القياس لغة: مأخوذ من "قاسه بغيره وعليه: يقيسه قيسًا وقياسًا، واقتاسه: قَدَّره على مثاله فانقاس" (١) . "وقايست بين الأمرين مقايسةً وقياسًا. ويقال أيضًا: قايست فلانًا، إذا جاريته في القياس. وهو يقتاس الشيء بغيره، أي يقيسه به. ويقتاس بأبيه اقتياسًا: أي يسلك سبيله ويقتدي به" (٢) .
أو يمكن أن يقال: القياس في اللغة يدور حول التقدير والمساواة (٣) .
وأما في الشرع: القياس: حمل معلوم على معلوم، في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، بأمرٍ يجمع بينهما، من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما" (٤) .
ويمكن تعريفه بأنه: "حمل فرع على أصل في حكم بجامعٍ بينهما" (٥) .
والقياس له أهمية كبيرة في الشريعة الإسلامية؛ حيث إن نصوص الكتاب والسنة محصورة، والقضايا التي تحتاجها الأمة غير محصورة؛ بل متجددة وغير متناهية. قال الجويني مبينًا أهميته في الدين: "القياس مناط الاجتهاد، وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه، وأساليب الشريعة، وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع، مع انتفاء الغاية والنهاية؛ فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة مقصورة، ومواقع الإجماع معدودة مأثورة، فما ينقل منهما تواترًا،
_________________
(١) القاموس المحيط ٢/٢٥٣، وانظر الصحاح للجوهري ٣/٩٦٧.
(٢) الصحاح للجوهري ٣/٩٦٧-٩٦٨.
(٣) انظر الإحكام في أصول الأحكام ٣/١٦٧، وأصول مذهب الإمام أحمد ص ٥٤٩.
(٤) البرهان في أصول الفقه للجويني ٢/٧٤٥.
(٥) روضة الناظر وجنة المناظر ص ١٤٥.
[ ٢٢ ]
فهو المستنِد إلى القطع وهو معوز قليل، وما ينقله الآحاد عن علماء الأعصار ينزل منزلة أخبار الآحاد، وهي على الجملة متناهية، ونحن نعلم قطعًا أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها. والرأي المبتوت المقطوع به عندنا: أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى، متلقى من قاعدة الشرع، والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس، وما يتعلق به من وجوه النظر والاستدلال فهو إذن أحق الأصول باعتناء الطالب، ومن عرف مأخذه وتقاسيمه، وصحيحه وفاسده، وما يصح من الاعتراضات عليها، وما يفسد منها، وأحاط بمراتبه جلاءً وخفاءً، وعرف مجاريها ومواقعها، فقد احتوى على مجامع الفقه" (١) .
وفي الحقيقة: يعدُّ القياس من أعظم مميزات هذا الدين، يوضح ذلك صاحب كتاب إثبات القياس بقوله: "والقياس مظهر من أعظم مظاهر شمول الشريعة وعمومها، وأبرز سمات بقائها ودوامها، فبالقياس ترد الأحكام التي يجتهد فيها المجتهد إلى الكتاب والسنة؛ لأن الحكم الشرعي يكون نصًا أو حملًا على نصٍ بطريق القياس" (٢) .
حجية القياس:
القياس حجة عند الصحابة وجمهور علماء السلف والخلف.
قال الغزالي: "والذي ذهب إليه الصحابة ﵃ بأجمعهم، وجماهير الفقهاء والمتكلمين بعدهم ﵏، وقوع التعبد به شرعًا" (٣) .
_________________
(١) البرهان في أصول الفقه ٢/٧٤٣-٧٤٤.
(٢) كتاب إثبات القياس في الشريعة والرد على منكريه، لعبد القادر شيبة الحمد ص ٣.
(٣) المستصفى ٣/٤٩٤.
[ ٢٣ ]
وقال الجويني: "ذهب علماء الشريعة، وأهل الحل والعقد إلى أن التعبد بالقياس في مجال الظنون جائز غير ممتنع" (١)، ثم قال: "نحن نعلم قطعًا أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم، تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عد، ولا يحويها حد؛ فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سنة، والوقائع تترى" (٢) .
وقال شيبة الحمد: "ذهب عامة الفقهاء والمتكلمين من سلف الأمة وخلفها إلى أن القياس حجة شرعية، وأصل من أصول الفقه في الشريعة الإسلامية، مستدلين بكتاب الله -تعالى-، وسنة رسوله ﷺ، وإجماع الصحابة ﵃، والفطرة والعقل" (٣) .
_________________
(١) البرهان ٢/٧٥٣.
(٢) البرهان ٢/٧٦٤-٧٦٥.
(٣) كتاب إثبات القياس في الشريعة والرد على منكريه ص ١٥.
[ ٢٤ ]