وذلك بعرضها على نصوص وقواعد الشريعة فإذا وجدوا النص المروي مُخَالِفًا لَهَا رَدُّوهُ ولم يعملوا به.
فهذه السَيِّدَةُ عَائِشَةَ - ﵂ - فيما أخرجه الشيخان عنها، سَمِعَتْ حَدِيثَ عُمَرَ وَابْنَهُ عَبْدَ اللهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ "، وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾» (١).
_________________
(١) [سورة الأنعام، الآية: ١٦٤]، [سورة الإسراء، الآية: ١٥]، [سورة فاطر، الآية: ١٨]، [سورة الزُمر، الآية: ٧].
[ ١٥٠ ]
وفي رواية مسلم أنها قالت: «إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، وَلاَ مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ» (١).
ومن منهج الصحابة في الرواية والبحث عن الرُوَاةِ والأسانيد: الرحلة في طلب الحديث: وهي ظاهرة علمية وحضارية لم يكن لها مثل في التاريخ لا قبل الإسلام ولا بعده إلاَّ عند المسلمين ومنذ فجر تاريخهم أيام الخلفاء الراشدين.
لقد شحذ الصحابة الهِمَمَ وَتَخَطَّوْا الصعاب والعقبات، وقطعوا المسافات من أجل تلقي الحديث من حَمَلَتِهِ وَوُعَاتِهِ، بل سجل لنا التاريخ بالوثائق المؤكدة القاطعة ظاهرة أبلغ وأسمى في هذا الميدان تلك هي الرحلة في طلب الحديث الواحد فقط.
ومن ذلك ما ثبت بالأسانيد الصحاح عن جابر بن عبد الله - ﵁ -، أنه رحل من المدينة المنورة إلى دمشق الشام ليسأل عبد الله بن أنيس الأنصاري عن حديث في القصاص من المظالم بين الناس يوم القيامة، فقال عبد الله بن أنيس: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، أَوْ قَالَ: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ قال: - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ - عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا» فَقُلْتُ: مَا بُهْمًا؟ قَالَ: «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ» قَالَ: فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلُ النَّارَ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ، وَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلُ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ.
_________________
(١) " البخاري ": في الجنائز: ج ٢ ص ٧٧ - ٨٠. و" مسلم ": ج ٣ ص ٤٢ - ٤٣ وذكره الزركشي في كتابه " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١٠٢ - ١٠٣ وانظر: ص ٧٦ - ٧٧.
[ ١٥١ ]
قَالَ: قُلْنَا كَيْفَ هُوَ؟ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ». أخرجه أحمد والبخاري في " الأدب المُفرد " والحاكم في " المستدرك " (١).
وليست هذه الحادثة فريدة من تاريخنا، ولا هي قاصرة على جيل الصحابة، بل هي سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ سَنَّهَا الصحابة وتابعهم عليها التابعون وَمَنْ بعدهم، فقد سجل التاريخ بالأسانيد الصحيحة مجموعة من رحلات الصحابة لأجل حديث واحد، ومجموعة كبيرة من أخبار رحلات التابعين، ومن بعدهم لأجل حديث واحد فقط، وَدَوَّنَ لنا ذلك كله بأسانيده الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب " الرحلة في طلب [الحديث] " الذي حَقَّقْنَاهُ، وَبَيَنَّا سلامة وصحة أسانيد ما أورد من ذلك. وأضفنا إليه مجموعة ثانية من رحلات الصحابة منها في عهد النبي - ﷺ -، ومن رحلات غيرهم.