ولكن السنة مرت في مفهومها في القرون الأولى بمراحل:
أولًا: إطلاقها على الشريعة كلها
حيث إن الشريعة كلها هي طريقة الرسول ﷺ، كما ورد هذا المعنى في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦]، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها" (٤) .
ثانيًا: إطلاقها على العقيدة عند أهل السنة والجماعة
بعد ظهور الفرق المبتدعة، أُلِّفت الكتب باسم السنة لبيان منهج العقيدة
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٢/٢٣٣.
[ ١٠ ]
الذي يميز ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه عن غيرهم، ولهذا أطلق عليهم اسم أهل السنة والجماعة. وقد أُلِّفت الكتب باسم السنة لبيان أصول الدين ومسائل الاعتقاد، وساد هذا الاصطلاح في القرن الثالث الهجري. ومن الكتب التي أُلِّفت في ذلك: السنة للإمام أحمد، وصريح السنة لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، والسنة لابن أبي عاصم الضحاك، وكتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي وغيرهم (١) . ولذا عرَّف علماء العقيدة السنة بأن المراد بها: "الطريقة التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه قبل ظهور البدع والمقالات" (٢) . وعرفها ناصر العقل -من الجانب العقدي- بقوله: "الهدي الذي كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، علمًا واعتقادًا وقولًا وعملًا، وهي السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها" (٣) .
ثالثًا: ورد التفريق بين السنة والحديث عند بعض المتقدمين في القرن الثاني الهجري
فقد ورد ذلك عن الأعمش حيث قال: "لا أعلم لِله قومًا أفضل من قوم يطلبون هذا الحديث، ويحبون السنة" (٤)، وأوضح منه في هذا المعنى قول عبد الرحمن بن مهدي: "الناس على وجوه؛ فمنهم من هو إمام في السنة،
_________________
(١) انظر تفصيل أسماء الكتب التي ألفت في ذلك: كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم للالكائي ص ٥٠ من مقدمة المحقق، وكتاب مفهوم أهل السنة والجماعة عند أهل السنة والجماعة ص ٤٤.
(٢) شرح العقيدة الواسطية ص ١٥-١٦.
(٣) مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة ص ١٣.
(٤) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي ص ١٧٧،
[ ١١ ]
وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث وليس بإمام في السنة" (١) .
وربما كان أساس التفريق هو أنهم كانوا ينظرون إلى أن "الحديث أمر علمي نظري، وأن السنة أمر عملي (٢)؛ إذ إنها كانت تعتبر المثل الأعلى للسلوك في كل أمور الدين والدنيا، وكان هذا سبب الاجتهاد في البحث عنها والاعتناء بحفظها والاقتداء بها" (٣) . قال الدكتور رفعت فوزي: "وربما كان الأساس هو أن بعضهم كان ينظر إلى السنة على أنها أعم من فعل الرسول ﷺ وقوله وتقريره، وتشمل أفعال الصحابة والتابعين" (٤) .
رابعًا: استقر الأمر على المساواة بين السنة والحديث في المعنى
بعد كتابة علم مصطلح الحديث، استقر الأمر على عدم التفريق بين السنة والحديث في المعنى؛ كما سبق أن بينته.
_________________
(١) كتاب الجرح والتعديل للرازي ص ١١٨.
(٢) وربما كان وجه تفريق السلف بين الإمامة في الحديث والإمامة في السنة ما ذكره ابن الصلاح في فتاواه (١/٢١٣) بتحقيق عبد المعطي قلعجي، حينما سئل عن قول بعضهم عن الإمام مالك: إنه جمع بين السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟ فأجاب: بأن السنة هاهنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك رحمة الله عليه جمع السنتين فكان عالمًا بالسنة أي الحديث، ومعتقدًا للسنة، أي كان على مذهب أهل الحق من غير بدعة، والله أعلم. (اللجنة العلمية) .
(٣) الاتجاهات الفقهية ص ١٦.
(٤) توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته ص ٢٠.
[ ١٢ ]