الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ثم أما بعد:
فكنا قد بدأنا في ذكر الشبه التي اعتمد عليها أعداء السنة وقلنا: إنها تنقسم إلى شبه يحاولون أن يأخذوها من القرآن الكريم، وإلى شبه تتعلق بأحاديث النبي -ﷺ- وإلى شبه أخرى -سنشير إليها بالتفصيل إن شاء الله، ونحن نرد عليها- وذكرنا بعض الآيات التي اعتمدوا عليها في محاولتهم الابتعاد عن حجية السنة، زاعمين أن هذه الآيات تؤدي إلى ما ذهبوا إليه من إنكار للسنة المطهرة أو لحجيتها، ومن هذه الآيات قول الله -﵎-: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ (الأنعام: ٣٨).
الشبهة الأولى: حشدوا لها وجمعوا لها آيات كثيرة يتصورون بها أنهم قد أصابوا هدفًا أو حققوا غرضًا وهم يعتسفون التأويل.
على كل حال، لا نريد أن نستطرد مع فهمهم، إنما نبين ضعفَ هذا الفهم، ومخالفته لأفهام الأمة التي التقت على هذا.
هم فهموا من قول الله -﵎-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ أنه القرآن؛ يعني المقصود بالكتاب هو القرآن، مجموع الآيات في الحقيقة -التي قبل هذه الآية وبعد هذه الآية- ترد على هذا الفَهم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ هناك آيات ذُكر فيها اسم الكتاب -أو كلمة الكتاب- وهي لا تدل على القرآن الكريم، إنما تدل على اللوح المحفوظ؛ يعني المراد بالكتاب في هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ معناها اللوح المحفوظ، سياق الآيات يشعر بهذا. والآيات الأخرى المناظرة أو المماثلة لهذه الآية أيضًا يُعطي الدليل على هذا، من
[ ١٥٥ ]
ذلك مثلًا في القرآن الكريم قول الله -﵎-: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (هود: ٦) يعني هذا الكتاب مفصح بأسمائها وأعدادها، وكل ما يتعلق بها في حركاتها وسكناتها إلى آخره، السياق يشعر بأنه اللوح المحفوظ.
فهل كل دابة في الأرض على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين، هل ممكن أن نفهم من هذه الآية أن الكتاب هو القرآن؟ أين الكلام عن أرزاق الناس بالتفصيل؟ أين الكلام عن المستقر والمستودع الذي ورد بالنسبة لهذه الدواب في القرآن الكريم؟
إذن لا بد من حمل هذه الآية على اللوح المحفوظ، وليس على القرآن الكريم، ويرجح هذا -أو يقطع- ما ورد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما-وهذا حديث رواه الإمام مسلم في كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى -﵉- قال عبد الله بن عمرو بن العاص: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «كتب الله مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (هود: ٧»).
إذن، واضح من هذه الكتابة أنها في اللوح المحفوظ، وأنها كانت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ومقادير الخلائق فيها الرزق وفيها الأجل وفيها المستقر وفيها المستودع الذي ورد في سورة هود: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وأيضًا في سورة الأنعام نفسها: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: ٥٩) هذا الكتاب المبين لا يمكن أن يكون القرآن، وإلا أين نجد في القرآن مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو؟ وكل ما في البر والبحر؟ وما تسقط
[ ١٥٦ ]
من ورقة إلا يعلمها؟ ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين؟ هذا الكتاب هو اللوح المحفوظ يقينًا.
أيضًا ما ورد من قوله -﵎- ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٣) هذا الكتاب المبين لا بد أن يكون هو اللوح المحفوظ، وليس المراد به القرآن الكريم، وإلا فأين نجد تفاصيل كل ذرة في السموات أو في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في هذا القرآن الكريم؟
إذن، في ضوء هذه الآيات نفهم أن المراد في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ المراد بالكتاب هو اللوح المحفوظ، والقول بأنه القرآن الكريم حقيقةً قول يأباه السياق العام للآية، ومعلوم أن الآيات تُفهم في ضَوْء ما قبلها وفي ضَوْء ما بعدها، الآيات تتكلم عن أن الله -﷿- علِمَ كل صغيرة وكبيرة، أن بقية المخلوقات أمم تماثل أمة الإسلام، لها الأرزاق ولها الآجال، كل المخلوقات: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ولا طائر من الطيور ومن الدواب ومن الحشرات، كلها أمم أمثالكم، سُجّلت كل تفاصيلها كما سجل تفاصيل الإنسان في الكتاب، فهذا الكتاب لا بد أن يكون هو اللوح المحفوظ، وإلا لو أخذنا الآية في سياقها الذي تتحدث عنه أين هي تفاصيل حياة هذه الأمم التي هي أمم مثل أمة الإسلام؟ وأين الكلامُ عن أرزاقها وآجالها، ومستقرها ومستودعها، وتفاصيل حياتها، ومناهجها ولغاتها؟ كل ذلك أين نجده في القرآن الكريم؟
فاقتطاع الجملة من سياقها العام لأستخدمها في دليل فيه اعتساف لا يتوافق ولا يتناسق مع سياق الآية، أمر لا يقول به أحد من أهل العلم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون﴾ (الأنعام: ٣٨) كل هذه الأمم تحشر إلى ربها، أيضًا هذا سياق الآية فيما قبلها وفيما بعدها.
