وأما الادعاء والزعم بأن المُحَدِّثِينَ لَمْ يُطَبِّقُوا قواعدهم في النقد، فقد وجدت هذه الفكرة مَنْ يُرَدِّدُهَا من بعض المعاصرين في كتاب أصدره أَخِيرًا، حاز به فيما يبدو على درجة جامعية عُلْيَا، وقد صدر كتابه هذا بمحاولة للدفاع عن السُنَّةِ ولا أقول إنه دافع عَنْ السُنَّةِ، ثم بعد ذلك راح يزعم أن المُحَدِّثِينَ لم يطبقوا قواعد منهجهم بدقة في فصل طويل، أَيَّدَ فيه رأيه وَادَّعَى مَا ادَّعَاُه مِنْ قَبْلُ جولدتسهير؟.
وهذا الزعم من أكبر الأدلة على تهافت منهج هؤلاء الناقدين المتعالين المغرورين، لأنه يشير إلى أَنَّ المُحَدِّثِينَ لو طبقوا قواعدهم، لكان نقدهم سليما، وقد كانوا يزعمون قَبْلُ أَنَّ نَهْجَهُمْ قاصر عن التمعن في قالتهم هذه يكشف حقيقتهم وَتَقَوُّلَهُمْ بغير علم، بل بمجرد التسرع، والمجازفة في الحكم، حتى لقد أصاب والله هؤلاء الناقدين من أنفسهم المقاتل بطعنهم المفتعل على المُحَدِّثِينَ ومنهجهم العلمي:
[ ١٧٤ ]
ومن أوجه تبيان ذلك بالأدلة القاطعة:
١ - أَنَّ المُحَدِّثِينَ قَرَّرُوا كما هو مُدَوَّنٌ في كل كتب علوم الحديث، أن من دلائل الوضع في الحديث مخالفته للوقائع الحِسِّيَّةِ المُشَاهَدَةِ أَوْ لِلْتَأْرِيخِ
وهذا أمر مفروغ منه، مطبق على أوسع نطاق في نقد الأحاديث كما يشاهد في الكُتُبِ الخَاصَّةِ بالأحاديث الموضوعة والتحذير منها وفي كُتُبِ نقد الرُوَّاةِ.
وهذه حادثة لطيفة من أسلاف جولدتسهير من اليهود لها دلالتها الهامة، جرت مع الحافظ الإمام أبي بكر الخطيب البغدادي سَنَةَ ٤٤٧ هجرية.
قال الإمام الذهبي في " تذكرة الحفاظ ": «أَظْهَرَ بَعْضُ اليَهُودِ كِتَابًا بِإِسْقَاطِ النَّبِيِّ - ﷺ - الجِزْيَةَ عَنْ الخَيَابِرَةِ - يَعْنِي يُهَودَ خَيْبَرَ -وَفِيهِ شَهَادَةٌ لِلْصَّحَابَةِ، فَعَرَضَهُ الوَزِيرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَ: «هَذَا مُزَوَّرٌ».
قِيلَ: «مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا؟».
قال: «فِيهِ شَهَادَةُ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَسْلَمَ عَامَ الفَتْحِ بَعْدَ خَيْبَرَ، وَفِيهِ شَهَادَةُ سَعْدٍ بْنِ مُعَاذٍ، وَمَاتَ قَبْلَ خَيْبَرَ بِسَنَتَيْنِ».
فَاسْتَحْسَنَ الوَزِيرُ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ مَا فِي الكِتَابِ (١) انتهى.
