يعد ما صدر عن النبي ﷺ بعد البعثة المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، وينقسم ذلك إلى الأقسام التالية:
القسم الأول: ما صدر عنه ﷺ قولًا
وأقوال النبي ﷺ هي عباراته، وكلماته، التي تلفظ بها.
والمراد بها: الأحاديث التي تلفظ بها الرسول ﷺ تبعًا لمقتضيات الأحوال. والأحاديث القولية تمثل في الواقع جمهرة السنة وعليها مدار التوجيه والتشريع، وفيها يتجلى البيان النبوي، وتتمثل البلاغة المحمدية، بأجلى صورها، وفيها جوامع الكلم التي خص الله تعالى بها خاتم رسله.
أقسام أقوال النبي ﷺ:
تنقسم أقوال النبي ﷺ - كما ينقسم كل كلام - إلى: خبر، وإنشاء.
أولًا: أخبار النبي ﷺ:
وهذه الأخبار قد تكون عن الله ﷾ وأسمائه وصفاته وأفعاله كما في حديث أبي هريرة: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة" (١) وقد تكون أخبارا عن عالم الغيب
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٢٧٣٦) في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنا والإقرار، والإمام مسلم (٢٦٧٧) في كتاب الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.
[ ٤٣ ]
مثل إخباره عن سؤال القبر ونعيمه وعذابه، وعن البعث والحشر والشفاعة، ومن أخباره أيضًا ما قصه علينا من سير الماضين من الأنبياء والصالحين، ويدخل في أخباره ما يذكره عن المستقبل مما أطلعه الله عليه.
ومما يدخل في دائرة الخبر من أقواله ما يذكره ﷺ لبيان حقائق الأشياء وبيان قيمها ومراتبها وما فيها من ثواب وعقاب.
ومن الأخبار ما يتضمن توجيهات أخلاقية ترغيبًا في الخير، وترهيبًا من الشر. ومنها ما يتضمن تشريعًا ملزمًا للفرد المسلم وللجماعة المسلمة وإن كان في صورة خبر كما في حديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" (١) وقوله ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" (٢) .
ثانيًا: الإنشاء.
والإنشاء بمعنى الطلب، من أقواله ﷺ فيشمل الأمر، والنهي، والدعاء، فتمثل الأمر قول الرسول ﷺ: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٣) .
ومثل النهي قول الرسول ﷺ: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (١١٨٩) في كتاب الجمعة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، والإمام مسلم (١٣٩٧) في كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.
(٢) رواه عن أبي سعيد الخدري الدارقطني ٣/٧٧ و٤/٢٨٨، وصححه الحاكم ٢/٥٧-٥٨. وقد روي عن جماعة من الصحابة. قال ابن رجب الحنبلي: إن بعض طرقه تُقوّى ببعض. انظر جامع العلوم والحكم ٢/٢١٠.
(٣) رواه من حديث الحسن بن علي: الإمام أحمد ١/٢٠٠، والإمام النسائي ٨/٣٢٧ في كتاب الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات، والإمام الترمذي (٢٥١٨) في كتاب في صفة القيامة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان (٧٢٢)، والحاكم (٢/١٣ و٤/٩٩) .
[ ٤٤ ]
الحديث" (١) .
ومن أمثلة الدعاء: قول الرسول ﷺ: " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي" (٢) .
حجية أقوال الرسول ﷺ
الأصل في حجية أقوال الرسول ﷺ ما تقدم من الأدلة العامة على حجية السنة؛ لأن الأقوال قسم من أقسام السنة بالإضافة إلى الأدلة التي تدل على وجوب التأسي والمتابعة والاقتداء في أقواله ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] .
وجه الدلالة: حيث ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية: أن هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله (٣) .
ولما كان التأسي بأقواله ﷺ أمرًا واجبًا، لهذا فقد عنى المسلمون بنقل أقوال النبي ﷺ أيما عناية، وقسموا (٤) الأقوال المقبولة المتصلة السند إلى
_________________
(١) رواه عن أبي هريرة الإمام البخاري (٥١٤٣) في كتاب النكاح، باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع، والإمام مسلم (٢٥٦٣) في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة: الإمام مسلم (٢٧٢٠) في كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم / ابن كثير (جـ ٣/ ٤٨٣) .
