ومن ذلك ما أخبر به ﵊ في غزوة الأحزاب في شوّال من السنة ٥هـ أثناء كسره صخرة بيضاء صلدة، وهو يحفر مع المسلمين الخندق: "لقد أضاء الله لي قصور الحيرة ومدائن كسرى، فأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها. . وأضاء لي القصور الحمر من أرض الروم، فأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها. . وأضاء لي قصور صنعاء وأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها" (١) .
لقد أخبر النبيّ ﷺ بهذه الفتوح والمسلمون في حال من العسر والضيق والخوف، حيث تداعت عليهم الأحزاب المشركة من أقطار الجزيرة، وخذلهم المنافقون وتآمر عليهم اليهود فخانوا عهدهم ونقضوا مواثيقهم، وقد صوّر القرآن الكريم هذا الضيق وهذا الابتلاء خير تصوير فقال: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٠-١٢]، وتحقّق ما أخبر به النبي ﷺ ففتحت بلاد كسرى وبلاد هرقل واليمن، لتكون هذه الفتوح المباركة شاهد صدق على أنه لا ينطق عن الهوى وأنّ سنّته وحي يوحى.
_________________
(١) المصدر السابق ٢/٢٧٩.
[ ٣٢ ]
- وسأل الرسول ﷺ ذات يوم أبا طريف عديّ بن حاتم الطائيّ [ت٦٨هـ]: "هل رأيت الحيرة؟ " قال: قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: "فإن طالت بك حياة لترينّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله" [قال عديّ: قلت فيما بيني وبين نفسي: أين دعّار طيئ الذين قد سعّروا البلاد!؟]، "ولئن طالت بك حياة لتفتحنّ كنوز كسرى"، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترينّ الرجل يخرج ملء كفّه من ذهب أو فضّة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه".
ويعدّد عديّ ما تحقّق من هذه النبوّات فيقول: "فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ". ثمّ يقول ﵁ جازمًا واثقًا من صدق ما سمع من رسول الله: "ولئن طالت بكم حياة لترونّ ما قال النبي أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفّه " (١) . وقد تحقّق ذلك في عهد خلافة عمر بن عبد العزيز، فقد أغنى الله الأمة فلم يجد ﵁ من الفقراء والمساكين من يعطيه الزكاة.
_________________
(١) صحيح البخاري - المناقب - باب علامات النبوّة - فتح الباري ٦/٧٠٦ - ٧٠٧ حديث ٣٥٩٥.
[ ٣٣ ]