هذا من حيث تَحَدِّي الفراغ العلمي الذي واجهه الصحابة في مرحلة بِأَنْ ابتكروا ووضعوا منذ اللحظة الأولى القواعد الكفيلة بحفظ السُنَّةِ وأدائها صحيحة كما سمعوها من صاحبها - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَأَتَمَّ التَسْلِيمِ -، وواجهوا كل جديد بعد ذلك بما يناسبه من المنهج العلمي.
ثم كانت هناك تحديات من نوع آخر ظهرت في القرن الثالث من الهجرة وهو عصر النهضة العلمية، حيث تم في هذا العصر تلاقح العقل العربي والمسلم بالثقافات الأخرى، وأظهرت الأُمَّةُ الإِسْلاَمِيَّة من التقدير للعلوم والمعارف الأخرى ما لم تعرفه أُمَّةٌ مدى التاريخ، حتى أَنَّ الخلفاء ليقدمون جائزة الكتاب المأخوذ والمترجم عن الأمم الأخرى وزنه ذَهَبًا، فترجمت كتب العلوم والفنون، عن اليونان وَالفُرْسِ، والهند، ونقلت ثقافاتهم إلى اللغة العربية مِمَّا كان إِنْجَازًا عِلْمِيًّا وَحَضَارِيًّا ضَخْمًا في فترة وجيزة.
لكن حدث أَنَّ كَثِيرًا من المُفَكِّرِينَ انْبَهَرُوا وَتَأَثَّرُوا بأساليب المناطقة والفلاسفة وتأثروا بها كَثِيرًا، حتى ظهرت فئة تُؤْثِرُ هذه الأساليب على أساليب المُحَدِّثِينَ وَأَهْلِ الأَثَرِ، بل إِنَّ منهم من راح يطعن على أهل الحديث نَهْجَهُمْ وَيَرُدُّ الأحاديث الصحيحة وَيَتَأَوَّلُ النصوص القطعية الصريحة، بمجرد الأوهام التي عَشَّشَتْ في عقولهم بتأثير العقلية المادية أو الفلسفية التي تَسَرَّبَتْ إليهم من بعض تلك الثقافات التي ترجمت عن اللغات والأمم الأخرى، حتى وجد من ينكر من الغيبيات أشياء لا يمكن إنكارها وَيَتَأَوَّلُ ايات القرآن وَالسُنَّةِ المتواترة في الملائكة والجن تَأَثُّرًا بتلك العقلية والأوهام المادية، كما أوضحه لنا العلماء في رُدُودِهِمْ على هذه الفِرَقِ ولا سيما معاصرهم الإمام ابن قتيبة في
[ ١٥٥ ]
كتاب " تأويل مختلف الحديث "،، وقد وصف هؤلاء بأنَّ بعضهم بلغ به الغرور إلى درجة أَنَّ أحدهم لو أراد أَنْ ينتقل من الإسلام إلى أي دين من الأديان النصرانية أو اليهودية ما وجد له مُتَّسَعًا ولا مُتَنَقَّلًا ينتقل إليه؟.
فكانت في مقابلة ذلك تلكم الوقفة الضخمة التي وقفها أَهْلُ السُنَّةِ وَالحَدِيثِ ومقدمهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل - ﵁ - في وقفته الكبرى التي كان لها بليغ الأثر وعظيم الفضل في تصحيح مسار الفكر الإسلامي والتزامه بالأصل الصحيح وهو الاحتكام والالتزام بِالكِتَابِ وَالسُنَّةِ.
إِنَّ وقفة الإمام أحمد في فهمنا وتفسيرنا، ليست لأجل مسألة جزئية وهي مسألة خَلْقِ القُرْآنِ وحدها وحسب، بل إِنَّ هذه الجزئية تعبير عن الأمر الكلي، والإصرار على تقرير المنهج الصحيح أمام مفترق الطرق التي فرقتها الأهواء المتأثرة بالثقافات الأجنبية؟ فعلى أي نهج يدرج الفكر المسلم؟
هل يفكر بالمنهج والأصول العِلْمِيَّةِ والإِسْلاَمِيَّة أم نفكر بالمنهج الذي وضعه أرسطو وأفلاطون وغيرهما؟.
وقد سجل التاريخ هذه الوقفة للإمام أحمد بن حنبل بما يناسب المعنى الذي فَسَّرْنَاهُ به حتى قالوا: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَيَّدَ هَذَا الدِّينَ بِأَبِي بَكْرٍ الصِدِّيقَ يَوْمَ الرِدَّةِ وَبِالإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ يَوْمَ المِحْنَةِ» (١)