تنقسم سنة رسول الله ﷺ من حيث دلا لتها إلى ثلاثة أقسام: أقوال، أفعال، تقريرات. ولكل قسم فرع ولكل فرع دلالة ذكرها العلماء.
القسم الأول:
أقواله ﷺ وهي على خمسة أنواع: أوامر وهي تدل على الوجوب ما لم
_________________
(١) الدلالات لغة: مفردها دلالة من دلّه على الشيء إذا أرشده إليه، والدليل المرشد. واصطلاحًا: وضع الشيء بحيث يفهم منه شيء آخر وقسمها الجمهور إلى قسمين؛ منطوق: وهو ما يفهم من اللفظ في محل النطق، ومفهوم وهو ما يفهم من اللفظ لا في محل النطق. وقسّم الأصوليون الألفاظ الواضحة الدلالة إلى قسمين نص وظاهر، فالنص بهذا المفهوم هو ما كانت دلالته قطعية وهو المقصود من القاعدة " لا اجتهاد مع نص". والظاهر ما كانت دلالته راجحة فقط، الأحكام الشرعية تارة تؤخذ من نص الكتاب والسنة وتارة تؤخذ من ظاهرهما. انظر: ابن بيه/ أمالي الدلالات: ص ٥٨، سعد العثماني: الفقه الدعوي مساهمة في التأصيل: ص ١٧، السعدي/ رسالة مختصرة في أصول الفقه: ١٢٣.
[ ٢٢ ]
يقم دليل على خروج الوجوب إلى الندب وغيره (١) . وللوجوب صور وأمثلة. (٢) .
ونواهٍ، والنهي عند الجمهور يفيد التحريم ما لم تأت قرينة أو دليل يصرفه عن التحريم إلى الكراهة (٣) .وللتحريم صور وأمثلة (٤)
وإذا مدح رسول الله ﷺ أمرًا، أو أثنى عليه دون أن يأمر به فإنه يدل على استحباب ذلك الأمر (٥) . وله صور وأمثلة (٦) .
وإذا ذم الرسول ﷺ أمرًا ولم ينه عنه أو يتوعد عليه بعقوبة فإنه يدل على الكراهة (٧) . وله صور وأمثلة (٨)
_________________
(١) أصول السرخسي: ١/١٥، الأصفهاني/ مختصر ابن الحاجب: ٢/١٩، الخبازي/ المغني في أصول الفقه: ص ٣٠، ابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام: ١/١٩.
(٢) صيغة الوجوب لها صور، فعل الأمر مثل قوله (: «تنزهوا من البول»، أو فعل مضارع مسبوق بلام الأمر مثل قوله (: «فليستطب بثلاثة أحجار» أو بذكر صريح الوجوب مثل قوله (: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» أو بقرن الفعل بعقوبة على تركه مثل قوله (: «رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد» الباحثة/ مدخل لدراسة أحاديث الأحكام، مجلة أم القرى، العدد ١٨.
(٣) أصول السرخسي: ١/٧٩، الخبازي/ المغني في أصول الفقه: ص ٦٧، الأصفهاني/ بيان المختصر: ٢/٨٧.
(٤) صيغة التحريم لها صور، لفظ النهي مثل حديث «نهى رسول الله (عن كل ذي ناب » لا الناهية مثل حديث: «لا يخلونّ رجل بامرأة..» أو بذكر التحريم مثل حديث «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام»، أو بذكر الفعل مقرونًا بالعقوبة مثل حديث «لعن الله الواصلة » الباحثة/ المدخل لدراسة أحاديث الأحكام.
(٥) ابن حزم/ الإحكام في أصول الأحكام: ٣/٣٠٥.
(٦) انظر الباحثة/ المدخل لدراسة أحاديث الأحكام.
(٧) ابن حزم / الإحكام في أصول الأحكام: ١/٢٤١.
(٨) حديث جابر بن عبد الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ضُلِّل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم قال: «ليس من البر الصيام في السفر» أخذ العلماء منه كراهة الصوم في السفر لمن يجهده ويشق عليه. انظر ابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام: ٢/٢٥.
[ ٢٣ ]
أما إذا قال الرسول ﷺ عن شيء: «شأنكم به» فمعناه أمره إليكم فمن شاء فعله، ومن شاء تركه، فيدل هذا القول على الإباحة (١) ففي الحديث عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ سمع أصواتًا، فقال: ما هذا الصوت؟ قالوا: النخل يؤبرونها (٢) . فقال: لو لم يفعلوا لصلح. فلم يؤبروها عامئذ، فصار شيصًا (٣)، فذكروا للنبي ﷺ فقال: إن كان شيئًا من أمور دنياكم فشأنكم به، وإن كان من أمور دينكم فإلي» (٤) .
وكذلك قوله ﷺ عن شيء هذا حلال فإنه يدل على الإباحة. كقوله ﷺ عن البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٥) .
أما القسم الثاني فدلالات أفعاله ﷺ، ولها ثلاثة فروع:
١- أفعال تدل على الإباحة، ولا قدوة فيها للأمة. ولها ثلاث صور:
الفعل الجبلي الطبيعي المركوز في أصل الخِلْقة (٦):
والمقصود به المحبة والكراهة الطبيعيتان، كحبه ﷺ الحلواء والعسل والدباء والثريد من الخبز واللحم ومن الشراب الحلو البارد، وكراهته لرائحة الحناء (٧) .
