إن نزول الوحي على من اصطفاه الله تعالى من البشر؛ بما يريدُه تعالى، وبما يدلُّه عليه، وينزله عليه من أحكام تشريعية، وأخبارٍ بمغيبات، ودلائل، وحججٍ، كلُّ ذلك يدل على أن هذا المصطفى من الخلق إنما هو نبي، أُعلم بذلك من قِبَل الله تعالى، وهو كافٍ في الدلالة على نبوته واصطفائه من قِبَلِ ربه ﷿.
فإذا نزل عليه أمرٌ من الله جل شأنه بتبليغ ما أنزل عليه، فهو رسولٌ، فحصل من هذا: أن كلَّ رسولٍ نبيٌّ، ولا عكس.
وقد يكون النبيُّ المختارُ متعبَّدًا على شريعةِ من سبقه من الأنبياء والرسل
[ ١٢ ]
على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. كما قد يكون في الوقت الواحد أكثرُ من نبيٍّ، ولو في القرية الواحدة، كما قد يكون أكثر من رسول أيضًا.
ولا يشترطُ وجودُ كتابٍ منزل من قبل الله تعالى حتى يعتبر ذلك المصطفى بالوحي رسولًا أو نبيًا، إنما العبرةُ بوجود الوحي، لأنه من المجمع عليه أن الكتب والصحف إنما نزلت على بعض الأنبياء والرسل ﵈، أما أغلب الأنبياء والرسل ﵈ فليس عندهم كتب ولا صحف، إنما ينزل عليهم الوحي بما يريده الله ﷿. ولو كان يُشترط وجودُ الكتاب لصحة النبوة أو الرسالةِ لأُلغِيت نبوةُ كثيرين ورسالتهُم من الرسل والأنبياء ﵈، لعدم وجود ذلك عندهم.
كما لو كان وجودُ الكتاب شرطًا لصحة نبوة كل نبي، لوجب وجودُ الكتب عندهم جميعًا، وهذا خلاف الواقع المجمع عليه، وهو وجودُ بعض الكتب عند بعض الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.
لكن المجمع عليه: هو وجودُ الوحي عند جميعهم ﵈.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣]
فيلاحظ قوله تعالى: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إذ ذكر نوحًا ﵇ لأنه أولُ رسولٍ أُرسل إلى البشرية، ثم ذكر ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ليكون شاملًا مستغرِقًا جميعَ الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة السلام من بعد نوح ﵇.
[ ١٣ ]
وقال الله جل شأنه عن سيد البشر عليه وآله الصلاة والسلام: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]
فالعبرة إذًا: بوجود الوحي، وبه قامت الحجةُ على الناس كلهم، والله تعالى أعلم.
[ ١٤ ]