ثم واجهت الصحابة مشكلة خطيرة، كبيرة الخطر، أَلاَ وهي ظاهرة الكذب التي جَدَّتْ بسبب الفتنة التي أدت إلى مقتل الخليفة الشهيد عثمان بن عفان - ﵁ -، ثم قتل الإمام المجاهد الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - ﵄ -، وما نتج عن ذلك من انقسامات واختلافات، وظهور مذاهب مبتدعة سمح أصحابها لأنفسهم أَنْ يَخْتَلِقُوا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَيَفْتَرُوا عَلَيْهِ، فى سبيل الترويج لآرائهم وأهوائهم، وجمع الأنصار والأعوان من حولهم.
_________________
(١) وَصَحَّحَهُ الحاكم ووافقه الذهبي: ج ٢ ص ٤٢٧، ج ٤ ص ٥٧٤، وانظر تخريج الحديث وتحقيق صِحَّتِهِ في تعليقنا على كتاب " الرحلة في طلب الحديث " للخطيب البغدادي: ص ١١١، ١١٢.
[ ١٥٢ ]
وقد انتدبت الصحابة لمداواة هذا الداء الجديد، واجتهدوا في محاربة الكذب والوضع، مُتَّبِعِينَ أقصى وأحكم وسائل البحث والفحص، بِأَنْ أضافوا إلى ما لم يبق من القوانين قواعد وأساليب علمية جديدة، تقاوم هذا الداء وتكافحه، فكان من ذلك:
١ - أنهم تتبعوا الأسانيد وعنوا عناية شديدة بالبحث عن إسناد الحديث وفحص أحوال رُوَاتِهِ، وهذا كما ثبت بالأسانيد الصحاح عن الإمام التابعي الجليل محمد بن سيرين قال: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (١).
ومن هنا فإنا نُؤَرِّخُ للإسناد بأنه وجد من أوائل عهد الصحابة بالرواية، وليس كما يُوهِمُ بَعْضُ النَّاسِ أنَّ الإسناد قد وجد في مرحلة مُتَأَخِّرَةٍ، وهذه مئات المُصَنَّفَاتُ في الحديث ذاخرة بعشرات ألوف الأسانيد الواصلة إلى الصحابة إلى النَّبِيِّ - ﷺ - شاهد صدق وبرهان يقين وحق لكل من ينظر في كُتُبِ السُنَّةِ نظرة واحدة بتأمل وتفهم.
٢ - وحث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث، وَأَلاَّ يأخذوا إِلاَّ حديث من يوثق به دِينًا وَوَرَعًا وَحِفْظًا وَضَبْطًا حتى شاعت في عُرْفِهِمْ هذه القاعدة التي وجدناها مروية بالأسانيد الكثيرة المستفيضة عن جماعة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " مقدمة صحيحه ": ج ١ ص ١١ والترمذي في " علل الجامع "، انظر: ج ١ ص ٥١ من " شرح علل الترمذي " للحافظ ابن رجب الحنبلي.
[ ١٥٣ ]
يقول كل واحد منهم عن الصحابة إنهم كانوا يقولون: «إِنَّمَا هَذِهِ الأَحَادِيثَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهًا» (١) مِمَّا يدل على قيام توعية ضخمة في هذا الخصوص.
٣ - وترتب على ذلك أَنْ وجدت أنواع من الحديث المقبول وغير المقبول، ووجدت فنون الإسناد، وعلوم الجرح والتعديل وَالرُّوَاةِ، وغير ذلك، وقد سَجَّلَ الأئمة المتقدمون في مطلع كُتُبِهِمْ رُوَاةَ الحديث نُقُولًا صحيحة عن الصحابة أنفسهم فيها كلامهم في الرجال جَرْحًا وَتَعْدِيلًا وغير ذلك، وهكذا وجدت علوم المتن وأصول الحديث في الأسانيد والمتون.
٤ - وكان من منهج الصحابة في الرواية والبحث عن الرُّوَاةِ والأسانيد: الرحلة في طلب الحديث.
ومن هنا فإننا نستطيع بكل ثقة أَنْ نُسَجِّلَ هَهُنَا نتيجة بالغة الأهمية، وهي أَنَّ الصحابة الكرام - رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَنْهُمْ - وقد جعلوا كتاب الله تعالى وَسُنَّةَ رسوله مِرْآتَهُمْ قَدْ تَوَصَّلُوا بِدِقَّةٍ استنباطهم وعمق فقههم إلى استنباط قوانين للرواية حفظوا بها الحديث من الخطأ والخلط، كما صانوه من الدَسِّ وَالاِخْتِلاَقِ، وكانت هذه القواعد أصول علوم الحديث التي نمت شجرتها وتفرعت فروعها في كل عصر حتى تغطي الحاجة التي كانت تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ أحوال جديدة في الرُّوَاةِ وَالرِّوَايَةِ، والمتون والأسانيد.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل ": ج ١ قسم ١ ص ١٥ عن عدد من التابعين بلفظ: «كَانَ يُقَالُ: إِنَّمَا هَذِهِ الأَحَادِيثَ » أي كان الصحابة يقولون. وانظر كتابنا " منهج النقد في علوم الحديث ": ص ٣٢٩، ٣٣٠.
[ ١٥٤ ]