(٤) قسم العلماء: الحديث إلى قسمين: متواتر، وآحاد، والمشهور قسم من أقسامه عند المحدثين، كما ذكر الحافظ ابن حجر في شرح النخبة /٢٩-٣٠.
[ ٤٥ ]
أحاديث قولية متواترة، ومشهورة، وآحاد، فقالوا: إن الأحاديث القولية المتواترة توجب العلم والعمل، ولا مجال للشك فيها.
أمّا الأحاديث القولية المشهورة فإنها تفيد علم الطمأنينة، وهو الظن القريب من اليقين، وتوجب العمل بها بالإجماع.
أما الأحاديث القولية الآحاد فاختلف فيها، هل تفيد العلم أو تفيد الظن؟ والراجح أنها تفيد العلم، لأن العلماء أجمعوا على وجوب العمل بأخبار الآحاد.. فكيف يوجب العمل وهي غير مفيدة للعلم؟ فالعمل فرع عن تصور العلم، وبالتالي فهي توجب العلم والعمل.
وتقسيم (١) السنة إلى: متواتر، ومشهور، وآحاد تقسيم حادث، وليس من منهج الصحابة والسلف الصالح، وإنما كان منهجهم هو وجوب اتباع الرسول ﷺ في جميع أقواله (٢) .
القسم الثاني: ما صدر عنه فعلًا ﷺ
الأفعال: جمع فِعْل، والفعل هو الهيئة العارضة للمؤثر في غيره، بسبب التأثير كالهيئة الحاصلة للقاطع بسبب كونه قاطعًا ومنه الفعل العلاجي
_________________
(١) انظر الحاشية السابقة.
(٢) انظر: الموضوع بالتفصيل في: شرح الكوكب المنير / للفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار (جـ ٢/٣٤٥) دار الفكر ت دمشق ١٤٠٠؟. وروضة الناظر / لابن قدامة (جـ ١/٢٦٠) مطابع الرياض ١٣٩٧؟. والكفاية في علم الرواية / للخطيب البغدادي (ص ٤٨) دار الكتاب العربي – بيروت ١٤٠٦؟.وأصول الفقه للبرديسي (ص ١٩٤ -١٩٥) ط. الثالثة ١٩٦٩ دار النهضة. وأصول الفقه/ لمحمد أبو زهرة (ص ٩٩) دار الفكر العربي - القاهرة. وأصول الأحكام الإسلامية (ص ١٠٨، ١١١، ١١٣، ١٢٢) .
[ ٤٦ ]
وهو ما يحتاج حدوثه إلى تحريك عضو كالضرب والشتم (١) .
والمراد بأفعال الرسول ﷺ هو كل ما يعمله ﷺ ببدنه فيدخل في ذلك الإشارة باليد وبالرأس؛ لأنها حركة بعضو من أعضاء البدن ويدخل أيضًا في الأفعال كتاباته ﷺ إلى الملوك.
أقسام أفعال الرسول ﷺ:
اختلف العلماء في تقسيم أفعال النبي ﷺ وحصرها وعدها، فمنهم من حصرها في سبعة أقسام كالزركشي والشوكاني (٢) . ومنهم من حصرها في ضربين كالشيرازي (٣) ومنهم من قسمها دون حصر لعددها كأبي الحسين البصري (٤) .
وهذه التقسيمات مستحدثة لم تكن إلا بعد عصر الأئمة، ولا ينبني على ذلك التقسيم فائدة، ولكن هذا التقسيم يوضح ما يستحب فيه المتابعة، وما يمتنع وما يجوز، لذلك ستقسم أفعال النبي ﷺ حتى يتضح الأمر إلى ما يلي:
أولًا: أفعال جِبِلِّيَّة وهذا القسم على نوعين:
١ - أفعال تقع من الرسول اضطرارًا دون قصد منه لإيقاعه مطلقًا،
_________________
(١) التعريفات للجرحاني/٥٧.
