لما اختار الرسول الكريم - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلاَمُهُ -، جوار ربه ولحق بالرفيق الأعلى خلفه صحبه الكرام في آداء الأمانة وحمل الرسالة إلى العالم، هنالك واجهت الصحابة مسألة نشر السُنَّةِ والمحافظة عليها، ونقلها كما سمعوها من قائلها، - صَلَوَاتُ اللهِ تَعَالَى وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - طِبْقًا لما حَضَّهُمْ وَحَثَّهُمْ عليه وأمرهم وَكَلَّفَهُمْ به في الأحاديث الكثيرة المتواترة البالغة غاية الكثرة، كما
_________________
(١) [سورة النساء، الآية: ١١٣].
(٢) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
(٣) [سورة آل عمران، الآية: ١١٠].
[ ١٣٩ ]
في الحديث الذي يقول فيه: «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلِّغَهُ كَماَ سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (١).
فقام الصحابة بحمل الأمانة وتبليغ الرسالة، ونقل الحديث النبوي إلى العالم، لأنهم حين خرجوا وانتشروا في الأرض لم ينتشروا غُزاة بعقلية الفاتحين بل كانوا يَهْدُونَ العالم وينقذونه من الظلمات إلى النور، ومن الضلال والضياع إلى الطريق المستقيم طريق السعادة والكرامة والفوز في الدنيا وفي الآخرة وذلك كما سجله التاريخ لهم من أفعالهم وأحوالهم، وكما نطقت به هذه الكلمة المُدَوِّيَةُ الخَالِدَةُ التي كتبها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز لعامله يقول له: «إَّنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا هَادِيًا وَلَمْ يَبْعَثْهُ جَابِيًا».
وكما قال من قبله أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب لواليه على مصر: «مَتَى اسْتَعْبَدْتُمُ النَّاسَ وَقَدْ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ أَحْرِارًا».