المبحث الأول: التعريف بالشريعة ومصادرها ومقاصدها
أولًا: تعريف الشريعة لغةً وشرعًا
الشريعة في اللغة:
موْرِدُ الشاربة التي يردها الناس فيشربون منها ويستقون، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينا لا يُسقى بالدلو، وشرعت في هذا الأمر شُرُعا: أي خضت (١) .
الشريعة شرعًا:
استعمل العلماء لفظ الشريعة باستعمالات متعددة وذلك حسب المقام فمنهم من أطلقها على التوحيد وما سواه من الفروع ومنهم من أطلقها وأراد بها التوحيد فقط ومنهم من أطلقها وأراد بها الفروع فقط (٢) .
والرأي الراجح في معنى الشريعة عند الباحثين: هي الفرائض والحدود والأمر والنهي (٣) .
فيدخل في تعريفها التوحيد وسائر الأحكام، وهي بذلك أعم من الحكم الشرعي الذي عرفه العلماء بأنه: الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب، أو التخيير أو الوضع (٤) .
_________________
(١) ابن منظور/ لسان العرب (مادة شرع) ٨/١٧٥.
(٢) عابد السفياني/ الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية: ٢٤-٢٦.
(٣) عبد الله الكمالي/ الشريعة الإسلامية وفقه الموازنات: ص ٣٠.
(٤) شرح البدخشي على المنهاج: ١/٣٠، شرح الأسنوي على المنهاج: ١/٤٦.
[ ٦ ]
فيمثل الحكم الشرعي الوجه العملي للدين فقط، والشريعة تمثل الوجهين العقدي والعملي معًا.
ثانيًا: مصادر الشريعة
ذكر العلماء أن مصادر الشريعة الأساسية أربعة مصادر: القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، والقياس (١) .
ولا يخفى على المتأمل أن أدلة حجية الإجماع والقياس الكتاب والسنة.
أتى رجل إلى الإمام الشافعي فسأله عن الدليل في أن اتفاق الأمة حجة في الدين؟ فذهب الإمام الشافعي ولم يخرج ثلاثة أيام، ثم خرج وجاءه الشيخ فسلم ثم جلس، فقال حاجتي؟ فقال الشافعي ﵀: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] . لا يصليه – تعالى- جهنم على خلاف سبيل المؤمنين إلاّ وهو فرض. قال: فقال: صدقت. وقام وذهب. قال الشافعي: قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه (٢) .أي الدليل على أن حجية الإجماع ثابتة في الكتاب.
_________________
(١) ذكر العلماء للاستدلال مصادر غير أساسية وتسمى الأدلة الفرعية، ولم تسلم من الاختلاف بين الأصوليين وهي: الاستصحاب، شرع من قبلنا، مذهب الصحابي، الاستحسان، المصالح المرسلة. انظر: الآمدي/ الإحكام في أصول الأحكام: ٤/١٧٢-٢٠٩.
(٢) انظر الشافعي/ أحكام القرآن: ١/٣٩-٤٠.
[ ٧ ]
وكذلك رُوِيَ في السنة قوله ﷺ: (ما رآه المسلون حسنًا فهو عند الله حسن) (١) .
وذكر أهل القياس ونفاته أدلتهم من الكتاب والسنة (٢) .
وتعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي، فهو محتاج إلى كثير من البيان، والسنة إنما هي بيان للقرآن (٣) .فمصادر الشريعة: الكتاب والسنة وغيرهما تبع لهما.
ثالثًا: مقاصد الشريعة
القرآن الكريم والسنة الشريفة أتيا للتعريف بمصالح الدارين جلبا لها، والتعريف بمفاسدهما دفعًا لها.
وهذه المصالح لها ثلاثة أقسام: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيّات.
والضروريات خمس: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العرض، وحفظ المال، وحفظ العقل.
والحاجيات تدور على التوسعة، والتيسير، ورفع الحرج، والرفق في هذه المقاصد.
والتحسينيّات ترجع إلى العمل بمكارم الأخلاق وما يحسن في مجاري العادات في هذه المقاصد الخمس.
ولكل مما تقدم أمثلة عديدة وردت في الكتاب والسنة (٤) .
_________________
(١) قال الألباني: لا أصل له مرفوعًا، وإنما ورد موقوفًا على ابن مسعود. انظر السلسلة الضعيفة ٢/١٧ رقم ٥٣٣.
(٢) ابن القيم/ أعلام الموقعين: ١/١٩٥-١٩٨-٢٢٧.
(٣) الشاطبي/ الموافقات: ٤/١٨٠.
(٤) المرجع السابق: ٤/٣٤٦-٣٥٢.
[ ٨ ]
والفقهاء وهم ينظرون في السنن يجدون بالاستقراء أنه لا يمكن أن تشذ سنة فتدفع مصلحة أو تجلب مفسدة راجحة، فإن وجدت مفسدة، فهو دليل ضعفها أو كذب ناقلها.
[ ٩ ]