[ ١٥٧ ]
فتنتزع هذه الجملة: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ وتصر على أن الكتاب هو القرآن، هذا خلل في الفهم لا يساعد عليه سياق الآية ولا الجملة التي قبلها ولا الجملة التي بعدها، ومع افتراض أن الكتاب هنا مقصود به القرآن الكريم، وهذا افتراض جدلي من باب منازلة الخصوم، نعم: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾، ذكر الله القواعد العامة للأمور كلها، لكن التفصيلات تركها للسنة المطهرة، ومن بين ما لم يفرط الله -﵎- فيه أنه أوجب في القرآن الكريم طاعة رسوله -ﷺ-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) أدرِجها تحت قوله -﵎-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ من بين ما لم يفرط الله فيه في القرآن الكريم: أنه أوجب طاعة رسوله، فلماذا تستبعد إذن هذه الآية، ولا تريد أن تفهم الأمر على هذا النحو؟
الأوفق لسياق الآية أن يقال: إن الكتاب هو اللوح المحفوظ، ومعظم المفسرين درجوا على هذا، ولا نريد أن نطيل بذكر أقوالهم، وهناك من قال: نعم، إنه القرآن لا ننازع في هذا، وهناك من قال: إنه القرآن، لكن القول الأشهر عندهم أنه اللوح المحفوظ، وقلنا: إن سياق الآية يرشح ويرجح هذا الفهم، وكما قلنا: كلمة الكتاب وردت بمعنى غير القرآن الكريم في آيات كثيرة، ذكرنا بعضها، ومن ذلك قول الله -﵎-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (آل عمران: ١٤٥) لا يمكن أن يُفهم هذا الكتاب إلا على أنه القدر مثلًا، أو الحكم الثابت الذي لا يقبل النقض ولا الإبرام، والوقت المحدد والأجل المحتوم الذي كتبه الله لكل نفس. لا أحد يموت إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي كتبها الله -﵎- له: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (فاطر: ١١) ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُون﴾ (الأنعام: ٢) وحين يقول الله -﵎- مثلًا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣) أي: مفروضًا محددًا.
[ ١٥٨ ]
إذن، كلمة الكتاب في القرآن الكريم تأتي بمعاني متعددة: وقد يأتي الكتاب أيضًا بمعنى القرآن، كما في قوله -﵎- مثلًا: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (إبراهيم: ١) وكما في قوله -﵎-: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِين﴾ (البقرة: ١، ٢) هذا القرآن لا ريب فيه ولا شك فيه، و"ذلك" اسم إشارة للتعظيم، أيضًا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (آل عمران: ٢، ٣، ٤) إلى آخر الآيات التي سياقها يحتم أنه القرآن الكريم: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين﴾ (الأعراف: ٢) السياق قاطع في أن المراد بهذا الكتاب هو القرآن الكريم.
إذن حين تتعدد معاني الكلمة في اللغة وفي الاستعمالات، فإنه من المتفق عليه عند العلماء أن السياق هو الذي يحدد المعنى المراد، لذلك نظائر كثيرة في اللغة العربية، كثير من ألفاظ اللغة العربية تتعدد معانيها، والذي يحدد المعنى هو السياق، مثلًا: كلمة "العين" تأتي في اللغة بمعاني متعددة: منها مثلًا عين الماء، منها العين الباصرة أي: أداة البصر التي خلقها الله تعالى لنبصر بها، ومنها الجاسوس؛ فمثلًا حين يقول الله -﵎- وهو يتكلم عن الجنة: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ (الغاشية: ١٢) هذه عين الماء، حين أقول مثلًا: للأعداء عين في بلادنا مثلًا -والعياذ بالله- معناها الجاسوس، حين أقول: رأيت بعيني معناها العين الباصرة أداة البصر التي نبصر بها بفضل الله -﵎- السياق هو الذي يحدد المعنى المراد، ولا أستطيع أن أحمل المعنى على غير ما يحتمله السياق وإلا كان ذلك فسادًا في المعنى.
فلو قلت مثلًا: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ (الغاشية: ١٢، ١٣) والآيات تتحدث عن الجنة أقول: إن المراد بالعين هنا هي العين الباصرة!! فهذا فساد في المعنى وخلل في الفهم، لا يحق لمسلم أن يقع فيه، ومع ذلك نحن نقول ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ واضح من سياقها وهي تتحدث عن أن كل المخلوقات أمم
[ ١٥٩ ]
تماثل أمة الإسلام، وقد سجل كل شيء يتعلق بها في الكتاب، السياق يحتم أنه اللوح المحفوظ، ومع ذلك لو سلمنا جدلًا بأن المراد بالكتاب في الآية هو القرآن الكريم وهذا فهم بعيد، وافتراضنا له إنما هو افتراض جدلي، فإن هذه الآية لا تعارض حجية السنة أبدًا، ولا يُفهم منها أننا نكتفي بالقرآن الكريم فقط؛ لأنه كما قال العلماء-: إن هذه الآية لا تتعارض؛ لأنها تدخل أيضًا تحت ما لم يفرط الله -﵎- فيه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
قد أوجبنا طاعة الرسول -ﷺ- في كثير من الآيات، فهي داخلة في قوله -﵎-: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على أساس أن الكتاب المراد في الآية هو القرآن الكريم، مع استبعادنا لهذا الفهم، ومع إقرارنا بأن الكتاب المراد به اللوح المحفوظ، كما ذكرنا مرارًا.