلك وضَّح الله ذلك في حق كثير من الأنبياء، في حق سيدنا يوسف: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ (يوسف: ٣٧) علمه من الله، وهو نفسه أقرّ بهذا.
لكن الآية تدل على أن الله يُطلِع بعض أنبيائه على بعض غيبه، والحكمة في ذلك وراءها كثيرة، نحن لو وقفنا مع قصة سيدنا يوسف والفوائد المستفادة منها كثيرة جدًّا، ويكفي أن الرجلين اللذين صاحباه في السجن علمَا أن عنده قدرة على تأويل الرؤيا وتعبيرها، وعندما خرجَا ونسيَا أنه كان معهما في السجن، وأراد الله أن يكشف ضره رأى الملِك الرؤيا الواردة في سورة يوسف، وتذكَّر الرجل الذي خدم في قصر الملك من كان معه في السجن: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ (يوسف: ٤٦) إلى آخره. محل الشاهد: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ (يوسف: ٣٧) لو كان بعد أن يأتيهما فلا اطلاعَ على الغيب، لكن قبل أن يأتيكما: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ (يوسف: ٣٧). أنا لم آتِ به من عند نفسي، أنا لم أقل إني أرجُم بالغيب، أو أضرب الودع، كما يفعل الجاهلون، وأن نقول: ذلك لا يكون إلا لنبي، لا يزعم أحد أبدًا: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ و﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (الجن: ٢٨) يعني: ذكْر بعض الأنبياء لبعض الأمور هذه، ثُم تحدُث
[ ٤١٦ ]
على الوجه الذي ذكروه، هذا مما يدعِّم الله به أنبياءه ويساعدهم به، ويقدِّم الأدلة على صدقهم فيما يخبرون به عن الله -﷿-.
وأيضًا في قصة سيدنا عيسى في القرآن الكريم: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ (آل عمران: ٤٩) يعني: كيف عرف ما يأكلون، وحتى الذي يدخرونه في البيوت؟ أي: الذي لا يطلع عليه أحد إلا أهل البيت؟ وبالنسبة لنبينا -ﷺ-.
كل هذه أدلة في القرآن الكريم، ليست في أحاديث حتى نجترئ عليها أو نردها، إنما هي في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح: ٢٧) أخبرهم النبي -ﷺ- بذلك قبل وقوع المسألة، وحتى لما ذهب ورُدَّ قال له عمر: «ألم تخبرنا أننا سندخل؟ قال: هل قلتُ لكم من هذا العام؟» الآية لا تحديد فيها للعام الذي يدخلون؛ ولذلك مرَّ أبو بكر مرة ثانية: "الزم غَرْزَه؛ فإنه رسول الله"، هو الذي يُوحَى إليه، هو المعصوم بالوحي، ينصح الفاروق -﵁- بذلك على قوة إيمان الجميع، بفضل الله -﵎-.
إذن الأحاديث التي تتضمن شيئًا من الغيب سواء الماضي أو الذي يتعلق بأمر مستقبل، إنما هي من أقوى الأدلة على صدق نبوة الرسل، وعلى رأسهم سيدنا رسول الله -ﷺ-.
ولذلك ينبغي أن نتنبه:
لماذا كانت أحاديث الغيب محلًّا لإثارة الشبهات؟
لأنه يؤخذ منها الدليل على صدق النبوة، وهم يريدون أن يشككوا في النبوة، هذا هدفهم، هم طبعًا لا يفصحون عن هذا الهدف، إنما يحاولون أن يُظهروا هذا
[ ٤١٧ ]
يتعارض مع القرآن الكريم، ها نحن أثبتنا بالأدلة أنه لا يتعارض مع القرآن الكريم، وإنما هو حق وصِدْق ثبت بالقرآن الكريم بنفسه.
الخلاصة: الذي يعلم شيئًا من الغيب هو الرسل فقط، وليس كل الغيب، إنما ما أراده الله أن يعلِّمهم إياه؛ تدعيمًا لرسالتهم.
وبعد أن وضع الله -﷿- هذه القاعدة كقاعدة عامة ذكرنا بعض الأدلة مع بعض الأنبياء الذين وقعت لهم بعض الأمور التي تدل على علم شيء من الغيب الذي لم يحدث بعدُ، وهذا تعريف الغيب الذي لم يأتِ بعد: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ إلى آخر ما ذكرناه من الأدلة.
