المبحث السادس: أنواع القرائن الصارفة عن العمل بظواهر السنن
ورد في تعريف القرينة عدة مصطلحات منها:
القرينة: الأمر الذي يصرف الذهن عن المعنى الوضعي إلى المعنى المجازي، وقيل هي: ما يدل على المراد من غير أن يكون صريحًا فيه. وقيل: أمر يشير إلى المطلوب (١) .
والمتتبع لمسائل الأمر عند جمهور الأصوليين يجد أنهم متفقون على أن القرينة بجميع أنواعها تعتبر صارفة الأمر عن حقيقته فإنه متى وجدت ترك تحديد المراد من الأمر حينئذ إليها (٢) .
فالسنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي والجميع متفقون على مكانتها المهمة من حيث الاحتجاج والعمل لكن ينبغي عدم إغفال ما تقدم من ثبوت السنة، ووضوح دلالتها، ومعرفة القرائن التي لها أثر في صرف السنة عن ظاهرها. ويوضح ذلك الأمثلة التالية:
عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر ﵁ لرسول الله ﷺ فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال له: «مره فليراجعها» (٣) . فدلّ ظاهر الحديث على وجوب الرجعة، ولكن ذهب
_________________
(١) انظر: معجم لغة الفقهاء، ص ٣٦٢، الحيفان/ القرائن الصارفة للأمر عن حقيقته: ص ١١٨.
(٢) المرجع السابق: ص ١١٦-١٣٤.
(٣) أخرجه مسلم، انظر: صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها: ١٠/٦١.
[ ٢٧ ]
١- الجمهور إلى أنها مستحبة فقط (١)،حيث ظهرت لهم قرينة صرفت الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وتلك القرينة هي: أن ابتداء النكاح لا يجب فاستدامته كذلك لا تجب، فقاس العلماء ابتداء النكاح في عدم وجوبه على استمرار وجوبه بالرجعة، فقالوا: هي أيضًا ليست بواجبة. فكان القياس قرينة على أن الأمر للندب (٢) .
٢- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده" (٣) . ظاهر الحديث يدل على وجوب غسل اليدين ثلاثًا بعد الاستيقاظ، ولكن ذهب الجمهور إلى أن الأمر للندب (٤) .
لا يدخله احتمال. فكان قرينة لصرف الأمر عن ظاهره (٥) .
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:
"إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (٦) . دلّ الحديث على وجوب الغسل يوم الجمعة. وذكر الإمام الشوكاني أن جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء
_________________
(١) سبل السلام: ٣/١١٣.
(٢) المرجع السابق: ٣/١٦٩.
(٣) رواه الجماعة إلا البخاري، انظر: صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثًا. ١/٢٣٣.
(٤) الشوكاني/ نيل الأوطار: ١/٢٩٠-٢٩١.
(٥) ابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام: ١/١٩، سبل السلام: ١/٤٧.
(٦) أخرجه الجماعة واللفظ للبخاري، انظر صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الحمعة: (٨٢٦) ٢/٤٠٩.
[ ٢٨ ]
الأمصار ذهبوا إلى أنه مستحب (١) . والقرينة الصارفة عن الوجوب أحاديث صحيحة دلّت على الاستحباب، كقوله ﷺ: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" (٢) .
وهناك أمثلة عديدة خالف فيها الجمهور ظاهر السنة لقرينة قوية ظهرت لهم. وهم في هذا الأمر مخالفون لبعض الظاهرية الذين لا يبالون بأي قرينة إذا خالفت ظاهر السنة (٣) .
_________________
(١) نيل الأوطار: ١/٢٩٠-٢٩١.
(٢) أخرجه مسلم، انظر صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب فضل من استمع وأنصت في الخطبة: ٢/٥٨٨ (٨٥٧) .
(٣) من أعجب أقوال الظاهرية: أن الرجل إذا بال في قارورة أو في إناء ثم صبه في الماء الدائم فإنه لا ينجس ولا يكون منهيًا عنه‘ وما ذلك إلا لمنعهم النظر في الحديث ومنعهم القول بالقرائن، ومن أمثلة النظر في القرائن التي يذهب إليها جمهور الفقهاء موقفهم من عدم وجوب الاضطجاع بعد ركعتي سنة الفجر انظر: الشوكاني/ نيل الأوطار: ١/٢٣٩-٢٤١، سبل السلام: ١/٢١، ٢/٦.
[ ٢٩ ]