معنى الإجماع في اللغة: الاتفاق، وجعل الأمر جميعًا بعد تفرقه، والعزم على الأمر: أجمعت الأمر وعليه، والأمر مجمع (١) . "قال الكسائي: يقال: أجمعت الأمر وعلى الأمر، إذا عزمت عليه؛ والأمر مُجمَعٌ وقال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١]، أي وادعوا شركاءكم؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، إنما يقال: جمعت" (٢) .
وقسم الآمدي معنى الإجماع في اللغة إلى اعتبارين:
أحدهما: العزم على الشيء والتصميم عليه. ومنه يقال: أجمع فلان على كذا، إذا عزم عليه وعلى هذا يصح إطلاق اسم الإجماع على عزم الواحد (٣) .
والثاني: الاتفاق؛ ومنه يقال: أجمع القوم على كذا؛ إذا اتفقوا عليه. وعلى هذا فاتفاق كل طائفةٍ على أمرٍ من الأمور، دينيًا كان أو دنيويًا، يسمى إجماعًا حتى اتفاق اليهود والنصارى" (٤) .
_________________
(١) انظر القاموس المحيط ٣/١٥، مادة (جمع) .
(٢) الصحاح للجوهري ٣/١١٩٩. ومراد الجوهري أن معنى الآية: أجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم، وليس المراد "وأجمعوا شركاءكم"؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، وإنما يقال: جمعت شركائي.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام ١/١٧٩. وأشار إلى الآية المذكورة قبله. وإلى حديث:"لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" أي يعزم.
(٤) الإحكام في أصول الأحكام ١/١٧٩.
[ ١٧ ]
ومعنى الإجماع اصطلاحًا: "اتفاق أمة محمد ﷺ خاصة على أمر من الأمور الدينية" (١) .
وعرفه الآمدي بقوله: "الإجماع عبارة عن اتفاق جملة من أهل الحل والعقد من أمة محمد في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع. هذا إن قلنا: إن العامِّيَّ لا يعتبر في الإجماع. وإلا فالواجب أن يقال: الإجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد "إلخ (٢) . وقال الباجي: الإجماع هو: "إجماع علماء العصر في حكم حادثة لم يتقدم فيها خلاف" (٣) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "معنى الإجماع: أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام. وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكنْ كثير من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعًا، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة" (٤) .
وبهذا يتضح أن الإجماع يعد مُلْزِمًا ويجب العمل به. ولكن بعض المؤلفين قد يتساهلون في إطلاق الإجماع على مسائل فيها خلاف، لذلك نبه شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا الأمر، كما سبق في كلامه.
_________________
(١) المستصفى من علم الأصول ٢/٢٩٤.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام ١/١٨٠، قال هذا التعريف جمعًا بين الأقوال التي ذكرها.
(٣) كتاب الحدود في الأصول ص ٦٤.
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٢٠/١٠، ثم بيَّن أن قول الأئمة الأربعة ليس حجة لازمة ولا إجماعًا.
[ ١٨ ]
كيف نشأ الإجماع؟
كان الصحابة ملتفين حول الرسول ﷺ، يتعلمون منه، ويلازمونه في أموره كلها، وشاهدوا الوقائع والحوادث، وعايشوا التنزيل، ولذلك فهم أعرف الناس بمعاني آيات القرآن الكريم، ونصوص السنة؛ وإضافة إلى ذلك فقد هيأهم الله - ﷾- لأن يهتدوا بهدي النبي ﷺ، ويقتفوا أثره، وفضلهم على من بعدهم بشرف الصحبة. قال الرسول ﷺ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ " (١) . ثم بعد وفاة الرسول ﷺ، كانوا إذا حدثت لهم قضية، تشاوروا فيها، وبحثوا عن دليل عند أحدٍ منهم، فإن لم يجدوا اجتهدوا في الوصول إلى رأي واحد. فإذا استطاعوا أن يجتمعوا على رأي واحد في القضية فعلوا؛ فكان ذلك أساسًا للعمل بالإجماع، والاحتجاج به. وقد دل القرآن والسنة على العمل بإجماعهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، وبهذا يتضح مدى اعتماد هذا المصدر على المصدرين الرئيسين الكتاب والسنة؛"فإن إجماعهم يرجع لنفس النص، أو أنه يكشف عن دليل سمعوه من الرسول ﷺ، ولاستحالة اجتماعهم على خطأ أصلًا" (٢)؛ لقول النبي ﷺ: " لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه، ١/٦٩-٧٠، كتاب الإيمان، بَاب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ الإيمان وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ، الحديث رقم ٥٠.
