إلا أنّه قبل المضيّ قدما في دراسة الموضوع يعترضنا سؤال هامّ وهو: هل كلّ السنّة وحي؟
لقد ثبت بتتبّع سيرة النبيّ ﷺ العطرة وسنّته المطهّرة أنّه قد اجتهد في مسائل ونوازل عديدة لم ينزل عليه فيها وحي، بمقتضى ما فطر عليه من سلامة العقل وسداد النظر سواء كان ذلك:
أ - باستخدام القياس: كقياسه ﷺ ولادة الطفل الأسود من أبوين أبيضين على إنجاب الإبل الحمر الجمال الورق (١) بسبب الوراثة العرقيّة (٢)، وكقياسه وفاء البنت بنذر أمّها الحجّ، فماتت قبل أن تفي بنذرها، على وجوب قضاء الوارث دين مورّثه (٣) .
ب - أو باستعمال الرأي: ابتداء مثل اجتهاده ﷺ في غزوة بدر حيث نزل موضعا رأى أحد صحابته وهو الحباب بن المنذر الخزرجيّ ﵁ أنه غير ملائم عسكريّا، فسأله: "أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدّمه ولا أن نتأخّر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ " فلمّا أعلمه ﵊ أنّه مجرّد اجتهاد لا دخل للوحي فيه، عرض عليه تغيير
_________________
(١) البعير الأورق: هو البعير الأسود الذي يخالط سواده بياض كدخان الرمث [فقه اللغة وسرّ العربيّة، للثعالبيّ ١١٨ - مطبعة الاستقامة - القاهرة - بدون تاريخ] .
(٢) انظر حديث الأعرابيّ الذي أتى النبيّ فقال: "إنّ امرأتي ولدت غلاما أسود وإنّي قد أنكرته. . صحيح البخاريّ - الاعتصام بالكتاب والسنّة - باب من شبّه أصلا معلوما بأصل مبيّن وقد بيّن النبيّ حكمهما ليفهم السائل الحديث ٧٣١٤ - فتح الباري ١٣/ ٣٠٩.
(٣) انظر حديث المرأة التي جاءت إلى النبيّ فقالت: "إنّ أمي نذرت أن تحجّ فماتت قبل أن تحجّ. . صحيح البخاريّ - الاعتصام - باب من شبّه أصلا معلوما. . . حديث ٧٣١٥ فتح الباري ١٣/ ٣٠٩.
[ ٢ ]
الموقع ونزل الرسول ﷺ على رأيه (١) .
ومثل اجتهاده في مصير أسرى بدر حيث رجّح ﵊ رأي أبي بكر الصدّيق القائل بأخذ الفداء، وكان ذلك قبل نزول الآية التي تحدّد حكم الأسرى، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤] .
فهذه الاجتهادات في ظاهرها لا صلة لها بالوحي لكن إذا تبيّن لنا أنّ الله سبحانه لا يتركه وشأنه وإنّما يقرّه إذا أصاب وينبّهه إن أخطأ (٢)، أدركنا أنها وحي منزّل من الله تعالى ذلك أنّه تعالى لا يقرّ رسوله ﷺ على خطأ:
فمثلا في غزوة بني النضير (٣) أمر رسول الله ﷺ بقطع نخيلهم وتحريقها حتّى ييئسوا من وعد إخوانهم المنافقين بالنصرة، وحتّى يتمّ تعجيل استسلامهم فتحقن الدماء، ويعمّ الأمن، فنزل الوحي يؤيّد هذا العمل ويجعله بإذن الله وأمره وإرادته فقال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر:٥] .
كما أنّ قبول الفداء من أسرى بدر تعقّبه القرآن معاتبا الرسول ﷺ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام ١/٦٢٠ [تحقيق السقّا، الأبياريّ، شلبيّ - ط٢ - ١٣٧٥ هـ /١٩٥٥م - مصطفى البابي الحلبيّ - القاهرة]، والسيرة النبويّة في ضوء القرآن والسنّة - محمد محمد أبو شهبة - ٢/١٥٧ [دار القلم - دمشق - ط٥ - ١٤١٩هـ/ ١٩٩٩م] .
(٢) انظر الحديث والمحدّثون - محمد محمد أبو زهو - ١٥ [دار الفكر العربيّ بدون بيان عدد الطبعة ولا تاريخها، ويبدو أنها مصوّرة عن الطبعة الأولى - ١٩٧٨هـ - بمصر] .
(٣) وقعت في شوّال سنة ٤ هـ.
[ ٣ ]
والمسلمين على أخذهم الفداء من الأسرى، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٧-٦٨] . وعلى ضوء هذه الثوابت يكون الرأي والاجتهاد منه ﵊ مصيبا لأنّه مسدّد بالوحي فيأخذ حكمه، وتكون الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن الرسول ﷺ "لا يقع فيما يجتهد فيه خطأ أصلا" (١) . خطب عمر بن الخطّاب ﵁ يوما فقال: "يا أيها الناس! إنّ الرأي إنّما كان من رسول الله مصيبا لأنّ الله ﷿ يريه، وإنّما هو منّا الظنّ والتكلّف".
وبذلك يتبيّن لنا أنّ ثبوت الاجتهاد للنبيّ ﷺ لا يتعارض مع ما قرّره العلماء من أنّ اجتهاده وسائر عناصر سنّته من الوحي، اللهم إلا بعض قضايا معيشيّة كتأبير النخل ونحوه ممّا لا يتعلّق بالحلال والحرام والعقائد والمغيّبات، فهذه قد أجاب عنها النبيّ الكريم بنفسه كما هو ثابت في حديث رافع بن خديج الذي رواه مسلم: "إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فأنا بشر" (٢)، فهذه تجارب يعيشها الرسول ﷺ بوصفه بشرا عاديّا كتلك التي يكابدها سائر الناس في حياتهم اليوميّة، فلا صلة لها بالوحي.
وقبل استعراض الأدلّة النقليّة والعقليّة على أنّ السنّة النبويّة وحي، لا بدّ
_________________
(١) انظر فتح الباري ١٣/ ٣٠٥.
(٢) ٤/١٨٣٥ - ١٨٣٦ الحديث عدد ٢٣٦٢.
[ ٤ ]
لنا أن نتعرّف ماهية الوحي؟ وأن نتحدّث عن إمكان حصوله؟ وإمكان اتّصال الله سبحانه بأنبيائه المصطفين من خلاله؟ وموقف أهل الإيمان من هذه الظاهرة؟ وموقف الملاحدة والدهريّين منها؟
[ ٥ ]