إنّ كلّ من آمن بوجود الله تعالى وكمال قدرته آمن بالوحي وإمكان وقوعه بوصفه جانبًا من جوانب التدبير الإلهي ورعايته للخلق ورحمته بهم، فالعقل السليم يقرّ بإمكان وقوع الوحي، كما يقرّ أنّ النبوّة اصطفاء واجتباء لصفوة من الخلق حمّلهم الله مسؤولية الرسالة وهداية الخليقة فأوحى إليهم، وليست جانبًا من المعاناة والرياضة النفسيّة والروحيّة التي تمكّن من يكابدها من الحكماء والفلاسفة والمفكّرين الوصول إليها.
[ ١٢ ]
إلا أنّ الملاحدة والدهريين قديمًا وحديثًا ينكرون النبوّة ويكفرون بالوحي ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤] .
كما أنّ الفلسفة الوضعية الحديثة في القرن التاسع عشر التي يتزعّمها الفيلسوف الفرنسي أوقيست كونت Auguste Comte [١٧٩٨-١٨٥٧م] ترى "أنّ البحث عن العلل الأولى أو الغائيّة بحث لا معنى له ولا طائل من ورائه" (١) ذلك أنّ هذا المذهب يعد "المعرفة الصحيحة هي المعرفة المبنيّة على الواقع والتجربة، وأنّ العلوم التجريبيّة هي التي تحقّق المثل الأعلى لليقين"، والوضعيّة لا تعترف بإله متعالٍ فردٍ صمدٍ متفرّد بالعظمة والجلال وإنّما تعد الديانة هي ديانة الإنسانية (٢) والإله هو الإنسان.
وهؤلاء الماديّون القدامى والمحدثون يمثّلون الضلال ويصدرون عن الظن الذي لا يغني عن الحقّ شيئًا، ذلك أنّ طرق المعرفة ووسائلها ممثّلة في العقل والحسّ والتجربة والأخبار الصحيحة المتناقلة عن الآباء والأجداد لا يمكنها بحال الوصول إلى الحقيقة المطلقة، فأين لهذا الحسّ والعقل والتجربة والأخبار التي لا يكون مصدرها الوحي، الوصول إلى معرفة عالم الغيب؟ بل أنّى لهذه الوسائل مجتمعة أن تتوصّل إلى معرفة وظيفة الإنسان الحقيقية في الحياة؟ وما ينتظره بعد الممات؟!
_________________
(١) معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية ٤٨٨ - جلال الدين سعد - دار الجنوب للنشر- ١٩٩٨ - تونس.
(٢) المصدر السابق ٤٧٧.
[ ١٣ ]
إنّ العقل يسلّم بمحدوديّة معارفه وانحصارها في عالم الشهادة، أمّا عالم الغيب فلا سبيل إلى معرفته والإلمام بأسراره وخصائصه إلا بالوحي، ومن هنا أدركت العقول الصحيحة أنّ الإنسان في حاجة ماسّة إلى الوحي الإلهي للوصول إلى المعرفة الصحيحة حول الكون وخالقه والإنسان ودوره في التعمير وخلافة الله في الأرض ومصيره في الآخرة. والإحساس بالحاجة إلى الوحي ليس فيه غمط للعقل والحسّ ودورهما في المعرفة، ذلك أنّ الوحي يهدي هذه الوسائل ويصحّح مسارها ويرشدها إلى الحقائق التي لا سبيل أن يصل إليها العقل والحسّ بمفردهما.
الفيلسوف ابن الطفيل يثبت أن لا مناص من النبوّة والوحي لإرشاد الخليقة إلى الحقّ (١):
كتب الفيلسوف ابن الطفيل في القرن السادس للهجرة قصّته الشهيرة "حيّ بن يقظان" هذا الطفل الذي رمت به الأمواج في جزيرة مهجورة من جزائر الهند التي تحت خط الاستواء، فتبنّته غزالة فكانت له كأمّه ونما وكبر وقد وهبه الله ذكاءً وقّادًا فعرف كيف يقوم بحاجات نفسه واستطاع أن يتحصّل بفطرته السليمة وملاحظاته الفاحصة وتفكيره الحادّ علمًا غزيرًا وأن يدرك بنفسه أرفع الحقائق الطبيعيّة وما وراء الطبيعة فعرف الله والعالم ونال السعادة المتّصلة الغامرة التي لا ينالها إلا العارفون بالله والعالمون بحقائق الكون الفسيح، وعند التقائه "أبسال" الرجل التقيّ الذي قرّر اعتزال
_________________
(١) هو أبوبكر محمد بن عبد الملك بن طفيل القيسي الأندلسي ولد قبل سنة ٥٠٦هـ وتوفي سنة ٥٨١هـ[١١٨٥-١١٨٦م] .
[ ١٤ ]
الناس والفرار بدينه من جزيرة مجاورة، علّمه الكلام، فعلم منه حقائق الوجود ووجد في الطريق الفلسفي الذي سلكه حيّ بن يقظان تعليلًا علويًّا للدين الذي يعتقده، وتفسيرًا سليمًا لكلّ الأديان، واستطاع حيّ بن يقظان إقناع "أبسال" أن يحمله إلى جزيرته التي هجرها ليلتقي فيها ملكها التقيّ "سلامان" صديق "أبسال" الذي يرى خلافًا لأبسال وجوب ملازمة الجماعة وترك العزلة.