(٢) البحر المحيط للزركشي (جـ ٦/٢٩) وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت ط. الثانية ١٤١٣؟. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول / ٣٠.
(٣) شرح اللمع في أصول الفقه / لأبي إسحاق الشيرازي (جـ ١/ ٥٤٥) دار الغرب الإسلامي – بيروت ١٤٠٨؟
(٤) المعتمد لأبي الحسين البصري (جـ ١/ ٣٨٥) دار الكتب العلمية – بيروت.
[ ٤٧ ]
وذلك كما في سرور الرسول ﷺ فإنه إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر (١) . وكان إذا كره شيئًا رُئي في وجهه.
وهذا النوع من الأفعال لا يتعلق به متابعة أو تأثر أو اهتداء لوقوعه دون قصد منه.
٢ - أفعال تقع منه اختيارًا، وهي ما يفعله الرسول عن قصد وإرادة ولكنها أفعال تدعو إليها الضرورة والحاجة من حيث هو بشر، ويوقعها الإنسان قصدًا عند شعوره بتلك الضرورة، إلا أن اتباعها تابع لإرادته وقصده بحيث يستطيع الامتناع عن ذلك في وقت دون وقت.
وذلك كالقيام والقعود وهواجس النفس وحركة اليد أثناء المشي ونومه وأكله وشربه، وهذا النوع أيضًا لا يتعلق به متابعة أو تأسٍّ أو اقتداء. ولكن إن واظب الرسول ﷺ على إيقاع هذا الفعل الجِبِلِّي على هيئة مخصوصة ووجه معروف كوضع يده اليمنى تحت خده عند النوم ونومه على جنبه الأيمن وأكله بثلاث أصابع، فهذا يندب التأسي فيه؛ لأن الغالب من أفعال الرسول ﷺ التشريع، إذ هو بعث لبيان الشرعيات (٢) .
وقيل: يستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن تدريبًا للنفس وتمرينًا لها على أخلاق صاحب الشرع، فإن النفس مهما سومحت في اليسير تشوقت إلى المسامحة فيما فوقه، وكان ابن عمر ﵄
_________________
(١) رواه عن كعب بن مالك الإمام البخاري (٣٥٥٦) في كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ. والإمام مسلم (٢٧٦٩) في كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.
(٢) البحر المحيط (جـ ٦/٢٣) شرح تنقيح الفصول للإمام القرافي / ٢٨٨. مكتبة الكليات الأزهرية.
[ ٤٨ ]
يأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثار الرسول ﷺ. قال نافع: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع آثار الرسول ﷺ لقلت هذا مجنون (١) .
ثانيًا: أفعال صدرت منه على وفق العادات (٢) كأحواله ﷺ في المأكل والمشرب والملبس وطريقة مشيته وطريقة كلامه. فهذه الأفعال مباحة لأنه لم يقصد به التشريع ولم نتعبد به ولم تقع تلك الأفعال على سبيل الطاعة. لكن لو تأسى به متأس فلا بأس، وإن تركه لا رغبة عنه ولا استكبارًا فلا بأس ويثاب على قصده التأسي، فقد ورد عن ابن عمر ﵄ كان يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة، فسئل عن ذلك فقال: "وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها. وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها" (٣) .
ثالثًا: أفعال لم يتبين أمرها ولم يوجد دليل على وقوعها قربة أو عبادة، ولكن لها علاقة بالعبادة، سواء وقعت في أثناء العبادة أو في وسيلتها أو قبلها أو بعدها. كنزوله بالمحصب ليلة النفر، وجلسة الاستراحة في الصلاة، ودخوله مكة من طريق كدي، وخروجه من طريق
_________________
(١) شرح الكوكب المنير لابن النجار (جـ ٢/١٧٩) دار الفكر – دمشق ١٤٠٠؟. البحر المحيط (جـ ٦/٢٤) .