لكنَّ الأمور التي انفرد الله بعلمها لا يتكلم فيها أحد أبدًا، لمَّا سألوا النبي -ﷺ- عن الساعة قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» قلنا: إنه وضع إجابة تشمل كل سائل وكل مسئول إلى يوم القيامة؛ لأن علم الساعة من الأمور التي انفرد بها الله -﷿- في أكثر من آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (النازعات: ٤٢) في الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأعراف: ١٨٧). لا أحد يتكلم في "متى الساعة؟ "؛ ولذلك كما قلنا لمّا سأل جبريل -﵇- النبي -ﷺ-: متى الساعة؟ لم يقل النبي -ﷺله: لا أعلم، إنما لأنه يعلم أن هذا ما انفرد الله تعالى بعلمه، قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» لتشمل الإجابة كل سائل وكل مسئول إلى يوم أن يرث الله الأرض ومَن عليها.
لذلك تكلم النبي -ﷺ- عن بعض أشراط الساعة في نفس الحديث: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ (محمد: ١٨) أشراط: جمع شَرَط، والشَّرَط: هو العلامة؛ ولذلك في الحديث أيضًا جبريل: فأخبرني عن علاماتها، أو فأخبرني عن أشراطها. وأخبر النبي -ﷺ- بما علمه الله
[ ٤١٨ ]
من علاماتها من غير أن يتكلم عن وقتها المحدَّد الذي لا يعلَمه إلا الله -﷿-.
إذن هناك غيب انفرد الله بعلمه، وهناك بعض الغيب علَّمه لبعض الرسل فقط، وأقول: فقط، حتى لا يزعم زاعم أو يتخرص كما يفعل الدجالون، وكذا وحتى لو كان من الصالحين، أو هكذا يبدو، وزعم أنه يعلم الغيب فزعمه هذا مردود عليه، والآية واضحة في هذا، وإنما أظهر الله بعض غيبه لبعض رسله -كما قلت- من باب تأكيد رسالتهم، وإثبات صدقهم في نبوتهم، والذين يجادلون في هذا إنما يجادلون في أمر هو من حقائق النبوة؛ حتى يكذبوا النبوة نفسها.
نسأل الله -﷿- أن يعصمنا من ذلك.
توقفنا عند هذه النقطة بالذات؛ لأنها كانت المستند الأول لإنكارهم كثيرًا من أحاديث الغيبيات: فيما يتعلق بعذاب القبر، فيما يتعلق بالشفاعة، فيما يتعلق بنزول عيسى -﵇- فيما يتعلق بنزول المهدي.
وأختم الكلام وأقول: متى ثبتت صحة الرواية فعلى العين وعلى الرأس، الأساس الذي بنوا عليه رفضهم هو هذا.
أهم ما يستند إليه المستندون في الرفض أنها تتعارض مع الغيب الذي انفرد بعلمه الله، فنقول: هذا مما أخبر الله تعالى به، ولا يوجد شيء أخبر به النبي -ﷺ- فيما يتعلق بأمور الناس وحياتهم إلا وحدَثَ عن الوجه الذي أخبر به -ﷺ-. في بدر وضع يده وقال: «هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان»، من أبي جهل وغيره يقول الراوي: "والله ما عدا أحدهم المكانَ الذي حدده رسول الله -ﷺ-".
هذا الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: «إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يأتي الملك ويؤمر » إلى آخر الأحاديث، أحاديث غيبية كثيرة تتعلق بالمستقبل:
[ ٤١٩ ]
«مَثَلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا مرّوا على من فوقهم » إلى آخر الحديث. فيه عَلَم من أعلام النبوة، النبي -ﷺ- يتكلم هنا عن سفينة تتكون من طابقين، في الوقت الذي لم تكن فيه إلا سفن صغيرة تسير بشراع اليد فقط، وليس بالآلات أو بالمعدات أو بالطاقة، أو ما شاكل ذلك، وغيرها كثير من أمور الشرع تكلَّم الله عنها لا تتعارض مع انفراد الله بالغيب؛ لأن هذا من القدر الذي سمح الله به إثباتًا لصدق أنبيائه وثبتت بالأدلة الصحيحة.
إذن المنهج الذي نتعامل معه نشتغل بصحة النص، ومتى ثبتت صحة النص فعلى العين وعلى الرأس، وفهْم النَّص نرجع فيه إلى أهل الاختصاص من القدامَى والمحدثين الذين شرحوا (صحيح البخاري)، الذين شرحوا (صحيح مسلم)، الذين قاموا بكل هذه الأمور هم علماؤنا، وهم مشايخنا، وهم أساتذتنا، وهم متخصصون، الذين بذلوا حياتهم وأفنوا أعمارَهم في خدمة القرآن والسُّنة، ودراسةِ كلام النبي -ﷺ- هؤلاء نرجع إليهم، ولا نتأثر برأي المستشرقين أو المستغربين أو ما شاكل ذلك من الذين يُثيرون الشُّبَه.
أقول هذا، وأستغفر الله العظيم، وأصلي وأسلم على خير خلق الله أجمعين، وجمعنا الله وإياكم على الحق دائمًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٤٢٠ ]