هناك ما سماه العلماء بدليل الإيمان، ما مفهوم دليل الإيمان هذا؟
الله -﷿- يطلب من عباده المؤمنين أن يؤمنوا برسوله فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (النساء: ١٣٦)، ويقول -عز من قائل-: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨) فمقتضى ذلك أن نؤمن بالله وبرسوله، وأن نصدِّق بكل ما جاء به هذا الرسول -ﷺ- وإن حدث عكس ذلك -والعياذ بالله- كان شكًّا وارتيابًا في الرسالة والرسول معًا، نسأل الله -﷿- أن يعصمنا، لماذا تتوقف؟ طلب الله منك أن تؤمن بالرسول -ﷺ-.
[ ١٣١ ]
ومن مفهوم الإيمان بالرسول ومما يدخل تحت الإيمان به ما تعلمناه من علماء العقائد، إذ لا يكفي أن تقول: آمنت بالرسول -ﷺ، إنما جزء من إيمانك وتصديقك بهذا الرسول أن تتبع ما جاء به، وإلا كيف تكون مؤمنًا به ثم لا تستجيب لحكمه، هذا يتناقض مع إيمانك به؛ لأن من جملة الإيمان به أن تعتقد أن ما جاء به من عند الله هو الحق، وهو الصدق، وهو العصمة، وهو الفلاح، وهو الخير، وهو الرشد، ولا خير في طريق سواه.
إذن، الآية وغيرها تفرض اتباع رسول الله -ﷺ- بمقتضى الإيمان، ولذلك أسماه العلماء دليل الإيمان أي: الآيات التي طلبت من المؤمنين أن يؤمنوا برسول الله -ﷺ-، وتبعًا لذلك عليهم أن يُصدِّقوا، وأن يتبعوا كلَّ ما جاء به رسول الله -ﷺ-، ولا يحدث منهم عكس ذلك، وإلا كان ذلك شكًّا وارتيابًا في الرسالة والرسول معًا، وحينئذ ينتفي الإيمان -والعياذ بالله-.
ولذلك أيضًا عبارة رائعة للإمام الشافعي في رسالته يقول -رحمه الله تعالى- معلقًا على هذه الآيات في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾: فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبعٌ له الإيمانَ بالله، ثم برسوله -ﷺ- فلو آمن عبدٌ به، ولم يؤمن برسوله؛ لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدًا، حتى يؤمن برسوله معًا".
وأود أن أنبه إلى أن كلمة كمال الإيمان التي قالها الإمام الشافعي لا تدل على أن الإيمان ينعقد بغير ذلك، والمراد كمال الإيمان فقط، وليس أصل الإيمان، لا. بدليل أنه يتكلم عن الإيمان بالرسول أولًا، ويقول: "فلو آمن عبدٌ به -أي: بربه- ولم يؤمن برسوله -ﷺ؛ لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدًا، حتى يؤمن بالله وبرسوله معًا"، فلا بد من الإيمان، وطبعًا نحن نعلم أن الإيمان برسول الله -ﷺ- إنما
[ ١٣٢ ]
هو من أركان الإيمان التي لا ينعقد الإيمان إلا بها؛ فكلمة تمام الإيمان التي استعملها الإمام الشافعي يقصد كمال انعقاده.
ومن هنا وجبت طاعة الرسول -ﷺ- بمقتضى هذا الإيمان، لا يصلح أن تكون مؤمنًا، ثم أنت غير طائع لرسول الله -ﷺ، حتى لو زعمت أنك طائع لله، وهذا المعنى الخطأ يقع فيه كثيرٌ من الناس؛ بل إن -كما ذكرنا- يُزيّن لهم سوء عملهم، فيتصورون أحيانًا أنهم يدافعون عن السنة، وعن الإسلام، وعن تخليص كتب السنة من الأحاديث التي يرونها غير موافقة لفهمهم، أو للواقع، أو التي تسبب حرجًا من وجهة نظرهم للإسلام في أي مجال، وتصاعد الأمر ببعضهم إلى أن رفعوا قضايا أمام المحاكم؛ لكي يُلزموا الأزهر الشريف والهيئات العلمية بأن تنقّي البخاري ومسلم -هذان الكتابان اللذان أجمعت الأمة على أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله ﵎- من الأحاديث التي يرونها غير صحيحة، ولو فُتح الباب لتلك الأهواء ما سلم لنا حديث من رسول الله -ﷺ-.