(٢) المهذب في علم أصول الفقه / للدكتور عبد الكريم النملة (جـ ٢/٨٣٠) مكتبة الرشد، ط. الأولى ١٤٢٠؟.
(٣) رواه الإمام البخاري (١٦٦) في كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين في النعلين، والإمام مسلم (١١٨٧) في كتاب الحج، باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة.
[ ٤٩ ]
كداء، ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة. فقد اختلف العلماء في ذلك، والراجح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء: وهو أنه يستحب اتباع النبي ﷺ في هذه الأفعال ويُنْدَبُ إلى ذلك ولا يجب (١) .
رابعًا: أفعال بيانية، فإن كان المبين واجبًا كان الفعل المبين له واجبًا، وإن كان مندوبًا فمندوب؛ لأن البيان لا يتعدى رتبة المبيَّن، ومتى تعداه لا يكون بيانا له.
خامسًا: الأفعال الخاصة بالرسول ﷺ التي ثبت بالدليل اختصاصه بها، كالجمع بين تسع نسوة، فهذا القسم يحرم التأسي فيه (٢) .
ومن خصائص الرسول ﷺ التبرك بأثره والاستشفاء به، فقد نقل أنه ﷺ دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه ومجَّ فيه ثم قال لأبي موسى وبلال ﵄: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما (٣) . وتوضأ وشرب جابر بن سمرة ﵁ من وضوئه (٤)، وجمعت أم سليم ﵂ عرقه لتتطيب (٥)، وشرب بعضهم دم حجامته (٦) .
_________________
(١) شرح الكوكب المنير (جـ ٢/١٨١) . المهذب للدكتور/ عبد الكريم النملة (جـ ٢/ ٨٣٢) .
(٢) معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني (ص ١٣٠) دار ابن الجوزي، ط. الثانية ١٤١٩؟.
(٣) رواه عن أبي موسى: الإمام البخاري (١٨٨) في كتاب الوضوء، باب استعمال فضل وضوء الناس، ومسلم (٢٤٩٧) في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين.
(٤) رواه الإمام البخاري (١٩٠) في كتاب الوضوء، والإمام مسلم (٢٣٤٥) في كتاب الفضائل، باب إثبات خاتم النبوة وصفته ومحله من جسده ﷺ.
(٥) رواه الإمام البخاري (٦٢٨١) في كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فقال عندهم، والإمام مسلم (٢٣٣١) في كتاب الفضائل، باب طيب عرقه ﷺ والتبرك به.
(٦) هو عبد الله بن الزبير ﵁، والحديث رواه الدارقطني (١/٢٨٨)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/٣٣٠)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/٢٧٠) وعزاه إلى الطبراني والبزار، وقال: رجال البزار رجال الصحيح غير هنيد بن القاسم (أحد رواته) وهو ثقة.
[ ٥٠ ]
والدليل على أن هذا من خصائصه أن الصحابة لم يتبركوا بأفاضلهم، وليس في الأمة بعد نبيها أفضل من أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃، ولم ينقل عن أحد منهم ولو حادثة واحدة أنهم تبركوا بهؤلاء الأولياء الأربعة فهذا إجماع على الترك (١) .
حجية أفعال الرسول ﷺ:
الأصل في حجية أفعال الرسول ﷺ ما تقدم سابقا من الأدلة العامة على حجية السنة، لأن الأفعال من أقسام السنة، بالإضافة إلى الأدلة التي تدل على وجوب التأسي والاقتداء بأفعاله على وجه الخصوص، مثال ذلك:
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] .
وجه الدلالة: حيث عبر الله ﷿ بالمصدر ﴿أُسْوَة﴾ أي تأسوا به والتأسي هو أن نفعل مثل فعله على وجهه لأجل فعله (٢) .
ويشترط في التأسي والمتابعة شرطان:
الأول: المتابعة في صورة العمل.
الثاني: المتابعة في القصد.
