المبحث الأول: مكانة السنة من حيث حجيتها
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: ثبوت حجية السنة بأدلة القرآن الكريم.
المطلب الثاني: ثبوت حجية السنة بالأحاديث النبوية.
المطلب الثالث: ثبوت حجية السنة بإجماع الأمة.
المطلب الرابع: ثبوت حجية السنة بالدليل العقلي.
[ ٦ ]
المبحث الأول: مكانة السنة من حيث حجيتها
السنة النبوية مصدر أصيل من مصادر التشريع الإسلامي وقد قامت الأدلة المعتبرة الصحيحة الصريحة من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وإجماع الأمة، وكذلك الأدلة العقلية، على إثبات حجيتها، ومكانتها في التشريع الإسلامي، وسوف نلخص إثبات حجيتها في مطالب هذا المبحث.
المطلب الأول: إثبات حجية السنة النبوية بأدلة القرآن الكريم
فَرَض القرآن الكريم على المسلمين بأدلة قاطعة وجوبَ قبولِ سنة النبي ﷺ على أنها مصدر تشريعي في استنباط الأحكام الشرعية، وفي هذا الصدد يقول الإمام الشافعي: "الكتاب شهد للسنة بالاعتبار" (١) .
وقد نهجت الآيات القرآنية مناهج شتى في بيان حجية السنة النبوية، وتعددت فيها وسائل تؤكد على اتباعه وطاعته ﷺ،كما تعددت فيها عبارات الوعيد والإنذار والترهيب من مخالفته والخروج عن مقتضى أوامره، وعدم الاستسلام لأحكامه (٢) ولعل أبرز هذه الوسائل هي:
_________________
(١) الموافقات في أصول الشريعة والأحكام (٤/١٠) مطبعة: محمد علي صبيح وأولاده - القاهرة.
(٢) انظر: مكانة السنة في التشريع الإسلامي د. محمد لقمان السلفي (ص ٤٥) دار الراعي – الهند، ط. الثانية ١٤٢٠؟.
[ ٧ ]
أولًا: آيات قرآنية تثبت أنه ﷺ يبلِّغ عن الله تعالى: ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤]، وقد علق القاضي أبو البقاء على هذه الآية بقوله: إن القرآن والحديثَ يتَّحِدان في كونهما وحيًا منزلًا بدليل الآية السابقة. (١)
أما الإمام ابن حزم فيؤكد ذلك قائلًا: "صح لنا بالآية السابقة أن الوحي ينقسم من الله ﷿ إلى رسول الله ﷺ على قسمين:
أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفًا معجز النظام وهو القرآن.
الثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف، ولا معجز، ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ، وهو المبين عن الله ﷿ مراده هنا". (٢)
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] .
فأثبت ﷾ في هذه الآية وغيرها من الآيات (٣)، إنزال الكتاب والحكمة على رسول الله ﷺ، وقد أكد سلف هذه الأمة أن الكتاب غير الحكمة، وأن المقصود بالكتاب: هو القرآن. والحكمة هي: السنة (٤) .
_________________
(١) انظر: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث للعلامة القاسمي (ص ٥٩) تحقيق: محمد البيطار، ط. عيسى البابي الحلبي وشركاه.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام للعلامة ابن حزم الأندلسي (ص٨٧) ط. الإمام - القاهرة.
(٣) انظر الآيات في سورة البقرة الآية ١٢٩، ١٥١، آل عمران: الآية ١٦٤، الأحزاب الآية ٣٤، الجمعة: الآية ٢.
(٤) انظر جامع بيان العلم لابن عبد البر (١/١٧) المكتبة العلمية - المدينة المنورة، وانظر: كتاب الأم للإمام الشافعي (٧/٢٧١) نشر مكتبة الكليات الأزهرية، والرسالة للإمام الشافعي (ص ٧٨) ط. المطبعة السلفية- مصر.
[ ٨ ]
وبهذا نعلم أن بيان الرسول ﷺ والجزء الذي تكامل به الدين مع القرآن الكريم كان وحيًا من عند الله (١) وإذا ثبت أنه وحي من عند الله، فهو إذًا حجة قاطعة في التشريع الإسلامي.
ثانيا: آيات قرآنية تأمر بالإيمان برسالته ﷺ على أنحاء متعددة منها:
١ - أمر إلهي بالإيمان بالرسول ﷺ مقرونًا بالإيمان بالله تعالى، ومن أمثلة هذه الصورة قوله ﷾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
٢ - أمر إلهي بالإيمان بالرسول ﷺ ضمنًا مع رسالات الرسل السابقين، ومن أمثلة هذه الصورة قول الله تعالى ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] .
فاقتران الأمر بالإيمان على الوجوه السابقة يقتضي وجوب الاتباع، وهذا يعني حجية السنة في التشريع كما أكد ذلك الإمام الشافعي بقوله:
_________________
(١) انظر: مكانة السنة في التشريع د. محمد لقمان السلفي (ص٦٢) .
[ ٩ ]
إن الله جعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له، الإيمان بالله ثم برسوله ﷺ، فلو آمن عبد به ولم يؤمن برسوله، لم يقع عليه اسم كمال الإيمان ابتداءً حتى يؤمن برسوله معه. ففرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله ﷺ (١) .
ثالثًا: آيات قرآنية تأمر بطاعته ﷺ وهذا الأمر جاء بصور متعددة منها:
١ - الأمر بطاعته ﷺ مقرونة بطاعة الله تعالى ومن أمثلة هذه الصورة: قول الله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .
