سوف أقتصر على ذكر بعض الفقرات، كما سأقتصر على ذكر حديث واحد أو اثنين في كل فقرة، إلا ما ورد في الفقرة الأولى فإني سأذكر ستة أحاديث فيها إن شاء الله تعالى، وجميع ما أذكره فهو مما ورد في الصحيحين أو أحدهما، ومن أراد معرفةَ ما في هذه الفقرات السابقة من الأحاديث فلينظر في الأصل (السنة النبوية وحي) مع التنبيه على أني لا أذكر كل مشتقات الكلمة، إنما أذكر واحدة أو اثنتين، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.
[ ٣٦ ]
أ - كل ما ورد بلفظ الوحي:
١- عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: خسفت الشمسُ على عهد رسول الله ﷺ (، فدخلتُ على عائشة وهي تصلي، فقلت: ما شأن الناس يصلون؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلتُ: آية؟ فأشارت برأسها أي نعم، فأطال رسولُ الله ﷺ (القيامَ جدًاّ، حتى تجلاني الغَشْيُ، قالت: فانصرف رسولُ الله ﷺ، وقد تجلَّت الشمسُ، فخطب رسولُ الله ﷺ (الناسَ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد، ما من شيء لم أكن رأيته إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أُوحي إليَّ أنكم تفتنون في القبور، قريبًا - أو مثل - فتنة المسيح الدجال، " الحديث بطوله، متفق عليه (١) .
٢- عن عياض بن حِمارٍ ﵁ قال: قام فينا رسولُ الله ﷺ (ذات يوم خطيبًا، فقال: " وإن الله أَوْحى إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يَبْغي أحدٌ على أحد" الحديث، رواه مسلم (٢) .
٣- وعن يعلى بن أمية ﵁ قال لعمر ﵁: أرني النبيَّ ﷺ (حين يُوحى إليه، قال: فبينما النبيُّ ﷺ (بالجعرانة - ومعه نفر من أصحابه - جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، كيف ترى في رجلٍ أَحْرم بعُمْرَةٍ، وهو متضمِّخٌ بطيبٍ؟ فسكت النبيُّ ﷺ (ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمرُ ﵁ إلى يَعْلى، فجاء يَعْلى- وعلى رسولِ الله ﷺ (ثوبٌ قد أُظِل به
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب العلم: باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الكسوف: باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، رقم (١١) .
(٢) صحيح مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم (٦٤) .
[ ٣٧ ]
- فأَدخل رأسَه، فإذا رسولُ الله ﷺ (محمرُّ الوجهِ، وهو يغطُّ، ثم سُرِّيَ عنه، فقال: " أين الذي سأل عن العمرة؟ " فأُتي برجل، فقال: "اغسل الطِّيبَ الذي بك ثلاثَ مرات، وانزع عنك الجُبَّةَ، واصنع في عمرتك كما تصنعُ في حجتك" متفق عليه، واللفظ للبخاري (١) .
٤- وعن عائشة ﵂ قالت: " ما غرتُ على امرأةٍ لرسول الله ﷺ (كما غرتُ على خديجةَ، لكثرة ذِكرِ رسولِ الله ﷺ (إياها، وثنائِه عليها، وقد أُوحي إلى رسول الله ﷺ أن يبشرها ببيت لها في الجنة، من قصب - زاد في رواية -: "لا صخبَ فيه ولا نصب". متفق عليه، واللفظ للبخاري (٢) .
٥- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرجتْ سودةُ بعدما ضُرب عليها الحجابُ، لتقضي حاجتَها، وكانت امراةً جسيمةً، تَفْرَعُ النساءَ جسمًا، ولا تَخفى على من يعرفها، فرآها عمرُ بن الخطاب، فقال: يا سودة، والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأتْ راجعةً، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عَرْقٌ، فدخلَتْ، فقالت: يا رسول الله إني خرجتُ، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأَوْحى الله إليه، ثم رُفِعَ عنه، وإن العَرْقَ في يده ما وضعه، فقال: "إنه قد أُذِن لكُنَّ أن تَخرجنَ لحاجتِكُن" متفق عليه (٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الحج: باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الحج: باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح، رقم (٦ - ١٠) .
(٢) صحيح البخاري: كتاب النكاح: باب غيرة النساء ووجدهن. وصحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂، رقم (٧٣ - ٧٦) .