فإذا طاف ﷺ حول الكعبة واستلم الحجر وصلى خلف المقام، كان التأسي والاقتداء به أن يفعل هذا الفعل، وأن يقصد به العبادة، لأنه ﷺ فعل ذلك وقصد به العبادة.
_________________
(١) الاعتصام للشاطبي (جـ ٢/ ١١٠٦) .
(٢) أصول الفقه للمقدسي (جـ ١/ ٣٣٥) .
[ ٥١ ]
أما ما فعله ﷺ بحكم الاتفاق ولم يقصده، مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصدًا منه ﷺ لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه، فإن تخصيص ذلك المكان بالصلاة لا يكون تأسيًا به ﷺ، لأنه لم يقصد ذلك المكان بالعبادة، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة: هل فعل استحبابًا أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها، وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه عليه، هل فعله لأنه أسمح لخروجه، أو لكونه سنة تنازعوا في ذلك" (١) .
القسم الثالث: ما صدر عنه ﷺ تقريرًا
والمراد بالسنة التقريرية: هي ما أقره الرسول ﷺ مما صدر من بعض الصحابة من أقوال وأفعال بسكوت منه وعدم إنكاره أو بموافقته وإظهار استحسانه وتأييده (٢) .
والمقصود بالتقرير: هو أن يفعل أحد الصحابة بحضرته فعلًا أو يقول قولًا فيمسك ﷺ عن الإنكار ويسكت (٣) .
أمثلة للسنة التقريرية:
١ - ما رواه أبو سعيد الخدري أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما
_________________
(١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام بن تيمية (جـ ١/ ٢٨١) .
(٢) علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف/ ٢٦.
(٣) شرح الكوكب المنير (جـ ٢/ ١٦٦) .
[ ٥٢ ]
ماء فعرضت الصلاة فتيمما صعيدًا طيبًا فصلَّيا، ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يُعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك فقال للذي لم يعد. أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: "ولك الأجر مرتين" (١) .
٢ - احتلم عمرو بن العاص - ﵁ - في غزوة ذات السلاسل فلم يغتسل خوفًا من الهلاك لشدة البرد، بل تيمم وصلى بأصحابه الصبح، فلما ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال له: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال له عمرو: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (٢) وهذا إقرار منه ﷺ لعمرو في اجتهاده.
٣ - إقراره لاجتهاد الصحابة في صلاة العصر في غزوة بني قريظة حين قال لهم: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" ففهم بعضهم هذا النهي على حقيقته فلم يصل إلا في بني قريظة بعد المغرب، وقالوا: لا نصلي حتى نأتيها. وفهم البعض أن المقصود الحث على
_________________
(١) حديث حسن. رواه أبو داود (٣٣٨) في كتاب الطهارة، باب في المُتَيمِّم يجد الماء بعدما يُصلى، في الوقت. والإمام النسائي (١/٢١٣) في كتاب الغسل، باب التيمم لمن لم يجد الماء بعد الصلاة، وهذا لفظ أبي داود.
(٢) حديث صحيح. رواه أبو داود (٣٣٤) في كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أن يتيمم، والإمام أحمد (٤/٢٠٣)، وصححه الحاكم (١/١٧٧-١٧٨) .
[ ٥٣ ]
الإسراع فصلاَّها في وقتها. وبلغ النبي ﷺ ما فعل الفريقان فأقرهما، ولم يعنف أحدهما (١) .
٤ - إقراره ﷺ إنشاد الشعر المباح (٢) .
حجية السنة التقريرية:
أولًا: الدليل على أن إقرار الرسول ﷺ حجة هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ سكوته يدل على جواز ذلك بخلاف سكوت غيره (٣) .
ثانيًا: أن من خصائص الرسول ﷺ وجوب إنكار المنكر، لا يسقط عنه بالخوف على نفسه لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] (٤) .
ثالثًا: احتجاج الشافعية والحنابلة في إثبات النسب بالقيافة، فحديث عائشة ﵂ أن مجززًا المدلجي رأى زيد بن حارثة وابنه أسامة فقال هذه الأقدام بعضها من بعض (٥) فَسُرَّ النبيُّ، وأعجبه ذلك.