(٢) أسباب اختلاف الفقهاء/للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ص ١٠٢.
[ ١٩ ]
يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" (١) . واستدل العلماء بذلك على العمل بالإجماع، قال النووي: "وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِكَوْنِ الإجماع حُجَّة، وَهُوَ أَصَحّ مَا اسْتُدِلَّ بِهِ لَهُ مِن الْحَدِيث، وَأَمَّا حَدِيث " لا تَجْتَمِع أُمَّتِي عَلَى ضَلالة " فَضَعِيف. وَاللَّهُ أَعْلَم" (٢) .
وقد بَيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- هذه الأصول الثلاثة، الكتاب والسنة والإجماع، وأنها مصادر صحيحة لمعرفة الحق، وتمييزه من الباطل؛ حيث قال: "إن الحق الذي لا باطل فيه: هو ما جاءت به الرسل عن الله، وذلك في حقنا يعرف: بالكتاب والسنة والإجماع. وأما ما لم تجئ به الرسل عن الله، أو جاءت به، ولكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به؛ ففيه الحق والباطل؛ فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع: للكتاب والسنة والإجماع؛ فإن هذا حق لا باطل فيه، واجب الاتباع، لا يجوز تركه بحال، عام الوجوب، لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه هذه الأصول، وليس لأحد الخروج عن شيء مما دلت عليه. وهي مبنية على أصلين: أحدهما: أن هذا جاء به الرسول. والثاني: أن ما جاء به الرسول وجب اتباعه" (٣) .
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه ٣/١٥٢٣، كتاب الإمارة، بَاب قَوْلِهِ ﷺ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ"، الحديث رقم ١٩٢٠.
(٢) شرح النووي لمسلم ١٣/٦٧. والحديث رواه أبو داود ٤/٤٥٢، في كتاب الفتن، باب الفتن ودلائلها. الحديث رقم ٤٢٥٣، وابن ماجه ٢/١٣٠٣، في كتاب الفتن، باب السواد الأعظم. الحديث رقم ٣٩٥٠، وأحمد في مسنده ٤٥/٢٠٠، ورقم الحديث ٢٧٢٢٤. وقال عنه المحقق: "صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف؛ لإيهام الراوي عن أبي بصرة وبقية رجال السند ثقات، رجال الصحيح" وذكر له شواهد كثيرة. وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٣٢٠.
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١٩/٥-٦.
[ ٢٠ ]
مستند الإجماع:
لابد أن يستند الإجماع إلى دليل؛ لأن القول في الأمور الشرعية من غير دليل خطأ، والأمة الإسلامية لا تجتمع على خطأ فلابد إذن أن يكون إجماع المجتهدين عن دليل لئلا تجتمع الأمة على خطأ؛ لأن غير المجتهدين تبع للمجتهدين، فإذا وقع المجتهدون في الخطأ وقعت الأمة في الخطأ، واجتماعها على الخطأ منفي عنها بنص الأحاديث. ومستند الإجماع، أي دليله قد يكون نصًا من الكتاب والسنة، كما قد يكون قياسًا، أو عرفًا، أو غير ذلك من أنواع الاجتهاد" (١) .
الإجماع في العصر الحاضر:
هل يمكن الاستفادة من هذا المصدر في عصرنا الحاضر؟ وكيف يمكن ذلك؟ أجاب الدكتور عبد الكريم زيدان عن هذا السؤال بالإيجاب، وَبيَّنَ كيفية الاستفادة من ذلك فقال: "ونعتقد أن هذه الاستفادة لا يمكن أن تتم إلا عن طريق إيجاد مجمع فقهي يضم جميع المجتهدين من جميع الأقطار الإسلامية، ويكون لهذا المجمع مكان معين، ويهيأ (٢) له جميع ما يلزم لعمله، وتعرض عليه المسائل والوقائع الجديدة لدراستها وإيجاد الأحكام لها، ثم تنشر هذه الأحكام في نشرات دورية أو كتب خاصة لإطلاع الناس عليها، وإبداء أولي العلم آراءهم فيها. فإذا ما اتفقت الآراء على هذه الأحكام كانت من الأحكام المجمع عليها، وكان هذا الإجماع قريبًا من الإجماع المنصوص عليه عند الفقهاء، ولزم اتباعه، والعمل بموجبه" (٣) .
_________________
(١) المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية/ لعبد الكريم زيدان ص ١٩٦.
(٢) في الأصل "ويهيء" ولا تستقيم العبارة.
(٣) المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص ١٩٨.
[ ٢١ ]