المطلب الثاني: إثبات حجية السنة بالأحاديث النبوية
نص النبي ﷺ على حجية السنة، وأكد أنها دليل من أدلة الأحكام التشريعية، وكان هذا التقرير منه ﷺ بَدَهيّا، ولاسيما بعد برهان القرآن ذلك بآيات صريحة لا تحتمل التأويل - كما بينا في المطلب السابق -
ولعلنا هنا نسرد أهم الأحاديث التي تناولت إثبات حجية السنة وأنها مصدر مهم وأساس في التشريع الإسلامي، وبيان ذلك يكون من خلال النقاط التالية:
أولا: أحاديث فيها دلالة صريحة على حجية السنة: وهذا في الأحاديث التي تدعو صراحة إلى الاعتصام بالسنة والتمسك بها واتخاذها منهجًا؛ لأنها صادرة من المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ومن الأمثلة على ذلك:
أ) الدلالة الصريحة في وجوب التمسك بسنته ﷺ في حديث العرباض
[ ١٤ ]
ابن سارية ﵁ وقوله ﷺ: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" (١) .
ب) ومما يدل صراحة على أن السنة النبوية وحي من عند الله قوله ﷺ: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه الحديث " (٢) .
ثانيا: أحاديث فيها دلالة تنبيهية على حجية السنة النبوية: وضابط هذا المسار وجود العبارات التي تُرَغِّب في اتباع السنة، وتحذر من المخالفة، ومن أمثلة ذلك:
أ) قوله ﷺ: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (٣) . فدخول الجنة والنجاة من النار مبني على طاعته ﷺ واتباع أمره؛ إذ إن طاعته واجبة وهي مصدر أساس في التشريع الإسلامي.
ب) ومما يرغب في اتباع السنة، ويرهب من التفريط فيها، وصيته ﷺ في حجة الوداع وقوله:"تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي" (٤) فاذا كان اتباع السنة يوجب الأمن من
_________________
(١) حديث صحيح، تقدم تخريجه.
(٢) حديث صحيح. رواه عن المقدام بن معدي كرب ﵁: الإمام أحمد (٤/١٣٠-١٣١) وأبو داود برقم (٤٦٠٤) في كتاب السنة، باب لزوم السنة. وصححه ابن حبان (١/١٨٩) برقم (١٢) .
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة ﵁ الإمام البخاري (٧٢٨٠) في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول النبي ﷺ: بعثت بجوامع الكلم.
(٤) أخرجه الدارقطني في السنن (٤/٢٤٥) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/١١٤) والخطيب البغدادي في كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/١١١) رقم (٨٨)، وهبة الله اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/٨٠) رقم (٩٠) . وصححه الحاكم في المستدرك (١/٩٣) .
[ ١٥ ]
الضلال، فإن التفريط فيها وقوع في الضلال، وهذا يثبت حجية السنة.
ج) ومما يدل على حجية السنة النبوية بدلالة التنبيه، قول النبي ﷺ: "إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة" (١) ولما سئل ﷺ عن هذه الفرقة الناجية قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (٢) .
ثالثًا: أحاديث فيها إيماء وإشارة إلى حجية السنة: وهذا النوع كثير في نصوص السنة المطهرة، وضابطها أنها تشير تلميحًا لا تصريحًا إلى وجوب الاعتصام بالسنة، وهذه الإشارة إنما كانت منه ﷺ لمكانة السنة في التشريع. ومن أمثلة هذا النوع:
أ) قوله ﷺ: "نضّر الله امرأ سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلَّغ أوعى من سامع" (٣) .
ب) قوله ﷺ في حجة الوداع: "ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة: الإمام أحمد ٢/٣٣٢، وأبو داود (٤٥٩٦) في كتاب السنة، باب شرح السنة وابن ماجه (٣٩٩١) في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، والإمام الترمذي (٢٦٤٠) في كتاب الإيمان باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) رواه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: الإمام الترمذي (٢٦٤١) في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال حديث حسن غريب مفسّر.
(٣) رواه من حديث عبد الله بن مسعود: الإمام أحمد ١/٤٣٧، وابن ماجه (٢٣٢) في المقدمة، باب من بلغ علمًا، والترمذي (٢٦٥٧) في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، وقال: حسن صحيح. وصححه ابن حبّان برقم (٦٩،٦٨،٦٦) .
[ ١٦ ]
يبلغ من هو أوعى له منه" (١) فدخول اللام على الفعل المضارع (يبلغ) يفيد الأمر، وهذا الأمر منه ﷺ إنما كان حماية لهذا المصدر المهم من الضياع أو التحريف.
ج) ومنه قوله ﷺ: " بلغوا عني ولو آية" (٢) ولم يقل ﵇ حديثًا؛ لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم منه بطريقة الأولية، لأن السنة بيان وتفسير للقرآن (٣) .
د) ومما يدل على حجية السنة بطريق التلميح والإشارة قوله ﷺ: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما نهيت عنه أو أمرت به فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" (٤) .
يقول الإمام الشافعي مؤكدًا ذلك: وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله ﷺ وإعلامهم أنه لازم لهم، وإن لم يجدوا له نفس حكم في كتاب الله لأنه شرع (٥) .
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٦٧) في كتاب العلم، باب قول النبي ﷺ: رُبّ مبلغ أوعى من سامع. والإمام مسلم (١٦٧٩) في كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض.
(٢) رواه الإمام البخاري (٣٦٤١) في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٣) انظر: مكانة السنة في التشريع الإسلامي / د. محمد لقمان (ص ٧٦، ٧٧) .
(٤) حديث صحيح. رواه الإمام أحمد (١/١٧)، وأبو داود (٤٦٠٥) في كتاب السنة باب في لزوم السنة، والترمذي (٢٦٦٣) في كتاب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال في حديث النبي ﷺ، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان برقم (١٣) .
(٥) انظر الرسالة / للإمام الشافعي (ص ٢١٧) .
[ ١٧ ]