(٣) صحيح البخاري: كتاب التفسير: سورة الأحزاب: باب قوله: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام ﴾، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب السلام: باب جواز جعل الإذن رفع حجاب أو نحوه من العلامات، رقم (١٧) .
[ ٣٨ ]
٦- وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: "إنَّ مما أخافُ عليكم من بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" فقال رجل: يا رسول الله، أوَ يأتي الخيرُ بالشرِّ؟ فسكت النبيُّ ﷺ، فقيل له: ما شأنُك تكلم النبيَّ ﷺ ولا يكلمك؟ فرأينا أنه ينزل عليه - وفي رواية للبخاري: يوحى إليه، وسكت الناسُ كأن على رؤوسهم الطير - قال: فمسح عنه الرحضاء،فقال: " أين السائل - وكأنه حمدَه - فقال: إنه لا يأتي الخيرُ بالشر " الحديث، متفق عليه (١) .
ب - كل ما ورد بلفظ الأمر:
فعن عبد الله بن عُمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "أُمرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالَهم، إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله". متفق عليه (٢) .
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: "أُمرتُ أن أسجدَ على سبعةِ أعظم؛ على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكْفتَ الثيابَ والشَّعَرَ". متفق عليه (٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الزكاة: باب الصدقة على اليتامى. وصحيح مسلم: كتاب الزكاة: باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، رقم (١٢١ - ١٢٣) .
(٢) صحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ . وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم (٣٦) ورواه مسلم من حديث عمر وأبي هريرة وجابر رضي الله تعالى عنهم أيضًا.
(٣) صحيح البخاري: كتاب الأذان: باب السجود على الأنف، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الصلاة: باب أعضاء السجود، رقم (٢٢٧ - ٢٣١)
[ ٣٩ ]
ج - كل ما جاء بلفظ الوعد:
فعن عائشة ﵂ قالت: خَسفت الشمسُ، فقام النبي ﷺ، فقرأ سورةً طويلةً، الحديث بطوله في صلاة الخسوف، وفيه ثم قال: " لقد رأيتُ في مقامي هذا كلَّ ما وُعِدتُه حتى لقد رأيتُني أُريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني جعلتُ أتقدَّم، ". الحديث بطوله، متفق عليه (١) .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع عُمر بين مكة والمدينة، ثم أنشأ يحدِّثُنا عن أهل بدر، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدرٍ بالأمس، يقول: "هذا مصرعُ فلان غدًا إن شاء الله". قال: فقال عمر ﵁: فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدودَ التي حدَّ رسول الله ﷺ قال: فجُعلوا في بئر؛ بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال: "يا فلان بنَ فلان، ويا فلان بنَ فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسولُه حقًّا؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني الله حقًّا". رواه مسلم (٢) .
وقد روياه من غير حديثه أيضًا بنحوه.
د - كل ما جاء بلفظ الإعطاء:
فعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة، وأُحِلَّتْ لي الغنائم، ولم تحلَّ لأحد قبلي، وجُعِلَتْ لي الأرضُ طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونُصرتُ بالرعب بين يدَيَّ مسيرةَ شهر، وأُعطيتُ الشفاعة". متفق عليه (٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب العمل في الصلاة: باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة. وصحيح مسلم: كتاب الكسوف: باب صلاة الكسوف، رقم (٣) .
(٢) صحيح مسلم: كتاب الجنة: باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه، رقم (٧٦) .
(٣) صحيح البخاري: كتاب التيمم: الباب الأول. وصحيح مسلم: كتاب المساجد، رقم (٣) .
[ ٤٠ ]
ففي هذا الحديث خمس منح: أُعطيتُ، بُعثتُ، أُحلِّتْ، جُعلَتْ، نُصرتُ.
وعن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ خرج يومًا فصلّى على أهل أُحُدٍ صلاتَه على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: "إني فَرَطٌ لكم، وأنا شهيدٌ عليكم، وإني - والله - لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أُعطيتُ مفاتيحَ خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، " متفق عليه (١) .