فالملاحظ في هذه الآية، وغيرها من الآيات (٢) اقتران طاعة الرسول ﵊، بطاعته تعالى بواو العطف، ومعلوم عند علماء اللغة أن العطف بالواو يفيد مطلق الاشتراك، وهذا يعني أن طاعة الرسول ﷺ مأمور بها كطاعة الله تعالى.
وأحيانًا يأتي هذا الأمر مكررًا بواو العطف مع إعادة الأمر بالطاعة، ومن أمثلة هذه الصورة (٣) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] .
_________________
(١) انظر الرسالة للإمام الشافعي (ص ٧٣، ٧٦) بتصرف.
(٢) وللاستزادة انظر الآيات في سورة: آل عمران ١٣٢، والنساء: الآية ٦٩، والأحزاب: الآية ٣٦، ٧١.
(٣) وللاستزادة انظر: سورة المائدة الآية ٩٢.
[ ١٠ ]
إن تكرار العامل (أطيعوا) مع حرف الواو يفيد عموم تأكيد وجوب طاعته ﷺ فيما استقل به من التشريع، كما أكد ذلك الإمام الشاطبي حين قال: "وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول ﷺ بطاعة الله، دالٌ على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه، وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن، إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله". (١)
٢ - الأمر بطاعته ﷺ ضمنًا مع طاعة الرسل السابقين: ومن أمثلة هذه الصورة (٢) قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: الآية ٦٤] .
ومعلوم بالضرورة أنه ﷺ أحد الرسل، وبالتالي هو داخل في حكم الطاعة المقررة للرسل عامة، بل إن طاعته آكدُ وأشد لزومًا؛ لأن شريعته عامة، ورسالته خاتمة الرسالات (٣)، فإذا ثبت هذا كانت سنته حجة وتشريعًا واجبًا إلى قيام الساعة.
٣ - الأمر بطاعته ﷺ استقلالًا: وقد سلك القرآن الكريم مسالك عدة ومتنوعة في بيان هذه الصورة، وبدلالات مختلفة، من ذلك:
أ) ما جاء من الأمر بطاعته صراحة ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا
_________________
(١) الموافقات في أصول الشريعة (٤/١٠) .
(٢) وللاستزادة انظر: سورة الأنعام الآية ٤٨.
(٣) انظر: مكانة السنة في التشريع الإسلامي / د. محمد لقمان السلفي (ص ٣٩) .
[ ١١ ]
الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] .وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقد علق الحافظ ابن كثير على هذه الآية بقوله: يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله (١) وفي هذا إشارة إلى حجية السنة النبوية؛ لأن طاعة الرسول ﷺ لا تتحقق إلا إذا عمل بقوله واقتدى بفعله (٢) .
ب) الأمر باتباعه، في قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فالله ﷾ لم يأمر باتباعه -في هذه الآية الأخيرة-، بل جعل ذلك الاتباع من لوازم محبته، وبهذا يثبت أن من لم يتبع السنة النبوية، ولم ير العمل بها واجبًا، فهو في دعوى محبته لله تعالى كاذبٌ، ومن كان في هذه الدعوى كاذبًا، فهو في دعوى إيمانه بالله تعالىكاذب بلا مرية (٣) .
ج) ومما جاء في الأمر بطاعته بطريق الدلالة، قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]؛ ذلك لأن
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم / للحافظ ابن كثير (١/٥٢٨) ط. عيسى البابي الحلبي وشركاه.
(٢) انظر: مكانة السنة في التشريع الإسلامي (ص ٤٩) .
(٣) انظر مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري (ص ٧) المكتبة السلفية، ط. الثانية. المدينة المنورة.
[ ١٢ ]
الحكم في الظاهر يعني الانقياد في الباطن، وهذه هي الطاعة والتسليم (١) المطلوبان لحجية السنة النبوية بطريقة غير مباشرة.
ومن هذا أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] يقول الإمام ابن القيم: «فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا معه ﷺ إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه، وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه، وهذا من تمام الطاعة التي تؤكد حجية السنة النبوية (٢) بطريقة غير مباشرة» .
د) ما جاء في الأمر بطاعته بطريق التحذير من المخالفة قوله تعالى:
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فإذا حذر ﷾ من مخالفته ﷺ، فهذا يوجب طاعته، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية ٧] .
فإذا حذرسبحانه وتعالى نهى عن مخالفته فهذا يوجب الإيمان به (٣) وطاعته، وهذا تأكيد لحجية السنة النبوية.
رابعا: آية قرآنية تؤكد تكفُّلَ الله تعالى بحفظ السنة النبوية، ومما
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم/ للحافظ ابن كثير (١/١٢٠) .
(٢) انظر: إعلام الموقعين / للإمام ابن القيم (١/٥٨) المكتبة التجارية - مصر.
(٣) انظر: الموافقات في أصول الشريعة / للإمام الشاطبي (٤/١٠)
[ ١٣ ]
يدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّانَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الحجر: ٩] . والمقصود بالذكر هو: القرآن والسنة، كما أخبر بذلك غير واحد من السلف (١)، وكل ما تكفَّل الله بحفظه هو مضمون من الزيغ، والتحريف، وكل ما ثبت سلامته حجة للعمل والاستنباط.
_________________
(١) انظر: تدريب الراوي / للإمام السيوطي (ص ١٠٢) دار إحياء السنة النبوية، ط. الثانية ١٣٩٩؟ والإحكام في أصول الأحكام (ص ١٠٩)، المقصود بالذكر في الآية القرآن الكريم، ويلزم من حفظ القرآن حفظ السنة لأنها بيان له.
[ ١٤ ]