رابعًا: إجماع المسلمين على أن ما صدر من الرسول ﷺ من قول، أو
_________________
(١) انظر: صحيح الإمام البخاري (٩٤٦) كتاب الجمعة، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، والإمام مسلم (١٧٧) في كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين.
(٢) انظر: صحيح الإمام البخاري (٣٢١٢) كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، والإمام مسلم (٢٤٨٥) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت ﵁.
(٣) أصول الفقه للإمام المقدسي (جـ ١/ ٣٥٤) . شرح الكوكب المنير (جـ ٢/ ١٦٦) .
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم. ابن كثير (جـ ٢/ ١٦٥) .
(٥) معالم أصول الفقه للجيزاني (١٣٣) .
[ ٥٤ ]
فعل، أو تقرير وكان مقصودًا به التشريع والاقتداء، ونقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح بصدقه يكون حجة على المسلمين، ومصدرًا تشريعيًا يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين (١) .
شروط الاحتجاج بالسنة التقريرية
ويكون سكوت الرسول ﷺ وعدم إنكاره حجة ودليلًا على الجواز بشروط:
أولًا: أن يعلم الرسول ﷺ بوقوع الفعل أو القول فإما أن يقع ذلك بحضرته، أو في زمنه، وهو عالم به لانتشاره انتشارًا يبعد معه ألا يعلمه ﷺ (٢) .
ثانيًا: ألا يكون الفعل الذي سكت عنه سبق تحريمه، فإن سبق تحريمه يكون نسخًا، لئلا يكون سكوته محرما (٣) .
ثالثًا: ألا يكون الفعل الذي سكت عنه صادرًا من كافر كمضيه إلى كنيسة، وبالتالي فلا أثر لسكوته اتفاقًا، وإلا دل على جوازه (٤) .
ولأن إنكاره ﷺ لما يفعله الكفار معلوم ضرورة، فالعبرة في فعل أحد المسلمين.
_________________
(١) علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف/ ٣٧.
(٢) معالم أصول الفقه للجيزاني / ١٣٣. أصول الفقه للمقدسي (١/ ٣٥٤) .
(٣) أصول الفقه للمقدسي (جـ ١/ ٣٥٤) .
(٤) المرجع السابق.
[ ٥٥ ]
القسم الرابع: ما صدر عن الرسول ﷺ اجتهادًا
وقد ألحق أكثر العلماء اجتهاد الرسول ﷺ فيما أقره الله ﷾ عليه بالسنة التشريعية لذلك أدرجناه هنا.
ومسألة اجتهاد الرسول ﷺ من المسائل التي اختلف فيها العلماء ولكن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن العقل يُجَوِّز اجتهاد الرسول ﷺ وواقع مطلقًا.
فيقول صاحب تيسير التحرير: «وأكثر أهل العلم على أن الرسول ﷺ كان مأمورًا بالاجتهاد مطلقًا في الأحكام الشرعية، والحروب، والأمور الدينية، من غير تقييد بشيء منها. أو من غير تقييد بانتظار الوحي، وهو مذهب عامة الأصوليين ومالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث» (١) .
ولاشك في أن نزول الوحي على الرسول ﷺ لا يمنع من كونه أقوى الناس قريحة، وأشدهم حذقًا، وأثقبهم بصيرة، وأصوبهم رأيًا، وأحدهم ذكاء، وأكثرهم فهمًا لمقاصد التشريع ولمصالح المؤمنين. كيف وهو أتقى الناس وأورعهم وأشدهم خشية لله؟ كما أنه ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقد وصفه الله ﷿ بأنه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . وكل هذه الأمور أدوات يستعين بها المجتهد في
_________________
(١) تيسير التحرير لمحمد أمين (جـ ٤/ ١٨٥) دار الكتب العلمية – بيروت.
[ ٥٦ ]
الوصول إلى إظهار حكم الله في الحادثة وهو يفترق عن سائر الناس بتأييده بالوحي الذي يقره على الصواب ويوجهه إلى الأولى.
