فقد أخرج أبوداود في سننه من حديث أبي سفيان بن حرب يرفعه إلى النبيّ ﷺ: ". . وإنّه سيخرج في أمّتي أقوام تجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى عرق ولا مفصل إلا دخله" (١)، وقد تمكّنت هذه الأهواء في الكثير من النفوس فجرت فيها مجرى الدم من العروق، وافترقت الأمّة إلى طرائق قدد، وكان الخوارج من أبرز من تنكّب عن الجماعة، فسعّروا الفتن وشغلوا الأمّة بفظاعاتهم واعتداءاتهم، وقد أخبر الرسول ﷺ بخروجهم وبأنّ طائفة من المسلمين على الحقّ تقتلهم، يقول النبيّ ﷺ: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحقّ" (٢) وسئل
_________________
(١) أوّل كتاب السنّة - باب شرح السنّة ٥/٥ - ٦حديث ٤٥٩٧.
(٢) فتح الباري ١٢/٣٠٩ وعزاه ابن حجر لمسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ.
[ ٣٥ ]
﵊ عن سيماهم فقال:
"سيماهم التحليق" (١) . كما سئل: يا رسول الله! هل في هؤلاء القوم علامة؟ قال: "يحلقون رؤوسهم، فيهم ذو الثدية" (٢)، وفي رواية: "آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة" (٣) .
وقد قاتلهم عليّ بن أبي طالب ﵁، وقتلهم، فقال لأصحابه: "اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه فلم يجدوه! فقال: ما كذبت ولا كذبت، اطلبوه، فطلبوه فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى، فإذا رجل على يده مثل سبلات السنّور (٤)، فكبّر عليّ والناس، وأعجبه ذلك" "وفي رواية" قال عليّ: "التمسوا لي العلامة التي قال رسول الله ﷺ فإنّي لم أكذب ولا أكذب، فجيء به فحمد الله وأثنى عليه حين عرف العلامة" (٥) .
وحول صدق ما أخبر به النبيّ ﷺ من هذه الغيبيّات يقول أبو سعيد الخدريّ: "أشهد سمعت من النبيّ ﷺ، وأشهد أنّ عليّا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ" (٦) .
_________________
(١) فتح الباري ١٢/٣٠٩.
(٢) فتح الباري ١٢/٣٠٨.
(٣) صحيح البخاري - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب من ترك قتال الخوارج للتألف. . .
(٤) وفي رواية: "إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليها شعيرات تكون على ذنب اليربوع" - فتح الباري ١٢/٣١١.
(٥) فتح الباري ١٢/٣١١ وقد ساق ابن حجر ﵀ هذه المعلومات أثناء شرحه للحديث ٦٩٣٣، ٦٩٣٤.
(٦) صحيح البخاريّ - استتابة المرتدّين - باب من ترك قتال الخوارج - فتح الباري ١٢/٣٠٣ حديث ٦٩٣٣.
[ ٣٦ ]