روى الإمام البخاري في جامعه بسنده الصحيح إلى أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلىّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١) .
_________________
(١) صحيح البخاري - الاعتصام - باب قول النبي (بعثت بجوامع الكلم - فتح الباري ١٣/٢٦١ - حديث رقم ٧٢٧٤.
[ ١٧ ]
فالرسول ﷺ يبين في هذا الحديث أن معجزته الكبرى هي الوحي، والوحي لا ينحصر في القرآن الكريم الذي هو "أعظم المعجزات وأفْيَدُها وأدومها لاشتماله على الدعوة والحجّة ودوام الانتفاع به إلى آخر الدهر" (١) . وإنّما يدخل ضمنه بيان القرآن وشرحه الذي أجراه الله على لسان نبيّه في سنته المطهّرة وقد وردت آيات كثيرة تثبت هذا المعنى من ذلك:
١ـ قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦-١٩] .
فالله يطمئن رسولهصلى الله عليه وسلم في هذه الآيات ويعده -ووعده الحق- بأنّه سيجمع القرآن في صدره فيحفظه دون أن يتفلّت منه شيء ويردّده متى شاء بكلّ يسر وسيعلّمه قراءته كما نزل، وقطع سبحانه بأنه المتكفّل ببيانه، ويفسّر ابن عباس قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ بقوله: "علينا أن نبيّنه بلسانك"وفي رواية: "على لسانك" (٢) .
وعبارة "بيانه" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ جنس مضاف، فيعمّ جميع أصناف البيان المتعلّقة بالقرآن الكريم من إظهاره وتبيين أحكامه وما يتعلّق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك (٣) . ونظرًا إلى أنّ السنة هي التي بيّنت الغامض وفصّلت المجمل ووضّحت المشكل وفسّرت المبهم وقيّدت المطلق وخصّصت العام وحدّدت المنسوخ فهي المراد بقوله تعالى:
_________________
(١) فتح الباري ١٣/٢٦٢.
(٢) صحيح البخاري - التفسير- باب فإذا قرأناه فاتبع قرآنه حديث ٤٩٢٩ فتح الباري ٨/٥٥٠.
(٣) انظر فتح الباري ٨/٥٥١.
[ ١٨ ]
﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ فهي وحي من الله.
٢ - وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] . إن فُسِّرَت الحكمة بالعقل والإتقان والصواب في القول والعمل (١) .
وفسّرها ابن عباس ﵁ "بعلم القرآن ناسخه ومنسوخه محكمه ومتشابهه " وفسّرت كذلك بفهم حقائق القرآن (٢)، وهي معانٍ تنطبق على السنة ولا تخرج عن دائرتها فإنّ العديد من العلماء فسّروها بالسنة بكلّ وضوح فقد شرحها كل من قتادة بن دعامة السدوسي [ت١٣١هـ] وعبد الملك بن جريج [ت١٤٩هـ] بالسنة (٣) وشرحها ابن جرير الطبري بقوله "وهي السنن التي علّمكموها رسول الله ﷺ وسنّها لكم " (٤) .
والحكمة وردت في القرآن العزيز مقرونة بالكتاب في مواطن عديدة، وممن بسط القول في شرحها وعلى أنّها السنة المطهرة الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀ فقال في رسالته: " سمعت من أرضى من أهل
_________________
(١) انظر البحر المحيط - محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيّان الأندلسي الغرناطي الحياني الشهير بأبي حيّان ٢/ ٣٢٠،٤٦٣.
(٢) مفردات القرآن للراغب ٢٥٠.
(٣) جامع البيان عن تأويل القرآن - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ١/٥٥٧ /٣/٢٧٤. [ط٣ - ١٣٨٨هـ/١٩٦٨م - مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر] .
(٤) المصدر السابق ٢/٤٨٣.
[ ١٩ ]
العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنّة رسول الله ﷺ وهذا يشبه ما قال والله أعلم ". ويعلل ذلك بقوله: "لأنّ القرآن ذكر وأتبعته الحكمة، وذكر الله مَنَّه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة فلم يجُز – والله أعلم – أن يقال: الحكمة ها هنا إلا سنّة رسول الله ﷺ " (١) . ويبسط الشيخ مصطفى السباعي ﵀ القول في دليل الشافعي فيقول:
١- إن الله عطف الحكمة على الكتاب، وذلك يقتضي المغايرة، ولا يصحّ أن تكون غير السنة.