_________________
(١) " التذكرة ": ١١٤١، وانظر " طبقات الشافعية الكبرى ": ٤/ ٣٥ و" الإعلان بالتوبيخ " للسخاوي: ص ١٠، و" الخطيب البغدادي " للدكتور يوسف [العش]: ص ٢٣٥ وقد أحال إلى هذه المصادر وغيرها وأوردنا ذلك في تصديرنا لكتاب " الرحلة في طلب الحديث " للخطيب البغدادي، مع واقعة أخرى في عتق سلمان الفارسي ص ٥٣ - ٥٤. لكن الغريب أَنَّ القوم لم يرتدعوا بما حاق بهم من الخيبة بل حاولوا تثبيت هذه الوثيقة كَرَّةً ثَانِيَةً فأحضروا هذا الكتاب بين يدي ابن تيمية - ﵀ - وحوله اليهود يزفونه ويجلونه وقد غشي بالحرير والديباج فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال: «هَذَا كَذِبٌ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ» وذكرها، فقاموا من عنده بِالذُلِّ وَالصَّغَارِ. انظر القصة وتفصيل الأوجه وهي عشرة في كتاب تلميذه ابن القيم: " المنار المنيف في الصحيح والضعيف ": ص ١٠٢ - ١٠٥.
[ ١٧٥ ]
فهذا الناقد المسلم لاَ يَتَرَدَّدُ لحظة ولا يتوقف عن الحكم ببطلان الوثيقة المُزَوَّرَةِ التي أسندها إلى النَّبِيِّ - ﷺ - هؤلاء الأفاكون.
وها نحن نجعل هذه التجربة التي خاضها أجداد «تْسِهِيرْ» مِنْ قَبْلُ هَدِيَّةً إِلَيْهِ تَعْبِيرًاعن الموقف البارد الذي يزعمه في حق النقاد المسلمين.
٢ - إن الحديث الذي أوردوه وقالوا حَرْفِيًّا: «إنه مأخذ من حقل تطبيق هذا العلم نفسه، وهو حديث: أَبُو حَنِيفَةَ سِرَاجُ هَذِهِ الأُمَّةِ» (١). هذا الحديث هو نفسه برهان يثبت دِقَّةَ نَظَرِ المُحَدِّثِينَ، فإنهم قد وسموا بالكذب راويه مأمون بن أحمد السُّلَمِي الهَرَوِي منذ الأيام التي ظهر فيها وطلع على الناس بهذا الحديث ونحوه وسجلوا اسمه في القائمة السوداء، قائمة الكَذَّابِينَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - التي لا تقبل لها توبة فِي الرِّوَايَةِ أَبَدًا. وكان منهم آنذاك عَصْرِيُّهُ الإمام أبوحاتم محمد بن حِبَّانَ البُسْتِيَّ - ﵀ -.
٣ - زعمهم أن العلماء لم يجهدوا مُطْلَقًا في أن يجعلوا الناس يصدقون بأن النَّبِيَّ قد ذكر اسم العالم العراقي.
هذا زعم مناقض للحقيقة وللواقع تَمَامًا فإن هذا الحديث اسْتُنْكِرَ هُوَ وَمَا شَاكَلَهُ غَايَةَ [الاستنكار] من العلماء والعامة حتى سقط راويه ولم يعد يسمع منه أحد.
ثم إن الراوي ليس من تلامذة أبي حنيفة ولا له صلة به، بل هو بعيد عن عصر أبي حنيفة وعن وفاته بمائتي عام.
وقد قال الحاكم في " المدخل " - بعد أن أورد هذا الحديث -: «وَمِثْلُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ يَشْهَدُ مَنْ رَزَقَهُ اللهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -».
_________________
(١) [الحَدِيثُ الذِي وَضَعَهُ المُتَعَصِّبُونَ لأَبِي حَنِيفَةَ: «سَيَكُونُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ هُوَ سِرَاجُ أُمَّتِي»].
[ ١٧٦ ]
فَهَلْ يُصَدِّقُ أَحَدٌ بعد هذا من يزعم أن الناس تلقوا الحديث بالقبول وأن الواضعين بزعمه الفاسد ورأيه الفاسد لم يجهدوا في أن يجعلوا الناس يصدقونه، أو أن الواقع يعكس ذلك، وأن الأُمَّةَ جميعها قد رفضت هذا الحديث كما رفضت سائر الأكاذيب وتبرأت منها ومن مختلقيها.