_________________
(١) ابن حزم/ الإحكام في أصول الأحكام: ٣/٣٠٥.
(٢) يُؤبرونها: يُلقحونها والمأبورة المُلقّحة. انظر: ابن الأثير/ النهاية باب الهمز مع الباء، ١/١٣.
(٣) شيصًا: الشيص التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى، وقد لا يكون له نوى. انظر المرجع السابق باب الشين مع الباء، ٢/ ٥١٨.
(٤) أخرجه أحمد، وابن ماجه وصححه الشيخ الألباني، انظر المسند: ٦/١٢٣، سنن ابن ماجه كتاب الرهون، باب تلقيح النخل: ٢/٨٢٥، صحيح ابن ماجه (٢٤٧١) ٢/٦٤.
(٥) أخرجه أبو داود (٨٣) وصححه الشيخ الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود: كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، (٧٦) ١/١٩.
(٦) قلعة جي/ معجم لغة الفقهاء: ص ١٦٠.
(٧) ابن القيم/ زاد المعاد: ٣/١٥٦، ١٧٩.
[ ٢٤ ]
o الفعل العادي: ويقصد بالأمور العادية ما سوى الأمور العبادية أي ما فعله الرسول ﷺ على عادة قومه ومألوفهم مما لم يدل دليل على ارتباطه بالشرع، مثال ذلك: لبسه ﷺ الثوب المخطط، وإطالة شعره، وأنواع الطيب والعطور.
o الفعل الدنيوي: كالوسائل التي استخدمها الرسول ﷺ في الطب والزراعة والتجارة والتدابير من اتخاذ الولاة والحراس والسفراء (١)
٢- أفعال خاصة به ﷺ:
إذا ثبتت الخصوصية في فعل من أفعال النبي ﷺ فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه، وذلك إجماع (٢)، كاختصاصه ﷺ بوجوب الوتر والتهجد بالليل.
وقد تكون واجبة عليه محرمة على أمته، كاختصاصه بإباحة الوصال في الصوم فلا يفطر بين اليومين أو الأيام (٣) .
٣- أفعال تدل على الوجوب أو الندب في حقه ﷺ وحق أمته:
كالأفعال التي تصدر عنه ﷺ بيانًا لآية دالة على الوجوب في حقه وحقنا كبيانه صلاة الظهر وأنها أربع ركعات، والجمعة وأنها ركعتان، وبيانه ﷺ لكيفية الصلاة، ففي الحديث: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبّر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صُلبه من الركعة ثم يقول: وهو قائم: ربنا ولك الحمد ثم يكبّر حين يهوي، ثم يكبر
_________________
(١) الأشقر/ أفعال الرسول (: ١/٢١٦.
(٢) الآمدي/ الإحكام في أصول الأحكام: ١/٢٤٧.
(٣) معجم لغة الفقهاء: ص ٥٠٣.
[ ٢٥ ]
حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حين يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» (١) .
أما الأفعال التي يفعلها ﷺ من ذات نفسه مطابقًا لما فرضه الله تعالى له من إنشاء بعض الأحكام فإن دل الدليل على أنه ﷺ فعله واجبًا دل على وجوبه، وإن دل الدليل على أنه فعله ندبًا كان مندوبًا في حقه وحق أمته (٢) . مثال ذلك ما ورد في الحديث «كان ﷺ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وفي شأنه كله» (٣) ." يعجبه" دليل أن هذا الفعل للاستحباب.
أما القسم الثالث: تقريراته ﷺ:
إذا رأى الرسول ﷺ شيئًا، أو علمه، فسكت عنه ولم ينكره، فهذا يدل على إباحته لذلك الشيء فقط غير موجب له، ولا ندب إليه (٤) .
عن عمرو بن خارجة ﷺ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ بمنى وهو على راحلته ولعابها يسيل على كتفي» (٥) .دلّ الحديث على أن لعاب ما يؤكل لحمه طاهر، وهو مبني على أنه ﷺ علم سيلان لعاب الناقة على الصحابي راوي الحديث ولم يأمره بغسله، ولا إزالته. وأخذ العلماء بذلك فلم ينقل عن أحد من الأئمة القول بوجوب غسل لعاب ما يؤكل لحمه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بالاتفاق (٦) .
_________________
(١) متفق عليه، واللفظ للبخاري، انظر: صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب إتمام التكبير إذا قام من السجود: (٧٤٦) ١/٧٤٦.
(٢) أفعال الرسول ﷺ: ١/٣٢٥-٣٧٢.
(٣) متفق عليه، واللفظ للبخاري، كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل: ١/١٤٣ (١٦٤) .
(٤) ابن حزم/ الإحكام في أصول الأحكام: ١/١٤٩.
(٥) أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، انظر: المسند: ٤/١٨٦، سنن ابن ماجه، أبواب الوصايا، باب لا وصية لوارث: ٢/١١٧، سنن الترمذي، أبواب الوصايا، باب لا وصية لوارث: ٣/٢٩٤.
(٦) الصنعاني، سبل السلام: ١/٣٦
[ ٢٦ ]