بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، منزلة القرآن الكريم، والسنة النبوية، من حيث ثبوتهما، مبينًا ما امتاز به القرآن على السنة، دون أن يكون في ذلك طعن في السنة، أو في الاحتجاج بها، وَبَيَّنَ أن الله قد تكفل بحفظ معاني القرآن، وحفظ السنة؛ بما أقامه لحفظهما من العلماء الجهابذة النقاد؛ فقال: "ولما كان القرآن متميزًا بنفسه-لما خصه الله من الإعجاز الذي باين به كلام الناس قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، وكان منقولًا بالتواتر؛ لم يطمع أحد في تغيير شيء من ألفاظه وحروفه؛ ولكن طمع الشيطان أن يدخل التحريف والتبديل في معانيه بالتغيير والتأويل، وطمع أن يدخل الأحاديث من النقص والازدياد ما يضل به بعض العباد" (١) . ثم بَيَّنَ أن ذلك لم يضرَّ القرآن ولا السنة، بحفظ الله لهما؛ فقال: "فأقام الله الجهابذة النقاد، أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان، وانْتَدَبُوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة والنقصان" (٢) .
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١/٧.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١/٧.
[ ٣٠ ]
ومن خلال هذا البيان نعلم أن القرآن والسنة في منزلة واحدة؛ من حيث حفظهما عن التبديل أو التحريف لمعانيهما؛ ومن ثَمّ فإن منزلتهما ومكانتهما في مرتبة واحدة؛ من حيث إن كلًا منهما يحتج به؛ لأنه وحي.
قال عجاج الخطيب:"السنة من حيث وجوب العمل بها، ومن حيث إنها وحي: هي بمنزلة القرآن الكريم. وإنما تلي القرآن بالمرتبة من حيث الاعتبار؛ لأنه مقطوع به جملة وتفصيلًا، والسنة مقطوع بها على الجملة لا على التفصيل؛ ولأنه هو الأصل، وهي الفرع؛ لأنها شارحة ومبينة له، ولا شك في أن الأصل مقدم على الفرع، والبيان مؤخر عن المبين. وقد دل على ذلك حديث معاذ بن جبل حين بعثه الرسول ﷺ قاضيًا إلى اليمن" (١) .
_________________
(١) أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ٣٦-٣٧. والحديث ضعيف، فيه علل ثلاث: ١-أنه مرسل عن معاذ، ٢-جهالة أصحاب معاذ، ٣- جهالة الحارث بن عمرو. انظر كتاب: سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم ٨٨١، ٢/٢٧٣-٢٨٦، وذكر محقق مسند أحمد العلتين الأخيرتين انظر المسند ٣٦/٣٣٣، الحاشية رقم ٢. وبيَّن الألباني في كتابه: منزلة السنة في الإسلام وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن ص ١٦ أن معنى حديث معاذ صحيح في التفريق بين الرأي والنص، وخطأ في التفريق بين السنة والقرآن؛ فما وجد في القرآن يبحث عنه أيضًا في السنة.
[ ٣١ ]