فعن ثوبان رضي الله تعالى عنه - في قصة سؤال الحبر اليهودي لرسول الله ﷺ بعض الأسئلة، وفيه: قال الحبر: جئتُ أسألك عن الولد؟ فقال ﷺ:
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب النكاح: باب حكم العزل، رقم (١٣٣) .
[ ٦٠ ]
"ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا؛ فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا (أي كان الولد ذكرًا) بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا (أي كان الولد أنثى) بإذن الله" قال اليهودي: صدقتَ وإنك لنبيٌّ، ثم انصرف فذهب.
فقال رسول الله ﷺ: "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علمٌ بشيء منه، حتى أتاني الله به" رواه مسلم (١) .
وقد ورد نحو ذلك من حديث عائشة وأنس وأم سلمة ﵃ (٢)
ففي هذه الأحاديث الشريفة - وغيرها - أمور علمية، لم تُعرف إلا في هذا القرن، أو قبله بقليل، ومنها:
أ - إثبات ماءٍ للرجل، وآخر للمرأة، وهذا لم يُعرف إلا مؤخرًا، حيث كانوا يتصورون أن الجنين يُخلق من ماء الرجل لا غير، وبخاصة بعد اكتشاف (لوفنهوك) وتلميذه (هام) النطفة، وكانوا يصورون النطفة على أنها إنسان صغير جدًّا، ينمو في الرحم، حتى يبلغ حجمَه المعروف، دون طروِّ أيِّ تغيير عليه في تركيبه وشكله. واستمر الأمر حتى بعد اكتشاف البويضة، ولم يحسم الأمر إلا في القرن الماضي، حيث اكتشف أهمية النطفة والحُوَيْن في عملية تخلق الجنين (٣) .
ب - التفريق بين ماء الرجل وماء المرأة، والذي لم يعرف إلا مؤخَّرًا،
_________________
(١) صحيح مسلم: كتاب الحيض: باب صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما، رقم (٣٤) .
(٢) انظر: صحيح البخاري: كتاب العلم: باب الحياء في العلم، وكتاب الأنبياء: باب ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ .وكتاب مناقب الأنصار: باب (٥١) حدثنا حامد بن عمر. وصحيح مسلم: كتاب الحيض: باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، رقم (٣٠ - ٣٣) .
(٣) انظر: الطب النبوي والعلم الحديث (٣: ٣٢٨) وعلم الأجنة في القرآن والسنة (٢١) .
[ ٦١ ]
لأن منشأ مائها يكون بانسكاب السائل الجريبي، الذي يأتي مع البويضة من المبيض، ويكون لونه أصفر رقيقًا.
ج - الجنين لا يكون إلا بعد معاشرة الرجل للمرأة جنسيًّا، فهو مخلوق منهما، خلافًا لما كان سائدًا حتى القرن التاسع عشر المسيحي.
د - تعيين جنس الجنين لا يكون إلا بغلبة أحد الماءين، خلافًا لما كان سائدًا حتى القرن التاسع عشر المسيحي - كما ذكرت - ذلك أنهم كانوا يرون أن ما يطرأ على الجنين إنما هو مجرد نمو في الحجم والوزن والشكل، وأنه من ماء الرجل فقط، أو من ماء المرأة فقط - بعد اكتشاف البويضة - ولكنهم اكتشفوا مؤخرًا أنه من الرجل والمرأة معًا، كما نصت عليه هذه الأحاديث.
هـ - تحديد الشبه، ونظام التوارث الخَلْقي، بين الولد وأعمامه، وبين الولد وأخواله، وقد سبق الإسلامُ العلمَ الحديثَ بأكثر من ألف عام في ذلك.
وكل ذلك بأمر الله تعالى وإذنه، وليس بمجرد اللقاء بين الزوجين، والله تعالى أعلم.
[ ٦٢ ]