أي أنّ الله تعالى يرسل ملكًا - وملك الوحي هو جبريل ﵇ فيبلِّغ النبيّ ﷺ ما يريد الله أن يبلّغه إليه، وهذا مصداق لقوله ﷺ: "كان
[ ٧ ]
الوحي يأتيني به جبريل فيلقيه عليّ كما يلقي الرجل على الرجل فذاك ينفلت منّي، ويأتيني في بيتي مثل صوت الجرس، حتى يخالط قلبي فذاك الذي لا ينفلت مني" (١) .
وهذا الملك تارة يراه النبي ﷺ فيكون رسولًا مُشاهَدًا تُرى ذاتُهُ ويُسْمَعُ كلامُهُ، وتارة لا يراه:
١- ففي حالة رؤية النبي ﷺ ملك الوحي وهو يلقي عليه الوحي:
أ- قد يراه على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها، وله ستمائة جناح، وهذا نادر، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة مرفوعًا: "لم أرَه - يعني جبريل - على صورته التي خلق عليها إلا مرتين" (٢)، وحدّدت السيدة عائشة ﵂ هاتين المرّتين بقولها: "مرّة عند سدرة المنتهى، ومرّة عند أجياد".
يقول النبي ﷺ: "جاورت في حراء فلمّا قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض" (٣)، وفي رواية: "على كرسيّ بين السماء والأرض وقد سدّ الأفق".
ب- وقد يراه متمثّلًا في صورة بشر في شكل أعرابيّ أو غيره، وكثيرًا ما كان يتقمّص صورة دحية الكلبي الصحابي الجليل الوسيم ﵁.
٢- وفي حالة عدم رؤية النبيّ ﷺ الملك وهو يوحي إليه ويبلّغه كلام
_________________
(١) فتح الباري ١/٢٧.
(٢) فتح الباري ١/٣٢.
(٣) البخاري - التفسير - باب وربّك فكبّر - فتح الباري ٨/٥٤٧ الحديث رقم ٤٩٢٤ و٨/٥٨٦ الحديث رقم ٤٩٢٥ - وانظر بدء الوحي فتح الباري ١/٣٧ الحديث رقم ٤.
[ ٨ ]
ربّه، فإنّه ﵊ يسمع عند قدومه:
أ- دويًا كدويّ النحل، كما جاء ذلك في حديث عمر ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا نزل الوحيُ يُسْمَعُ عند وجهِهِ كدويّ النحل" (١) .
ب - أو صلصلة شديدة كصلصلة الجرس: أي أنّه ﷺ يسمع حسيسًا كصوت وقوع الحديد بعضه على بعض. جاء في حديث عائشة أم المؤمنين أنّ الحارث بن هشام المخزومي ﵃ - شقيق أبي جهل وكان من فضلاء الصحابة ﵃ - سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ فيفصم عنّي وقد وعيْتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثّل لي الملك رجلًا فيكلّمني فأعي ما يقول" (٢) .
ودويّ النحل لا يعارض صلصلة الجرس لأنّ سماع الدويّ بالنسبة إلى الحاضرين السامعين -كما في حديث عمر الآنف- أمّا الصلصلة فبالنسبة إلى مقام النبي ﷺ الذي شبَّه صوت الوحي بصلصلة الجرس.
ثم إنّ كلًا من الدويّ والصلصة إنّما يعلم كنههما ومصدرهما الله تعالى إلا أنّ آثارهما تبدو واضحة على رسول الله ﷺ ذلك أنّ حالة روحيّة غير عادية تعتريه لا يدرك الحاضرون إلا أماراتها الظاهرة كثقل بدنه وتفصّد
_________________
(١) الحديث والمحدثون ١٣.
(٢) صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي - الباب الثاني- الحديث رقم٢ فتح الباري ١/٢٥-٢٦.
[ ٩ ]
جبينه عرقًا (١) ذلك أنّ النبي ﷺ كان يعالج من التنزيل شدة، كما جاء ذلك في حديث ابن عباس (٢) وقد علّل بعضهم هذه الشدة بقوله: "ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع" (٣) والحقيقة هي أنّ الوحي ثقيل يقول تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا لْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ للَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، فإذا تصدّع الجبل فكيف ببدن ضعيف؟! تقول السيّدة عائشة ﵂ عن الرسول ﷺ وما يلقاه من الشدة عند نزول الوحي: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد عرقًا" (٤) .
_________________
(١) الحديث والمحدثون ١٣.
(٢) انظر فتح الباري ١/٢٨.
(٣) انظر فتح الباري ١/٢٨.
(٤) البخاري - كتاب بدء الوحي - الباب٢- الحديث عدد٢- فتح الباري ١/٢٥ - ٢٦.
[ ١٠ ]