التقى فارسان، فكانت بينهما لوحة معلقة، بيضاء من جهة أحدهما، سوداء من جهة الآخر، قال الأول: ما أجمل هذه اللوحة البيضاء؟، قال الثاني: إنها سوداء، وتجادلا حتى كَادَا يَقْتَتِلاَنِ، وأدركهما فارس ثالث، يعلم حقيقة اللوحة، فقال لهما: لا عليكما. تبادلا المواقع. فتبادلا، فوجد كل منهما أنَّ صاحبه كان على صواب.
وهكذا كثير من الخلافات بين الباحثين، تنشأ من عدم التلاقي على اصطلاح واحد أو عدم تحديدهم لموطن البحث، فيحكم كل منهم على شىء غير ما يحكم عليه الآخر وقد تكون عبارة الحكم غير دقيقة، كَأَنْ يُعَمَّمَ الحُكْمُ وَيُرِيدُ بِهِ خَاصًّا، أَوْ يُخَصَّصُ وَيُرِيدُ العُمُومَ، ولو حرر المراد ربما بطل الإيراد.
وموضوعنا (السُنَّةُ وَالتَّشْرِيعُ - أَوْ السُنَّةُ تَشْرِيعِيَّةٌ وَغَيْرُ تَشْرِيعِيَّةٍ - أَوْ السُنَّةُ كُلُّهَا تَشْرِيعٌ) موضوع أثير في هذه الأيام، وَعَالَجَهُ المُتَخَصِّصُ وَغَيْرُ المُتَخَصِّصِ، وكتبت فيه كتابات سطحية، وكتابات علمية. والتبس فيه الحق بالباطل، وكثر فيه اللغو، ونصبت حوله الشُبُهَاتُ، حتى كادت الحقيقة العلمية تختفى وراء الظلال.
ولو حرر المراد لانقشع الكثير من السحب، وربما تَمَّ الاتفاق بين المختلفين إذا صلح القصد وخلصت النيات.
القَضِيَّةُ مُكَوَّنَةٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: السُنَّةُ وَالتَّشْرِيعُ.
وَالسُنَّةُ في اللغة الطريقة مُطْلَقًا، حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً، وفي التنزيل: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ (١).
قال الزجاج: «سُنَّةُ الأوَّلِينَ أَنَّهُمْ عَايَنُوا العَذَابَ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾» (٢).
وفي الحديث: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا» (٣).
وكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده قيل: هو الذى سَنَّهُ.
وفي حديث المجوس: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (٤) أي خذوهم وعاملوهم على طريقة أهل الكتاب واقبلوا منهم الجزية (٥).
والسُنَّةُ عتد الفقهاء تعدل المندوب والمُستحَبَّ، فهي حكم شرعى للفعل المطلوب
_________________
(١) [سورة الكهف، الآية: ٥٥].
(٢) [سورة الأنفال، الآية: ٣٢].
(٣) أخرجه مسلم - كتاب الزكاة.
(٤) أخرجه مالك في " الموطأ " - كتاب الزكاة.
(٥) " لسان العرب ": ١٣/ ٢٢٥.
