المبحث الخامس: أقسام السنة من حيث ثبوتها ومن حيث دلالاتها
ينبغي لطلبة العلم بعد معرفتهم أن جميع الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًّا لا يتعمدون مخالفة السنة في دقيق ولا جليل، وأنهم متفقون يقينًا على وجوب إتباع الرسول ﷺ: معرفة أن تلك السنن منها المعتبر في التشريع من حيث الثبوت والدلالة ومنها غير المعتبر. وفصّل العلماء في ذلك حيث ذكروا أن بعض الأحاديث لا تصلح مصدرًا للتشريع، وأن بعض أفعاله ﷺ الخاصة به ليست حجة لعمل سائر الأمة ويوضح ذلك أكثر المبحث التالي:
أولًا: أقسام السنة من حيث ثبوتها
تنقسم من حيث ثبوتها إلى قسمين: ثابتة وغير ثابتة. والثابتة إما قطعية الثبوت أو ظنية الثبوت.
والقطعية هي الأحاديث المتواترة التي تفيد العلم اليقيني: أي الضروري الذي يضطر الإنسان إليه فلا يستطيع دفعه، والفرق بينه وبين العلم النظري: أن العلم الضروري يفيد العلم بلا استدلال والنظري يفيد العلم لكن مع الاستدلال، والضروري يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلاّ لمن فيه أهلية النظر (١) .
أما الظنية الثبوت فهي الأحاديث المقبولة التي رواها آحاد يغلب على الظن فيها صدق الخبر لصدق ناقله. فيؤخذ بها، ويجب العمل بها عند الجمهور، وتفيد غلبة الظن ما لم تعارض بمثلها.
_________________
(١) العسقلاني: نزهة النظر: ص ٣٨.
[ ٢١ ]
ثم إذا اجتمعت لها قرائن مثل كون الحديث في الصحيحين، وله طرق متعددة، ورواه الأئمة فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه (١) .
أما الأحاديث غير الثابتة، أو المردودة فهي التي يغلب على الظن فيها كذب الخبر، لثبوت كذب ناقليه، وهذه الأحاديث الضعيفة، والتي لها أنواع قد يعمل ببعضها في فضائل الأعمال والمواعظ وأشباهها (٢) .
والخلاصة: أن المتواترة يجب العمل بها إجماعًا وتفيد العلم اليقيني، والآحاد الصحيحة يجب العمل بها عند الجمهور وتفيد غلبة الظن، فإذا اجتمعت لها قرائن وجب العمل بها وأفادت العلم النظري، والمردودة الضعيفة لا تفيد علمًا ولا عملًا.
_________________
(١) المرجع السابق: ص ٣٨.
(٢) النووي/ شرح صحيح مسلم: ١/٢٨-٢٩، النووي/ ما تمس إليه حاجة القارئ إلى صحيح البخاري: ص ٣٨.
[ ٢٢ ]