٤ - إننا إذا رجعنا إلى حقل التطبيق الذي يزعم «جولدتسهير» ومن يتبعه أنه أخذ الحديث منه، فإننا سنجد العجاب من فظاعة الإفك وَالبُهْتَانِ.
إن هذا الحديث قد نَبَّهَ عليه العلماء في مختلف العصور في تصانيفهم الحديثية المشتهرة والمتداولة بين الخاصة والعامة في كتب الأحاديث الموضوعة، وكتب مصطلح الحديث وكتب التعريف برجال الحديث، واسمحوا لي أن أطيل عليكم فأسرد جملة من المراجع من عصور مختلفة تُحَذِّرُ من هذا الحديث ومن روايته:
[١]- ذكره معاصره الإمام محمد بن حاتم بن حِبَّانَ البُسْتِيَّ المتَوَفَّى فِي سَنَةِ ٣٥٤ هـ في كتاب " المجروحين ". كما نقل عنه الذهبي في " ميزان الاعتدال ": ص ٤٢٩ - ٤٣٠.
[٢]- الحاكم أبوعبدالله المتَوَفَّى سَنَةَ ٤٠٥ هـ في " المدخل إلى كتاب معرفة الإكليل ": (ورقة ٢٩١/ ٢).
[٣]- ومحمد بن طاهر المقدسي المتَوَفَّى سَنَةَ ٥٠٣ هـ فِي " تذكرة الموضوعات ": ص ١٤٤.
[٤]- وعبد الرحمن بن الجوزي (٥٩٧ هـ) في " الموضوعات الكبرى " وقال: «حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَعَنَ اللهُ وَاضِعَهُ»: ج ٢ ص ٤٧ - ٤٩.
[٥]- والذهبي (٧٤٨ هـ) في " ميزان الاعتدال ".
[٦]- والحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) في " لسان الميزان ": ج ٥ ص ٨.
[٧]- والحافظ السَّخَاوِيُّ (٩٠٢ هـ) في " فتح المغيث ": ص ١١٤.
[ ١٧٧ ]
[٨] و[٩]- والسيوطي (٩١١ هـ) فِي كتابه " تدريب الراوي ": ص ١٨١، و" اللآلي المصنوعة ": ج ١ ص ٥٧.
[١٠]- والحافظ أبوالحسن بن عَرَّاقْ (٩٦٣ هـ) في كتاب " [تَنْزِيهُ] الشَّرِيعَةِ ": ج ٢ ص. (١).
[١١] و[١٢]- وَالمُحَدِّثُ علي القاريِّ في " شرح النخبة ": ص ١٢٨، وفي كتاب " الموضوعات الكبرى "، وقال: «مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ المُحَدِّثِينَ»: ص ٧٦.
[١٣]- والشوكاني في " الفوائد المجموعة ": ص ٤٢٠.
[١٤]- والأبياري في " حاشية نيل الأماني ": ص ٥٣.
[١٥]- وَالعَلاَّمَةُ حسين خاطر في " لَقْطِ [الدُّرَرْ] ": ص ٧٣.
هذه خمسة عشر مرجعا في أعصر متتالية منذ عصر الرَّاوِي الوَضَّاع حتى عصرنا هذا، وفي حقول الحديث المتنوعة، حقل القواعد كـ " المدخل " و" تدريب الراوي ".
وحقل التطبيق الذي زعم الطاعن أنه يرجع إليه كـ " الميزان " وغيره من كتب الرجال وكتب الموضوعات في شتى الحقول تُوَضِّحُ كذب هذا الحديث وتفضح إفكه وهي كلها بحمد الله مشهورة معروفة متداولة ثم يأتي بعد ذلك من يزعم أنه يُدِينُ المُحَدِّثِينَ من حقل تطبيقهم بأنهم يَرْوُونَ الأحاديث الموضوعة أو أنها تنطلي عليهم حين أنهم سَيَّرُوا في الناس وأذاعوا فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ التحذير من الأحاديث الموضوعة والتنبيه عليها بما في ذلك نفس الحديث الذي استشهد به الطاعن، حيث توالى المُحَدِّثُونَ على التحذير منه في المُصَنَّفَاتِ المشهورة المتداولة عَلَى مَرِّ العُصُورِ كَمَرِّ الدُّهُورِ.
