المبحث الرابع: مكانة السنة من حيث العمل بها.
وفيه مطلبان
المطلب الأول: ما صدر عنه ﷺ قبل البعثة.
المطلب الثاني: ما صدر عنه ﷺ بعد البعثة.
وفيه أربعة أقسام:
القسم الأول: ما صدر عنه ﷺ قولًا.
القسم الثاني: ما صدر عنه ﷺ فعلًا.
القسم الثالث: ما صدر عن النبي ﷺ تقريرًا.
القسم الرابع: ما صدر عنه ﷺ اجتهادًا.
[ ٤٠ ]
المبحث الرابع: مكانة السنة من حيث العمل بها
بعد أن أثبتنا بالأدلة القاطعة من القرآن، والحديث، والإجماع، والمعقول، حجية السنة ومنزلتها وبيانها للأحكام التشريعية يأتي السؤال المهم هل كل ما صدر من الرسول ﷺ يعد تشريعًا؟
قبل أن نجيب عن هذا ينبغي أن نشير إلى نقطة مهمة في حياته ﷺ، فكلنا يعرف أنه ﷺ عاش حياتين مختلفتين قبل البعثة وبعدها، وترتب عليهما وجود التشريع وعدمه، لهذا سنتناول الموضوع من هذين الجانبين الأساسين في مطلبين مختلفين:
المطلب الأول: ما صدر عن الرسول ﷺ قبل البعثة.
المطلب الثاني: ما صدر عن الرسول ﷺ بعد البعثة.
[ ٤١ ]
المطلب الأول: ما صدر عنه ﷺ قبل البعثة
عاش محمد ﷺ طفولته وشبابه قبل البعثة، لكنها لم تكن حياة عادية كحياة كل الأطفال والشباب في ذلك الحين؛ لأنها حياة تميزت بالمثالية التامة، فكان طرازًا رفيعًا في الفطرة الصافية، والفكر الصائب، والفطنة الأصيلة، فعايش الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجده حسنًا شارك فيه، وإلا التزم عزلته وصمته، لهذا عرف في قومه بالخلال العذبة، والأخلاق الفاضلة، والشمائل الكريمة، فكان لا يشرب خمرًا، ولا يعبد وثنًا، وكان أصدقهم حديثًا، وأفضلهم مروءة، وأعظمهم حلمًا، وأوفاهم عهدًا وآمنهم أمانة يحمل الكَلَّ، ويكسب المعدوم، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق (١) . كيف لا يكون كذلك والله سبحانه هو الذي تولاه بالرعاية (٢) والحفظ (٣)؟
فالرسول ﷺ رغم أنه جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من أخلاق وسلوك إلا أن سيرته في هذه الفترة لا تصح أن تكون مصدرًا للتشريع، وذلك لأنه لم يُكَرَّم بنزول جبريل ﵇ بآيات القرآن، ولم يعصم بالنبوة بعد.
_________________
(١) انظر: صحيح الإمام البخاري (٣) كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، وصحيح مسلم (١٦٠) كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ. والسيرة النبوية لابن هشام (١/١٢٨)، والرحيق المختوم للمباركفوري (ص ٦٢-٦٤) .
(٢) انظر على سبيل المثال: معجزة شق صدره ﷺ وإخراج حظ الشيطان منه، في صحيح الإمام مسلم (١٦٢) كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ. وحديث حفظه من التعري في صحيح الإمام البخاري (٣٦٤) كتاب الصلاة، باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها، وصحيح الإمام مسلم (٣٤٠) في كتاب الحيض، باب الاعتناء بحفظ العورة.
(٣) انظر إلى حديث نومه لما هم بمشاركة الشباب سمرهم (انظر المستدرك على الصحيحين (٤/٢٥٤) وصحيح ابن حبان (٦٢٧٢) .
[ ٤٢ ]