وبالتقائهم حاول حيّ أن يكشف لأهل الجزيرة وخاصّتها بطريقته العقليّة والإشراقيّة الحقائق العليا التي وصل إليها فلم يوفّق، وأدرك حيّ وصديقه أبسال أنّ من أراد أن يعلّم الناس حقائق الوجود ويؤثّر في أفهامهم الغليظة ويُلِين إرادتهم المستعصية، فلا مفرّ له من أن يصوغ آراءه بلغة الأديان المنزّلة على الرسل. فابن الطفيل أراد أن يبيّن أنّه في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه وبفطرته السليمة من المحسوس إلى المعقول إلى الله بحيث يستطيع الوصول إلى معرفة العالم ومعرفة الخالق، إلا أنّ هذا الإنسان سواءً كان فيلسوفًا أو مفكّرًا أو عالمًا وإن وصل إلى معرفة الحقائق العليا حول الإنسان والكون والخالق سبحانه، فإنّه لا يُحْسِنُ إبلاغ هذه الحقائق إلى عامّة الناس بل إنه لا يستطيع إقناع حتى الخاصّة منهم، فالسبيل الوحيد لإيصال الحقائق الكونيّة للخليقة هو الوحي الإلهي عن طريق من يجتبيهم الله تعالى من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام (١) .
_________________
(١) انظر ذخائر العرب ٨ - حيّ بن يقظان لابن سينا وابن الطفيل والسهرورديّ ص١-١١،ص ٢٠-٣٢، تحقيق وتعليق أحمد أمين - ط ٣ -١٩٦٦، دار المعارف - بمصر.
[ ١٥ ]
فالوحي ظاهرة ممكنة الحدوث وإنّ تواتر الرسالات السماويّة إلى جانب الكثير من الدراسات العقلية الجادّة التي توصّلت إلى ضرورة الوحي، حتى إن المعتزلة وهم ممّن مجّد العقل وقدّمه، عدّوا الوحي والنبوّة واجبًا يقتضيه العقل نفسه، كلّ ذلك يثبت حقيقة الوحي ولا يمكن بحال أن يغني العقل عن النبوّة والرسالة. وطالما أنّ الإنسان محاسب مجازى على أعماله فإنّ مبعث الرسل للشعوب والأمم وللخليقة أجمعين يعدّ واجبا ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، كما يعدُّ الوحي حقيقة لا ينكرها إلا متفلّت من ضوابط العقل والحسّ وثوابت النقل وكلّ سبل المعرفة وتحصيل العلم. .
وحينما نثبت الوحي نثبت علويّته فهو من الله، ونثبت صدقه فهو حقّ محض لا يأتيه الباطل، فكلّ ما أخبر به الوحي واقع وصدق وحقّ لا يتخلّف، يقول عبد الله بن عبّاس حول قول الله تعالى مخاطبًا اليهود المخادعين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِندُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة:٦] . وحول قوله تعالى في شأن المجادلين في شأن عيسى ﵇ بعد أن بيّن القرآن وجه الحقّ فيه: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] (١): "لو تمنى اليهود الموت لماتوا، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا، لا
_________________
(١) والمباهلة هي الدعاء باللعنة على الكاذب المفتري [التفسير الواضح الميسر - الشيخ محمد الصابوني - ص ١٢٨ - ط١ - ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م - مؤسّسة الريّان للطباعة والنشر بيروت] .
[ ١٦ ]
يجدون أهلًا ولا مالًا " (١) .
والأنبياء عصمهم الله من الخطإ في تلقّي الوحي وفي إبلاغه، وهم لا يملكون من أمر الوحي شيئًا فهم مبلِّغون رسالات ربّهم بدون تبديل أو تغيير.
وإذا ثبت لدينا إمكانية الوحي وتحقّقت هذه الظاهرة الربّانية فهل السنة النبويّة الصحيحة وحي من الله؟
لإثبات ذلك سوف نبحث عن أدلّة من كتاب الله الذي هو وحي من الله، ثمّ من السنّة النبويّة الصحيحة، كما سنتتبّع جملة من الأخبار الغيبيّة التي أخبر عنها الرسول ﷺ وندرس مدى تحقّقها ومصداقها فيما بعد حتى نعرف إن كان مصدرها الوحي من الله، وكذلك سندرس جملة من الأحاديث التي تتناول مسائل علميّة معقّدة ونبحث عن الإعجاز العلمي فيها فإذا تحقّق ذلك كلّه أدركنا بما لا يدع مجالًا للشك أنّ السنّة النبويّة وحي من الله جلّت قدرته.
_________________
(١) شرح صحيح البخاريّ، فتح الباري - كتاب التفسير - باب "كلا لئن لم ينته" - ٨/٥٩٥ - الحديث رقم ٤٩٥٠.
[ ١٧ ]