[ ٥٣ ]
طَلَبًا غير جازم، يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه، فيقال مثلا: ركعتان قبل صلاة الصبح سُنَّةٌ وركعتا تحية المسجد سُنَّةٌ، وهذا المعنى هو المراد من قول ابن عباس: «لَيْسَ بِسُنَّةٍ» فيما رواه الامام أحمد في " مسنده " عن أبي الطفيل. قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: «يَزْعُمُ قَوْمُكَ أنَّ رسول الله - ﷺ - رَمَلَ بِالْبَيْتِ، وأنَّ ذلك سُنَّةٌ؟». فَقَالَ: «صَدَقُوا، وَكَذَبُوا». قلتُ: «مَا صَدَقُوا؟ وَمَا كَذَبُوا؟». قال: «صَدَقُوا. رَمَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْبَيْتِ، وَكَذَبُوا. لَيْسَ بسُنَّةٍ، إِنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ: دَعُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ - حَتَّى يَمُوتُوا مَوْتَ النَّغَفِ (*)، فَلَمَّا صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَقْدِمُوا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَيُقِيمُوا بِمَكَّةَ ثَلاثًةَ أَيَّامٍ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلِ [قُعَيْقِعَانَ] ()، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ارْمُلُوا بِالْبَيْتِ ثَلاثًا» (**) وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ. قلتُ: ويزعم قومك أنه طاف بين الصفا والمروة على بعير؟ وأنَّ ذلك سُنَّةٌ؟ فقال: صدقوا، وكذبوا، فقلت: وما صدقوا؟ وما كذبوا؟ فقال: صدقوا قد طاف بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا ليس بسُنَّة، كانوا لا يدفعون عن رسول الله ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير، ليسمعوا كلامه، ولا تناله أيديهم. قلت: ويزعم قومك أنَّ رسول الله - ﷺ - سعى بين الصفا والمروة، وأنَّ ذلك سُنَّة؟ قال: صدقوا .. الحديث (٦).
فابن عباس أراد بِالسُنَّةِ مَا هُوَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا يُثَابُ فَاعِلُهُ، فنفى أَنْ يكون الرمل في الطواف سُنَّةٌ مُلْزِمَةٌ مطلوبة يثاب عليه، وهو رأي لابن عباس، وعلى خلافه جمهور الفقهاء، إذ يرون أنه مستحب، لحديث ابن عمر الذي رواه " البخاري " و" مسلم ".
والمقصود هنا أَنَّ ابن عباس استعمل لفظ السُنَّةِ في المطلوب شَرْعًا، ولم يرد به السُنَّة عند الأُصُولِيِّينَ، وَالمُحَدِّثِينَ [أَقْوَالُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَفْعَالُهُ وَتَقْرِيرَاتُهُ] فأثبت فعل النبي - ﷺ - وَنَفَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، فمن شاء رمل، ومن شاء لم يرمل.
والسُنَّة عند الأُصُولِيِّينَ [أَقْوَالُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَفْعَالُهُ وَتَقْرِيرَاتُهُ] وَالمُحَدِّثُونَ يزيدون على هذه [وَصِفَاتُهُ الخَلْقِيَّة وَالخُلُقِيَّة] فهي عندهم تساوي الحديث المرفوع.
أما لفظ التشريع فهو الحكم الشرعي لكل فعل من أفعال المُكَلَّفِينَ، سواء أكان الحكم هو الوجوب أم الحرمة أم الندب أم الكراهة أم الإباحة.
وَلاَ شُبْهَةَ فِي أَنَّ الحرمة والوجوب والكراهة والندب حكم شرعي، إنما قد توجد
_________________
(١) (*) (النغف بفتح النون والغين دودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم). (**) الرمل: المشي بسرعة مع تقارب الخطا، أشبه بالهرولة. () [(قُعَيْقِعَانُ) جبل في مكة كانت قريش مشرفة من عليه].
(٢) أخرجه أحمد: ١/ ٢٩٦.
[ ٥٤ ]
شُبْهَةٌ عند البعض فِي أنَّ الإباحة حُكْمٌ شَرْعِىٌّ، والدارس لأصول الفقه يعلم من أئمته أَنَّ الإباحة حكم شرعي.
فالآمدى يُعَرِّفُ المباح بأنه ما دَلَّ الدليل السمعى على خطاب الشارع بِالتَّخْيِيرِ فيه بين الفعل والترك من غير بدل. (٧).
والفخر الرازي يقول: القسم الثاني للإباحة، وتثبت بطرق ثلاثة:
[١] أَنْ يقول الشارع: إِنْ شئتم فافعلوا، وإنْ شئتم فاتركوا.
[٢] أَنْ تدل أخبار الشرع على أنه لا حرج في الفعل والترك.