واجتهاد الرسول ﷺ لم يقع في موطن واحد، أو مكان واحد، أو موضوع واحد، وإنما تعددت المواطن والأمكنة والموضوعات.
لذلك سنحصر مواطن اجتهاد الرسول ﷺ حتى نعرف ما هو تشريع، وما هو ليس بتشريع.
أولًا: اجتهاد الرسول ﷺ في الأمور الدنيوية:
كما في مسألة تأبير النخل: لما قدم الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة فوجد أهلها يلقحون النخل فقال: "ما تصنعون؟ " قالوا: كنا نصنعه. قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا"
فتركوه. فنفضت أو فنقصت. قال: فذكروا ذلك له، فقال: "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر" (١) .
وفي رواية عائشة وأنس ﵄: "أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال فخرج شِيْصًا. فمرَّ بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت: كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم" (٢) .
وهذا النوع من الاجتهاد لا يعد تشريعًا؛ لأنه قول في أمور المعايش من طب وزراعة بما يقول به الناس، ناتج عن تجارب وعادة وهذا فيما لا
_________________
(١) رواه من حديث رافع بن خديج: الإمام مسلم (٢٣٦٢) في كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي.
(٢) رواه الإمام مسلم (٢٣٦٣) في كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي.
[ ٥٧ ]
وحي فيه (١) . وقول الرسول ﷺ " أنتم أعلم بأمور دنياكم" ينطق صراحة بأن الأمور التي ترجع إلى الخبرة والتجربة والشؤون الدنيوية كبعض الأفعال الخاصة بالتجارة والزراعة لا يجب الاقتداء فيها والناس أدرى بأحوالهم ومجريات أمورهم (٢) .
ثانيًا: اجتهاد الرسول ﷺ في الأمور الحربية:
كما حصل في يوم بدر وموافقته لرأي الحباب بن المنذر ﵁: قال ابن اسحاق: خرج رسول الله ﷺ يوم بدر يبادر قريشًا إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به. فجاء الحباب ﵁ بين الجموع. قال يا رسول الله: "أرأيت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء، من القوم فننزله ونغور ما وراءه من القُلَب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله ﷺ: "لقد أشرت بالرأي" وفعل ما أشار به الحباب بن المنذر ﵁ (٣) .
وهذا النوع من الاجتهاد فيه دلالة صريحة على أنه ليس تشريعًا؛ لأنه
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٥/١٥/١١٦) دار الريان، ط. الأولى ١٤٠٧؟.
(٢) أصول الفقه للبرديسي / ٢٠٩.
(٣) انظر: سيرة ابن هشام (٢/٣١٢-٣١٣) مكتبة المنار، ط. الأولى ١٤٠٩؟ والمستدك للحاكم (٣/٤٤٦-٤٤٧) والسنة النبوية في ضوء المصادر الأصلية / د. مهدي رزق الله (ص ٣٤٥) مركز الملك فيصل للبحوث ١٤١٢؟ ط. الأولى.
[ ٥٨ ]
لو كان تشريعًا ما رجع الرسول ﷺ عن رأيه، وأخذ برأي الحباب بن المنذر ونفذ الرسول ﷺ رغبة الحباب ﵁.
ثالثًا: اجتهاده ﷺ في الأقضية:
والرسول ﷺ يجتهد في الأقضية بالإجماع (١) . وقد ثبت أن الرسول ﷺ قال: "إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من النار" (٢) .
وفي الحديث دلالة على الحالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئًا، إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك، وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز على الناس وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر، فيحكم ﷺ بالبينة واليمين، ونحو ذلك من أحكام الظاهر مع إمكان كونه في الباطن على خلاف ذلك، ولكنه إنما كُلف بحكم الظاهر (٣) .
وقضاء الرسول ﷺ يكون في القضية قبل نزول الوحي، فإن نزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به، فيترك ما قضي به على حاله، ويستقبل ما نزل به القرآنُ الكريم، ولذلك فقضاؤه بغير الوحي إنما هو عن اجتهاد منه.
