أيضًا آية: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٥) نؤمن بالقرآن، ونعلم أنه حق وأنه من عند الله -﵎- وأنه نزل به الروح الأمين وسيدنا جبريل على قلب النبي -ﷺ- ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، نعلم ذلك كله ونتيقنه، وندين الله تعالى به، ونعلم أننا أيضًا لا نؤمن بغير القرآن، إنما نستجيب للقرآن وللسنة؛ استجابةً لأوامر القرآن، السنة مع القرآن، السنة التي أوصى الله -﵎- بها في القرآن الكريم، هل آمنت بالقرآن حين أنكرت حجية السنة؟ نعم: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ولا بأي حديث غيره يا رب، إنما حديث النبي -ﷺ- هو جزء من القرآن، هو الذي يبين القرآنَ، هو الذي يشرع مع القرآن، هو الذي أوجب الله -﵎- طاعته في القرآن الكريم في عشرات الآيات.
[ ١٧٢ ]
فالذين يُعاندون سنة النبي -ﷺ- ولا يؤمنون بحجيتها هم الذين عاندوا القرآن وجحدوه، وجحدوا أحكامه وجحدوا آياته، واتبعوا منهجًا غير منهجه، وسبيلًا غير سبيله، نعم: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ نؤمن بكتاب الله -﵎- نؤمن بسنة النبي -ﷺ-، نؤمن بأنه الصادق المصدوق -ﷺ- الذي يخبر عن الله -﵎- والذي هو أعلم هذه الأمة بمراد الله -﵎- والذي أوكل الله -﵎- إليه بيانَ القرآن الكريم للناس أجمعين إلى يوم القيامة، ويواصل مهمته أهلُ العلم الذين هم ورثة الأنبياء على ما استقرت عليه أفهام الأمة من سلفها إلى خلفها، ومن قديمها إلى حديثها، وأيضًا أجمع الجميع ممن يعتد بإجماعهم على ذلك من أهل السنة والجماعة، الذين نحن منهم بإذن الله -﵎-.
أيضًا آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) نعم لا دلالة في هذه الآية على البعد عن السنة، ولا أي شبهة لا من قريب ولا من بعيد، كل الأمة مجمعة على أننا نأخذ الإسلام من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، وهما المصدران الرئيسان للإسلام، وأحكامه، وتشريعاته، وعقيدته، وعبادته، وأخلاقه إلى آخره، والأدلة الأخرى التي يلجأ إليها العلماء على نقاشٍ فيما بينهم من القياس ومن الإجماع، إنما كل ذلك مرده إلى الله -﵎- في القرآن الكريم، وإلى رسوله -ﷺ- في السنة المطهرة.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الذي هو دين الإسلام: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ أتم الإسلام وكمل الإسلام، وتم تشريع الله، وكمل شرع الله الحنيف: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، الحمد لله، ونحن رضينا بالله -﵎-
[ ١٧٣ ]
ربًّا وبالإسلام دينًا وبسيدنا محمد -ﷺ- نبيًّا ورسولًا، ونعلم أن الإسلام إنما يؤخذ من القرآن الكريم ويؤخذ من سنة النبي -ﷺ-.
والذين يجافون سنة النبي -ﷺ- هم على جفوة مع القرآن الكريم، هم على جفوة مع رسول الله -ﷺ- بل أين رضاهم بالنبي -ﷺ- وما علامة رضاهم بالنبي -ﷺ-؟! الذي أمرنا أن يكون هذا من الأذكار اليومية، وأن نعلنه صباحًا مساءً: "رضيت بالله -﵎- ربًّا وبالإسلام دينًا، وبسيدنا محمد -ﷺ- نبيًّا ورسولًا". لم يرضَ الإسلام دينًا مَن جحد السنةَ، بل لم يرض الله ربًّا؛ لأنه خالف أمره في عدم اتباع نبيه -ﷺ- ولم يرضَ رسول الله -ﷺ- حتى يقر برسالته، لكن المنافقون زعموا أنهم قالوا: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه﴾ (المنافقون: ١) والله -﷿- سجّل عليهم الكذبَ.
معاندة السنة قد تصل بالإنسان إلى ما هو أسوأ من النفاق -والعياذ بالله ﵎- ولا دليلَ على الرضا بالنبي -ﷺ- إلا أن نصدق بأنه النبي الصادق المصدوق الذي أمرنا الله -﵎- باتباعه، وهو صادق في كل ما بلغه عن الله -﷿- وصادق في كل قول يقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣، ٤).
هذا ما ندين الله -﵎- به، ونعلم أن الإسلام هو القرآن، وهو السنة المطهرة، والدليل المأخوذ منهما هو الدليل الشرعي الذي تسير عليه الأمةُ في كل أحكامها الشرعية.
وهذه معظم الآيات التي يستند إليها المعاندون للسنة، ويتصورون أنهم بذلك قد أتوا بأدلةٍ تحث على اتباع القرآن الكريم وحدَه، وقد رددنا عليها بما وفّق الله -﵎- به أقول: إننا نتناقش في البدهيات، آيات القرآن الكريم واضحة الدلالة في اتباع النبي -ﷺ- بل في وجوب اتباعه، بل في تعليق الإيمان على ذلك، كما ذكرنا مرارًا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٧٤ ]