[٣] أنْ لا يتكلم الشرع فيه البتة، ولكن انعقد الإجماع مع ذلك أَنَّ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ طلب فعل ولا طلب ترك فالمكلف فيه غير مُخَيَّرٍ.
فالإباحة لا تتحقق إلاَّ على أحد هذه الوجوه الثلاثة المذكورة، وفي جميعها خطاب الشرع دَلَّ عليها، فكانت الإباحة من الشرع (٨).
وَالإِمَامُ الجُوَيْنِيُّ يَقُولُ: «المُبَاحُ مَا خَيَّرَ الشَّارِعُ فِيهِ بَيْنَ الفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِنْ غَيْرِ اقْتِضَاءٍ وَلاَ زَجْرٍ، وَلاَ حُكْمَ عَلَى العُقَلاَءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الأَحْكَامَ هِيَ الشَّرَائِعُ بِأَعْيَانِهَا، وَقَدْ افْتَرَقَتْ المُعْتَزِلَةُ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَا لاَ يُعَيِّنْ العَقْلُ فِيهِ قُبحًا وَلاَ حُسْنًا فَهُوَ عَلَى الحَظْرِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ عَلَى الإِبَاحَةِ» (٩).
وَالشَّاطِبِيُّ يَقُولُ: «المَقْصَدُ الشَّرْعِيُّ مِنْ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ إِخْرَاجُ المُكَلَّفِ مِنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ، حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا للهِ اخْتِيَارًا، كَمَا هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ اضْطِرَارًا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ لأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى مُقْتَضَى تَشَهِّي الْعِبَادِ وَأَغْرَاضِهِمْ؛ إِذْ لاَ تَخْلُو أَحْكَامُ الشَّرْعِ مِنَ الْخَمْسَةِ [إما الوجوب أو التحريم أو الندب أو الكراهة أو الإباحة].
أَمَّا الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ، فَظَاهِرٌ مُصَادَمَتُهَا لِمُقْتَضَى الاسْتِرْسَالِ الدَّاخِلِ تَحْتَ الاخْتِيَارِ؛ إِذْ يُقَالُ لَهُ: «افْعَلْ كَذَا» كَانَ لَكَ فِيهِ غَرَضٌ أَمْ لاَ، وَ«لاَ تَفْعَلْ كَذَا». كَانَ لَكَ فِيهِ غَرَضٌ أَمْ لاَ [وَأَمَّا سَائِرُ الأَقْسَامِ]- وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الدُّخُولَ تَحْتَ [خِيَرَةِ] الْمُكَلَّفِ، فَإِنَّمَا دَخَلَتْ بِإِدْخَالِ الشَّارِعِ لَهَا تَحْتَ اخْتِيَارِهِ، فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى إِخْرَاجِهَا عَنِ اخْتِيَارِهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الْمُبَاحَ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ وَغَرَضٌ؟، وَقَدْ لاَ يَكُونُ؟ [فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ لَيْسَ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ، بَلْ فِي رَفْعِهِ مَثَلًا، كَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ اخْتِيَارِهِ؟] فَكَمْ مِنْ صَاحِبِ هَوًى يَوَدُّ لَوْ كَانَ الْمُبَاحُ الْفُلاَنِيُّ مَمْنُوعًا، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ وُكِّلَ إِلَيْهِ مَثَلًا تَشْرِيعُهُ لَحَرَّمَهُ، كَمَا يَطْرَأُ لِلْمُتَنَازِعَيْنِ فِي حَقٍّ فَسُبْحَانَ الَّذِي أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (١٠).
_________________
(١) " الإحكام في أصول الأحكام ": ١/ ١٢٣.
(٢) " المحصول من علم الأصول ": ص ٣٥٨.
(٣) " إمام الحرمين ": ١/ ٩٩ وما بعدها.