ثم إننا نلاحظ إخواني القُرَّاء، أَنَّ الأجانب وأتباعهم من أبنائنا يَتَبَجَّحُونَ
_________________
(١) [لم يقع ذكر الصفحة في هذا المصدر، ورجعت إلى الكتاب نفسه. انظر: " تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة " نور الدين ابن عراق الكناني (المتوفى: سَنَةَ ٩٦٣هـ)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، عبد الله محمد الصديق الغماري، ٢/ ٣٠، الطبعة الأولى: ١٣٩٩ هـ، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان].
[ ١٧٨ ]
بما يقال له: «العِلْمُ التَّجْرِيبِيُّ» وبأنهم لا يقبلون قضية إِلاَّ إذا أقاموا عليها الدليل الصحيح الصريح، وَقَدْ تَبَيَّنَ لكم أن هذه الفئة المتحاملة من الأجانب لا تسلك هذا الأسلوب الملتزم بِالحُجَّةِ وَالبُرْهَانِ تُجَاهَ تُرَاثِنَا، بل قد أقامت أَحْكَامًا على غاية الخطورة دون أن يكون لهم على كلامهم مُسْتَنَدٌ ولا ما يشبه أن يكون مُسْتَنَدًا، إنما هي كلمات سطحية وَدَعَاوَى خَالِيَةٌ، تابعهم عليها بعض المُنْبَهِرِينَ من أبناء جلدتنا، ثُمَّ يَتَبَجَّحُ بِالعِلْمِ، والنظريات العلمية ويلوك هذا في أثناء كلامه الذي قد يشتمل على أفحش الأخطاء في حق الإسلام أو الحديث النبوي.
والحقيقة أن هذا البعض مِنَ المُسْتَشْرِقِينَ الذين اشتهروا ما كان يمكن أن يشتهروا ويكون لهم شأن يذكر في بلاد الإسلام لولا أن بعض أبنائنا فَاجَؤُوا المسلمين ابتداء من مطلع القرن الهجري السابق بترداد تلك الآرَاءِ الشَاذَّةِ البَاطِلَةِ.
وإلا فإن الدارسين في دنيا الغرب الذين خبروا تلك المجتمعات العلمية قد تعجبوا لما حدث في بلاد الإسلام من ضجة كبيرة حول هؤلاء بالرد عليهم وكثرة البدء والإعادة في ذلك، حتى صاروا كَأَنَّ لَهُمْ شَأْنًا كَبِيرًا.
لكننا بسبب الانهزام الداخلي الذي وقعنا فيه تلك الفترة قفزنا بهم تلك القفزة. .؟، غير أننا لا نقصد بهذا إلى إغفال النقد العلمي، والمناقشة، كَلاَّ لكن يجب أن نعرف الأمور على حقيقتها وأن تكون واضحة في أذهاننا خُصُوصًا وقد تخلصنا الآن والحمد لله من رِقِّ تَقْلِيدِهِمْ ومن الانهزام الذي وقع فيه كثير من أبناء الطبقة السابقة علينا من بعض أهل الفكر المسلم، فقد أصبح عندنا الآن القناعة الكافية واليقين الراسخ بأن ما عندنا هو الحق واليقين وهو الأصل الذي يجب أَنْ تُبْنَى عليه القضايا والحقائق، كما أنه الخير الذي نقدمه للعالم ونود أن تستفيد منه الدنيا
[ ١٧٩ ]
الخَاتِمَةُ: