المطلب الثالث: إثبات حجية السنة بالإجماع
أجمع المسلمون من عهد رسول الله ﷺ إلى الآن على حجية السنة، وعدِّها مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي، ولم يخالف في ذلك إلا من
[ ١٧ ]
اتبع سبيل غير المؤمنين. وقد نقل هذا الإجماع جمع كثير من أهل العلم المحققين (١)، فعلى سبيل المثال يقول العلامة القاسمي: «انتهى العلماء المحققون إلى أن الحديث الصحيح حجة على جميع الأمة، وأيدوا رأيهم هذا بالآيات القرآنية التي تفرض على المؤمنين اتباع الرسول ﵇، والتسليم لحكمه، ورأوا مَنْ يحكي خلاف هذا المذهب غيرَ خليقٍ بالانتساب إلى العلم وأهله، وإن نسب نفسه أو نَسَبَتْه العامة إلى سعة المعرفة والتفقه في الدين» (٢) .
ويحسن بنا أن ننقل هذا الإجماع مفصلًا عن الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء وذلك من خلال ما يلي:
أولًا: نصوص في وقوع الإجماع من الصحابة رضوان الله عليهم تثبت حجية السنة النبوية:
كان الصحابة رضوان الله عليهم في حياته ﷺ يتبعون كل ما صدر منه في الأحكام الشرعية، لا يختلف في ذلك واحد منهم، فيقبلون بتسليم عام بأقواله، واتباع كامل لأفعاله (٣)،ومن أمثلة ذلك:
_________________
(١) انظر: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول / للإمام الشوكاني (ص ٣٣) ط. الحلبي وشركاه ١٣٥٦؟. والإحكام في أصول الإحكام (ص ٨٧) وعلوم الحديث ومصطلحه / د. صبحي الصالح (ص ٢٩١) دار العلم للملايين - بيروت ط. الأولى ١٣٧٨؟، وأصول الأحكام الإسلامية د. أبو السعود عبد العزيز موسى (ص ١٠١) ط ١٤١٣؟ ومكانة السنة في التشريع الإسلامي / د. محمد لقمان (ص ٩٧) .
(٢) انظر: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث/ للعلامة القاسمي (ص٢٦٣) مطبعة ابن زيدون- دمشق ١٣٥٣؟.
(٣) انظر: تفسير الطبري / للإمام محمد بن جرير الطبري (٤/١٥٠) بيروت. وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/١٩٠) المكتبة العلمية – المدينة المنورة.
[ ١٨ ]
أ) اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب - أو فضة - وجعل فصّه مما يلي كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، فاتخذ النّاس مثله، فلمّا رآهم قد اتخذوها رمى به، وقال: لا ألبسه أبدًا. ثم اتخذ خاتمًا من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة. (١)
ب) ومما يدلُّ على حجية السنة بإجماع الصحابة في حياته ﷺ ما رواه البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ صلى قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم. فخرج رجل ممن صلى معه، فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِبلَ مكة، فداروا كما هم قِبلَ البيت (٢) .
ج) ومما يدلُّ على وقوع الإجماع من الصحابة رضوان الله عليهم، رجوع الصدِّيق أبي بكر ﵁ في ميراث الجدة إلى السنة النبوية (٣) .
د) رجوع الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ في دية العاقلة إلى السنة النبوية (٤) . وكان ﵁ يقول: «سيأتي قوم يجادلوكم
_________________
(١) إشارة إلى حديث رواه الإمام البخاري (٥٨٦٦) في كتاب اللباس، باب خاتم الفضة.
(٢) رواه الإمام البخاري (٤١) في كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان.
(٣) انظر: موطأ الإمام مالك (٢/٥١٣) كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، وسنن أبي داود (٢٨٩٤) كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، وسنن الترمذي (٢١٠١) كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة والحديث صححه ابن حبان برقم (٦٠٣١)، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص ٣/٨٢: إسناده صحيح لثقة رجاله، إلا أنه صورته مرسل. انظر: النص كاملًا في هذا المبحث (صـ ٣٣) .
(٤) انظر: مسند أحمد (٣/٤٥٢)، وسنن أبي داود (٢٩٢٧) كتاب الفرائض، باب في المرأة ترث من دية زوجها، وسنن الترمذي (١٤١٥) كتاب الديات باب ما جاء في المرأة هل ترث من دية زوجها (٢١١٠) وكتاب الفرائض، باب، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم..
[ ١٩ ]
بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله» (١) .
؟) قضاء عثمان بن عفان ﵁ بالسنة النبوية، في بيان مكان مكوث المرأة المتوفى عنها زوجها، أثناء العدة (٢) .
ثانيًا: وقوع الإجماع من التابعين:
سلك التابعون مسلك الصحابة - رضوان الله عليهم - في لزوم سنة النبي ﷺ، فعلى سبيل المثال:
أ) يقول الإمام مطرف بن عبد الله بن الشخير: والله ما نريد بالقرآن بدلًا ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا (٣) . يقصد به رسول الله ﷺ.
ب) وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول: إن رأس القضاء اتِّباعُ ما في كتاب الله، ثم القضاء بسنة رسول الله ﷺ (٤) .
ج) أما الإمام إسحاق بن راهويه فكان يقول: مَنْ بلغه عن رسول الله
_________________
(١) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٢٢ رقم (٢٠٣)، وانظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/٢٣١) .
(٢) رواه الإمام مالك في الموطأ ١/٥٩١ في كتاب الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، ومن طريقه رواه الإمام أحمد ٢/٥٣-٥٤، وأبو داود (٢٣٠٠) في كتاب الطلاق، باب في المتوفى عنها زوجها، والترمذي (١٢٠٤) في كتاب الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟ وصححه ابن حبان (٤٢٩٢)، والحاكم في المستدرك ٢/٢٠٨ ووافقه الذهبي.
(٣) انظر: جامع بيان العلم (٢/٣٠) .
(٤) انظر: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة / للإمام السيوطي (ص ٢١) دار السلام، ط. الأولى.
[ ٢٠ ]
ﷺ خبر يقر بصحته، ثم ردَّه بغير تقية، فهو كافر (١) .
ثالثًا: وقوع الإجماع من الأئمة المجتهدين:
كان الأئمة الأربعة من أشد الناس تمسكًا بالحديث إذا ثبت عندهم لا يعدلون عنه إلى قول أحد من الناس، فعلى سبيل المثال:
أ) يقول الإمام أبو حنيفة ﵁: "إياكم والقول في دين الله تعالى بالرأي وعليكم باتباع السنة، فمن خرج عنها ضَلَّ" (٢) .
ب) وكان الإمام مالك ﵁ يقول: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وما جاء من نبيكم، وإن لم تفهموا المعنى فسلِّموا لعلمائكم ولا تجادلوهم، فإن الجدال في الدين من بقايا النفاق" (٣) .
ج) أما الإمام الشافعي فيؤكد ذلك قائلًا: يسقط كلُّ شيءٍ مخالف أمر النبي ﷺ، ولا يقحم معه رأي، ولا يقاس، فإن الله ﷿ قطع العذر بقوله ﷺ " (٤) .
د) أما الإمام أحمد فكان يقول: أولأحد كلام مع رسول الله ﷺ (٥)؟!.
_________________
(١) انظر الإحكام في أصول الأحكام (ص ٨٩) .
(٢) قواعد التحديث (ص ٢٣) وفيها زيادة.
(٣) انظر: المرجع السابق.
(٤) كتاب الأم (٢/٢٢٨) وانظر (٢/٢٢٦) (٧/٢٧٣) والرسالة (ص ٢١٧، ٢١٩) .
(٥) انظر: قواعد التحديث (ص ٥٢) .
[ ٢١ ]