(٤) [سورة المؤمنون، الآية: ٧١]. [انظر صفحة ٧٧ من هذا الكتاب].
[ ٥٥ ]
فإذن، إِبَاحَةُ الْمُبَاحِ مَثَلًا لاَ تُوجِبُ دُخُولَهُ بِإِطْلاَقٍ تَحْتَ اخْتِيَارِ المُكَلَّفِ، إِلاَّ مِنْ حَيْثُ كَانَ قَضَاءً مِنَ الشَّارِعِ، وَإِذْ ذَاكَ يَكُونُ اخْتِيَارُهُ تَابِعًا لِوَضْعِ الشَّارِعِ، وَغَرَضُهُ مَأْخُوذًا مِنْ تَحْتِ الإِذْنِ الشَّرْعِيِّ» (١١).
فالإباحة على ما سبق حكم شرعي، نقل الآمدي اتفاق المسلمين على ذلك وَبَيَّنَ أنه لم يخالف في ذلك إلاَّ بعض المعتزلة (١٢).
وموضوعنا أخص من ذلك الحكم العام، موضوعنا: هَلْ فِعْلُ النَّبِىِّ - ﷺ - أَوْ قَوْلُهُ أَوْ تَقْرِيرُهُ لِفِعْلٍ مِنَ الأَفْعَالِ يُعْطَى حُكْمًا شَرْعِيًّا؟ أقل ما يقال عنه: إنه رفع الحرج عن فعله؟ أو لا يعطى هذا الحكم؟.
«أَكَلَ - ﷺ - القِثَّاءَ بِالرُّطَبِ» (١٣)، هل يفيد هذا إباحة أكل القثاء بالرطب أو لا يفيد؟ هل يفيد هذا جواز الجمع بين لونين من الطعام أو لا يجيز؟ لو سألنا المخالف: ما الحكم الشرعى لأكل القثاء بالرطب؟ هل هو حلال جائز؟ أو حرام ممنوع؟ ماذا يقول؟ لا مناص له من أنْ يقول: حلال جائز، فإذا قلنا له: ما دليلك؟ قال: فعله النبى - ﷺ -.
واذا سألنا المُخَالِفَ: ما الذي يدل عليه فعل الرسول - ﷺ - لفعل من الأفعال؟ لا مناص له من أَنْ يقول: يدل على مطلق الإذن الذي يشمل الوجوب والندب والإباحة ما لم يوجد دليل على تعيين واحد منها. إلى هذا ذهب جمهور الأُصُولِيِّينَ، وقال بعضهم: يفيد الوجوب إلاَّ إذا وجدت قرينة مانعة من الوجوب، وقال بعضهم: يفيد الاستحباب إلاَّ إذا وجدت قرينة مُعَيَّنَةٌ لغيره.
قال إمام الحرمين: «الأَفْعَالُ الجِبِلِيَّةُ التِي لاَ يَخْلُو ذُو الرُّوحِ عَنْ جَمِيعِهَا كَالسُّكُونِ وَالحَرَكَةِ وَالقِيَامِ وَالقُعُودِ وَمَا ضَاهَاهَا مِنْ تَغَايُرِ أَطْوَارِ النَّاسِ لاَ اسْتِمْسَاكَ بِهَا مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ - ﷺ - (أَيْ لاَ اِلْتِزَامَ بِالاِقْتِدَاءِ بِهَا وُجُوبًا أَوْ اِسْتِحْبَابًا) أَمَّا مَا عَدَاهَا مِمَّا يَقَعُ فِي سِيَاقِ القُرْبِ فَقَدْ ذَهَبَتْ طَوَائِفٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّ فِعْلَهُ - ﷺ - مَحْمُولٌ عَلَى الوُجُوبِ وَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعَهُ فِيهِ، وَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ فِعْلَهُ لاَ يَدُلُّ عَلَى الوُجُوبِ، وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، وَفِي كَلاَمِ الشَّافِعِىِّ مَا يَدُلُّ عَلَىَ ذَلِكَ، وَذَهَبَ [الوَاقِفِيَّةُ] إِلَىَ الوَقْفِ».