هـ- كل ما جاء بلفظ الإذن:
فعن أبي شُريح رضي الله تعالى عنه - في خطابه لعَمْرو بن سعيد - وهو يُجهِّز الجيشَ لغزو مكة أيام ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مكة حرَّمها الله، ولم يُحرِّمها الناسُ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَسفك بها دمًا، ولا يعضدَ بها شجرةً، فإن أحدٌ ترخَّص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أَذن لي فيها ساعةً من نهار، ثم عادت حُرمتُها اليوم كحُرمتِها بالأمس، " متفق عليه (٢) .
وكل ماجاء بلفظ الترخيص:
فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: رَخَّص رسول الله ﷺ في أمرٍ، فتنزَّه عنه ناسٌ من الناس، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فغضب، حتى بان الغضبُ في وجهه، ثم قال: "ما بال أقوام يرغبون عمّا رُخِّص لي فيه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدُّهم له خشية" رواه مسلم (٣) .
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب الجنائز: باب الصلاة على الشهيد، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الفضائل: باب إثبات حوض نبينا (وصفاته، رقم (٣٠، ٣١) .
(٢) صحيح البخاري: كتاب العلم: باب ليبلغ العلمَ الشاهدُ الغائبَ، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الحج: باب تحريم مكة وصيدها، رقم (٤٤٦) .
(٣) صحيح مسلم: كتاب الفضائل: باب علمه (بالله تعالى وشدة خشيته، رقم (١٢٨) .
[ ٤١ ]
ز- كل ما جاء بلفظ النهي:
فعن ابن عباس ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ السِّتارةَ، والناسُ صفوفٌ خلف أبي بكر، فقال: "أيها الناس، إنه لم يبق من مبشِّرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة؛ يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نُهيتُ أن أقرأ القرآنَ راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوعُ فعظِّموا فيه الربَّ ﷿، وأما السجودُ فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يُستجاب لكم" رواه مسلم (١) .
ح - كل ما جاء بلفظ التخيير:
فعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: "عبدٌ خيَّره الله بين أن يُؤتيَه زهرةَ الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده" فبكى أبو بكر، وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال: فكان رسولُ الله ﷺ هو المخيَّرَ، وكان أبو بكر أعلمَنا به. متفق عليه (٢) .
ط - كل ما جاء بلفظ التفضيل:
فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "فُضِّلتُ على الأنبياء بستٍّ؛ أُعطيتُ جوامعَ الكَلِم، ونُصرتُ بالرعب، وأُحلِّتْ لي الغنائمُ، وجُعلت لي الأرضُ طُهورًا ومسجدًا، وأُرسلتُ إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيّون" رواه مسلم (٣) .
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الصلاة: باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، رقم (٢٠٧، ٢٠٨، ٢١٤) .
(٢) صحيح البخاري: كتاب مناقب الأنصار: باب هجرة النبي (وأصحابه إلى المدينة، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، رقم (٢) .
(٣) صحيح مسلم: كتاب المساجد، رقم (٥) وروى البخاري بعضَه.
[ ٤٢ ]
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "فُضِّلنا على الناس بثلاث؛ جُعلت صفوفُنا كصفوف الملائكة، وجُعلت تربتُها طُهورًا إذا لم نجد الماءَ" وذكر خصلة أخرى. رواه مسلم (١) .
ي - كل ما جاء بلفظ الرؤية:
فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ - في قصة صلاة الكسوف -وفيه قوله ﷺ: "ما من شيء لم أكن أُريتُه إلا رأيتُه في مقامي هذا، حتى الجنةَ والنارَ، فأُوحيَ إليَّ أنكم تُفتنون في قبوركم مثلَ - أو قريبًا - من فتنة المسيح الدجال، " الحديث، متفق عليه (٢) .
وعن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: أشرف رسول الله ﷺ على أُطم من آطام المدينة، فقال: "هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقعَ الفتن (تقع) خلال بيوتكم كمواقع القطر" متفق عليه (٣) .
إلى غير ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة، لكني اقتصرت على بعض ما ورد تحت هذه العناوين.
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب المساجد، رقم (٤) .
(٢) صحيح البخاري: كتاب العلم: باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الكسوف: باب ما عرض على النبي (في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، رقم (١١) .
(٣) صحيح البخاري: كتاب فضائل المدينة: باب آطام المدينة، وفي غيرهما. وصحيح مسلم: كتاب الفتن: باب نزول الفتن كمواقع القطر، رقم (٩) .
[ ٤٣ ]