الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، ثم أما بعد:
فنبدأ الحديث بعون من الله -﵎ وتوفيقه- عن حجية السنة:
الحجية معناها: أن السنة حُجَّة من حجج الله -﵎- على خلقه، يجب العمل بها، الله -﷿- من ضمن حُجَجِه على خلقه أنه ألزمهم بسنة النبي -ﷺ-، هذا ورد في آيات كثيرة، وفي أحاديث.
أهمية المسألة:
المسألة في الحقيقة مسألة إيمانية، ومسألة عقدية، وقضية قرآنية؛ مسألة إيمانية بمعنى: أن إيمان المؤمن يتوقَّف على إيمانه بهذه الحقيقة، وهي وجوب العمل بالسنة المطهرة، وهي مسألة عقدية؛ لأنها جزءٌ من عقيدته التي يدين الله تعالى بها، والتي سيُحاسب عليها حين يلقى ربه، وهي قضية قرآنية؛ لأن القرآن الكريم اهتمَّ بها من ناحية أنها قضية إيمانية. أما كونها قضية قرآنية فهي فعلًا قضية قرآنية، بمعنى: أن القرآن الكريم اهتمَّ بها جدًّا وأولاها عناية فائقة، تتمثَّل في مجموعة من المظاهر، من ذلك كثرة الآيات التي تحدثت عن هذه القضية، قضية وجوب العمل بالسنة -أي: وجوب اتباع النبي -ﷺ، حين نستعرض القرآن الكريم، القرآن الكريم له قضايا اهتمَّ بها جدًّا: قضايا الوحدانية.
نستطيع أن نقول بلا مبالغة: لا تكاد تُوجد صورة قصيرة أو طويلة إلا وتعرضت للوحدانية بشكل مباشر أو غير مباشر، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة: ٢٥٥) وردت في البقرة، في آية الكرسي، ووردت في أول آل عمران: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، (النساء: ٣٦) حين نستعرض القرآن الكريم سورة سورة سنجد التعرض للوحدانية وإثباتها؛ لأنها أم القضايا في الإسلام، ولأنها تتفرع عنها القضايا الأخرى، والبشر الذين لا يسلمون بالوحدانية يخرجون عن دائرة الإيمان، ولذلك هذا مثال للقضايا القرآنية لدرجة أن القرآن الكريم أقام الأدلة على
[ ٨١ ]
الوحدانية، مثلًا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢)، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: ٩١) هذه تُصاغ في أدلة تتكوَّن من مقدمات ونتائد؟
قضية البعث مثلًا، وإنكار البعث خطير يترتب عليه إنكار كلّ ما بعد البعث: إنكار الحشر، وإنكار الجنة والنار والحساب، والصراط والميزان والحوض، ما دام لا يُوجد بعث فلا يوجد ما بعد البعث، لذلك أيضًا اهتمَّ القرآن الكريم بهذه القضية، ولا توجد سورة تقريبًا -وخصوصًا السور المكية في مواجهة أهل مكة الذين ينكرون البعث- إلا وعنيت بهذه القضية، وأقامت عليها الأدلة.
كذلك قضية الاهتمام بالسنة، قضية وجوب الاحتجاج بالسنة، قضية وجوب اتباع النبي -ﷺ-، وحينما أدخل إلى الآيات سأستعرض عددها لأبين صدق هذه المقولة من أنها قضية قرآنية.
إذن هي قضية قرآنية لاهتمام القرآن الكريم بها عبر عدد الآيات الكثيرة، أو من خلال الآيات الكثيرة التي تحدَّثت عن هذه المسألة، وأيضًا طريقة العرض؛ ما بين آيات تحذِّر من المخالفة، ما بين آيات تدعو إلى وجوب الطاعة، ما بين آيات تبيِّن جزاء المخالفين وجزاء المطيعين، وما بين آيات تعلّق الإيمان على وجوب طاعة النبي -ﷺ-.