_________________
(١) شرح الأسنوي على المنهاج لجمال الدين عبد الرحيم (جـ ٢/ ١٧٢) ط. صبيح.
(٢) رواه من حديث أم سلمة: الإمام البخاري (٢٤٥٨) في كتاب المظالم، باب (إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه، والإمام مسلم (١٧١٣) في كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة.
(٣) اجتهاد الرسول ﷺ د. نادية العمري / ٩٨. مؤسسة الرسالة.
[ ٥٩ ]
وقد ورد أيضًا عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله: ﷺ "إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليَّ فيه" (١) .
ومن اجتهاداته ﷺ قضاؤه لفاطمة بنت قيس أن تعتد عند أم شريك ثم رجوعه عن ذلك بقضاء آخر لمصلحة رآها (٢) .
رابعًا: اجتهاد الرسول ﷺ في الأحكام الشرعية:
اختلف العلماء في اجتهاد النبي ﷺ في الأحكام الشرعية والفتاوي في الأمور الدينية، ولكن للرسول ﷺ أن يجتهد في الأحكام الشرعية والفتاوي في الأمور الدينية عندما ينقطع طمعه في العثور على النص، ولولم يرد الله سبحانه له الاجتهاد لبادر بالوحي في كل حادثة تَعْرِض له، ولسارع بجوابه في كل سؤال يوجه إليه. ولكن الوحي يتأخر، والحادثة ملحَّة تطلب الحل، ولا يجد الرسول ﷺ أمامه إلا الاجتهاد في إطار ما نزل عليه من النصوص، وما فهمه من مقاصد الشريعة، ويجتهد ويصيب حكم الله في كثير من الوقائع التي اجتهد فيها، وقليلًا ما كان يغلب على ظنه حكم يكون غيره أولى منه، ومع هذا لا يغلق الله أمامه باب الاجتهاد بإنزال النص، بل يتركه يمارس الاجتهاد، ويُقَلِّب الآراء، بل ويصدر الحكم. فيأتي بعد هذا وحيُ الله إليه منبهًا له إلى الحكم الأفضل، فلا يُقَرُّ على الخطأ، ولكن الله يبين له وجه الحق والصواب في مثل هذه
_________________
(١) هذه الرواية من حديث أم سلمة ﵂ أخرجها أبو داود (٣٥٨٣) في كتاب الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطأ، وأصل الحديث في الصحيحين كما في التعليق السابق.
(٢) إشارة إلى حديث رواه الإمام مسلم (٢٩٤٢) في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب قصة الجسّاسة.
[ ٦٠ ]
الاجتهادات (١) . ومن أمثلة اجتهاد الرسول في الأحكام الشرعية:
اجتهاده ﷺ في الهمِّ بإيقاعه العذاب على المتخلفين عن صلاة الجماعة، ورجوعه عن قراره هذا، فقد ورد عن أبي هريرة أنه قال: "إن رسول الله ﷺ فقد ناسًا في بعض الصلوات فقال: لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم، فيحرِّقوا عليهم بحُزَم الحطَب بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها. يعني صلاة العشاء" (٢) .
ومن ذلك: إقراره لمن صلى العصر قبل الغروب وبعده يوم قريظة (٣) .
وحاصل الأمر أن ما صدر عن الرسول ﷺ اجتهادا في الأحكام الشرعية بعد إقرار الله عليه فهو تشريع، ويجب العمل به، أما الحكم الذي صدر منه ﷺ قبل الإقرار فلا يعد تشريعًا، ولا يجب العمل به.
_________________
(١) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية / للدكتور حسن مرعي / ٥٥.
(٢) رواه من حديث أبي هريرة: الإمام البخاري (٦٤٤) في كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، والإمام مسلم (٦٥١) في كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها، وهذا لفظ الإمام مسلم.
(٣) تقدم تخريجه في هذا البحث.
[ ٦١ ]