والبيان المقصود في الآية يشمل نوعين من البيان، هما:
١- بيان لفظه ونظمه، وهو تبليغ القرآن الكريم، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة، كما أنزله الله ﵎. وهو المراد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] . وحديث عائشة في عدم كتمان النبي ﷺ شيئًا في الصحيحين (١) .
٢- بيان معاني القرآن الكريم في الآيات المجملة، أو العامة أو المطلقة؛ فتأتي السنة فتوضح المجمل، وتخصص العام، وتقيد المطلق؛ وذلك يكون بقوله ﷺ، وبفعله، وبتقريره (٢) .
وهذا البيان المطلوب للقرآن الكريم يكون بالسنة النبوية، وكلاهما وحي من عند الله ﷿. قال ابن حزم -مبيِّنًا هذه القضية-: "لما بينَّا أن القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما
_________________
(١) رواه البخاري بلفط: "مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَاللَّهُ يَقُولُ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآيةَ. انظر الصحيح مع فتح الباري: ٨/٢٧٠، كتاب التفسير، باب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة ٦٧)، الحديث رقم ٤٦١٢، واللفظ له، ورواه مسلم ١/١٥٩، كتاب الإيمان، بَاب مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ ﷿ (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) (النجم ١٣)، وَهَلْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ؟ من حديث طويل، رقمه ١٧٧.
(٢) انظر كتاب منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن للألباني ص ٥-٦.
[ ٢٧ ]
أمرنا به رسول الله ﷺ، ووجدناه ﷿ يقول فيه واصفًا لرسوله ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، فصحَّ لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله ﷿ إلى رسوله ﷺ على قسمين:
أحدهما: وحي متلو، مؤلف تأليفًا معجز النظام، وهو القرآن.
والثاني: وحي مروي، منقول غير مؤلف ولا معجز النظام، ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ، وهو المبين عن الله ﷿ مراده منا. قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني، كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق" (١) .
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/١٠٨.
[ ٢٨ ]