ثم قال: «فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الفِعْلَ بِعَيْنِهِ يَقْتَضِيَ الاِسْتِحْبَابَ فَهُوَ زَلَلٌ، [فَإِنَّ الفِعْلَ لاَ صِيْغَةَ لَهُ] وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لاَ يَتَأَسَّى بِفِعْلِ المُصْطَفَىَ - ﷺ - فِيمَا ثَبَتَ قَصَدَ القُرْبَ فِيهِ فَقَدْ أَبْعَدَ [أَيْضًا]».
ثُمَّ قَالَ: «وَأَمَّا فِعْلَهُ المُرْسَلَ، الذِي لاَ يَظْهَرُ وُقُوعَهُ مِنْهُ عَلَىَ قَصْدِ [القُرْبَةِ] (وَهُوَ
_________________
(١) " الموافقات " للشاطبي: ١/ ١٢٢ وما بعدها، بتصرف.
(٢) " الإحكام في أصول الأحكام ": ١/ ١٢٣.
(٣) أخرجه " البخاري " / كتاب الأطعمة - باب القثاء بالرطب.
[ ٥٦ ]
مَوْضُوعُ بَحْثِنَا) فَقَدْ ذَهَبَ طَوَائِفٌ مِنْ حَشْوِيَّةِ الفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الوُجُوبِ، عُزِيَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ سُرَيْجٍ أَمَّا الوَاقِفِيَّةُ فَيُطْرَدُونَ [مَذَاهِبَهُمْ] فِي الوَقْفِ [فِي هَذِهِ الصُّوَرَةِ أَظْهَرُ]، وَأَمَّا أَصْحَابُ النَّدْبِ فَقَدْ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ، وَهُوَ رَدِيءٌ مُزَيَّفٌ».
ثم قال: «فَالمُخْتَارُ إِذَنْ أَنَّ فِعْلَهُ - ﷺ - لاَ يَدُلُّ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ يُثَبِتُ عِنْدَنَا وُجُوبَ حَمْلِهِ عَلَى نَفْيِ الحَرَجِ فِيهِ عَنْ الأُمَّةِ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الاخْتِيَارِ إِلَى عِلْمِنَا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَوْ اخْتَلَفُوا فِي حَظْرٍ أَوْ إِبَاحَةٍ فَنَقَلَ النَّاقِلِ فِي مَوْضِعِ اخْتِلاَفِهِمْ فِعْلًا عَنْ المُصْطَفَىَ - ﷺ - لَفَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ لاَ حَرَجَ عَلَىَ الأُمَّةِ فِي فِعْلِهِ. وُجَاحِدُ هَذَا جَاهِلٌ بِمَسَالِكِ النَّقْلِ فَضْلًا عَنْ المَعْنَى وَاللَّفْظِ» (١٤) ثم قال: «وَالذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأُصُولِيِّينَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِذَا رَأَىَ مُكَلَّفًا يَفْعَلُ فِعْلًا، أَوْ يَقُولُ قَوْلًا، فَقَرَّرَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ شَرْعًا مِنْهُ فِي رَفْعِ الحَرَجِ فِيمَا رَآهُ» (١٥) وقال الشاطبى: «جُمْهُورُ الأُصُولِيِّينَ يَرَوْنَ أَنَّ الفِعْلَ مِنَ الرَّسُولِ - ﷺ - يَدُلُّ عَلَىَ مُطْلَقِ الإِذْنِ الذِي يَشْمَلُ الوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَالإِبَاحَةَ، مَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ عَلَىَ تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَكَوْنُ الفِعْلِ صَادِرًا عَنْ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ - بِوَصْفِهِ بَشَرًا كَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الجِبِلِيَّةِ قَرِينَةً عَلَىَ أَنَّ الفِعْلَ يُفِيدُ الإِبَاحَةَ، لاَ الوُجُوبَ وَلاَ النَّدْبَ» (١٦).