٢- لأنّ الله ذكرها في معرض المنّة على المؤمنين، ولا يمنّ الله إلا بما هو حقّ وصواب.
٣- وبما أن القرآن واجب الاتباع فالمعطوف عليه وهو الحكمة واجبة الاتباع.
٤- وبما أنّ الله لم يوجب علينا إلا اتباع الكتاب والسنة، فتعيّن أن تكون السنة هي ما صدر عن الرسول ﷺ من أقوال وأحكام في معرض التشريع (٢) . فهذا دليل قرآني على أنّ السنّة وحي أنزلها الله على قلب رسوله كما أنزل القرآن: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣] .
٣ - ومن الأدلة القرآنية على أنّ السنة وحي قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ
_________________
(١) الرسالة للإمام الشافعي ص ٨٦ [ط١ - ١٤٠٨هـ /١٩٨٨م، الناشر مركز الأهرام للترجمة والنشر - القاهرة] .
(٢) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي - مصطفى بن حسين السباعي ص ٥١، [ط٤ - ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م المكتب الإسلامي - بيروت] .
[ ٢٠ ]
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] .
وإن شُرِح الذكر (١) الوارد في قوله تعالى: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ [ص:٨] بالقرآن، فإنّه في آيتنا هذه يعني السنّة لأنّ الذكر الذي أنزله الله على قلب الرسول ﷺ إنما أنزله عليه ليبيّن به للناس ما نزّل إليهم من كتاب الله، وبيان الرسول إنّما هو من سنته ﷺ.
ويشرح ابن حزم عبارة "الذكر" الواردة في الآية بالوحي فيقول: "ولا خلاف بين أحدٍ من أهل اللغة والشريعة في أنّ كل وحي نزل من عند الله فهو ذكر منزّل"وردّ على من زعم أنّ المراد بالذكر في الآية "القرآن وحده" بقوله: "هذه دعوى كاذبة مجرّدة عن البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل والذكر اسم واقع على كلّ ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآن وسنة" (٢) .
"فالذكر بيانٌ أنزله الله والسنة هي هذا البيان فتكون بالتالي وحيًا منزّلًا من السماء، وقد قام الرسول ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه من القرآن أكمل تبيلغ كما قام بتبيينه خير تبيين ففصّل مجمله ووضّح مشكله وفسّر مبهمه وقيّد مطلقه وخصّص عامّه وبيّن منسوخه واستنبط أحكامه وحدّد مرماه وكشف مغزاه وأبان عن معناه " (٣) .
٤ - ومن الأدلة القرآنية على أنّ السنة وحي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا
_________________
(١) المفردات للراغب ص ٣٢٨.
(٢) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ١٥٧.
(٣) محاضرات في علوم الحديث - للشيخ مصطفى أمين التازي ١/١٢٠.
[ ٢١ ]
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:١٠٥] .
ذهب الداودي إلى أن عبارة "بما أراك الله" ليست محصورة في المنصوص وإنّما فيها إذن في القول بالرأي من قياس واجتهاد، خلافًا لما ذهب إليه الإمام البخاري من أنّ كل ما قاله النبي ﷺ وحكم به بين الناس إنّما صدر فيه عن الوحي، وقد ترجم لهذا المعنى في صحيحه بقوله: ". . . ولم يقل برأي ولا قياس لقوله تعالى: "بما أراك الله" (١) .
ولكن إذا علمنا أنّ الله لا يقرّ نبيّه على خطأ تبيّن لنا أن الرسول ﷺ عندما يحكم بين الناس إنّما يحكم بما ورد في القرآن ممّا نصّ عليه فيه من أحكام، كما يحكم بينهم بما علّمه الله وأراه أي بسنّته فيكون في حكمه مستندًا إلى القرآن والسنة وكلّ منهما ممّا نزّله الله عليه وعلّمه حقائقه وعرّفه حدوده، فهما وحي بلا جدال.
_________________
(١) صحيح البخاري - الاعتصام - الباب ٨ - باب ما كان النبي (يُسأل ممّا لم ينزل عليه الوحي - فتح الباري ١٣/٣٠٣٠.
[ ٢٢ ]