هذه النصوص سُقْنَاهَا لِنُحَدِّدَ المُرَادَ من قضيتنا [السُنَّةُ كُلُّهُا تَشْرِيعٌ] وَقَدْ بَيَنَّا أَنَّ المُرَادَ من السُنَّةِ أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وتقريراته، وَأَنَّ المُرَادَ من التشريع إثبات حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، ولو الإباحة، فأصبح المدلول: أقوال النبى - ﷺ - وأفعاله وتقريراته كلها تثبت حُكْمًا شَرْعِيًّا.
يؤكد هذا المعنى الإمام ابن تيمية - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فيقول: «فَكُلُّ مَا قَالَهُ - ﷺ - بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُنْسَخْ فَهُوَ تَشْرِيعٌ، لَكِنَّ التَّشْرِيعَ يَتَضَمَّنُ الإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ وَالإِبَاحَةَ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ المَنَافِعِ فِي الطِّبِّ. فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ [ذَلِكَ] الدَّوَاءِ وَالانْتِفَاعَ بِهِ فَهُوَ شَرْعٌ لإِبَاحَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ شَرْعًا لاسْتِحْبَابِهِ وَالمَقْصُودُ: أَنَّ جَمِيعَ أَقْوَالِهِ يُسْتَفَادُ مِنْهَا شَرْعٌ» (١٧).
وَيُصَرِّحُ بهذه القضية بوضوح عُمْدَةُ المُحَقِّقِينَ الأُصُولِيِّينَ الأستاذ الدكتور عبد الغني عبد الخالق (١٨) إذ يقول - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «فَكُلُّ مَا تَلَفَّظَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَا عَدَا القُرْآنِ - أَوْ ظَهَرَ مِنْهُ، مِنْ ابْتِدَاءِ رِسَالَتِهِ إِلَى نِهَايَةِ حَيَاتِهِ، فَهُوَ مِنْ سُنَّتِهِ، سَوَاءٌ أَثَبَتَ حُكْمًا
_________________
(١) " البرهان " لإمام الحرمين: ١/ ٤٨٧ وما بعدها. [انظر صفحة ٧٠ من هذا الكتاب].
(٢) المصدر السابق: ص ٤٩٨.
(٣) " الموافقات ": ٤/ ٥٨. [انظر صفحة ٦٩ من هذا الكتاب].
(٤) " مجموعة الفتاوى ": ١٨/ ١١، ١٢.
(٥) كان - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أستاذًا ورئيس قسم أصول الفقه في كلية الشريعة - جامعة الأزهر - توفي سَنَةَ ١٩٨٣ م.
[ ٥٧ ]
عَامًّا لِسَائِرِ أَفْرَادِ الأُمَّةِ - وَهَذَا هُوَ الأَصْلُ - أَمْ أَثْبَتَ حُكْمًا خَاصًّا بِهِ - ﷺ - أَوْ خَاصًّا بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ - ﵃ - وَسَوَاءٌ أَكَانَ فِعْلُهُ - ﷺ - جِبِلَّيًّا أَمْ كَانَ غَيْرَ جِبِلِّيٍّ، فَمَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَصْدُرُ عَنْهُ - ﷺ - إِلاَّ وَيُثَبِتُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، يَجِبُ اعْتِقَادُ ثُبُوتِهِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ إِيجَابًا أَوْ نَدْبًا أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ كَرَاهَةً أَوْ إِبَاحَةً، وَبِقَطْعِ النَّظَرِ أَيْضًا عَنْ كَوْنِهِ عَامًّا لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، أَوْ خَاصًّا بِالبَعْضِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ ذَلِكَ البَعْضُ، وَبِقَطْعِ النَّظَرِ كَذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ طَبِيعِيٍّ جِبِلِّيٍّ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الأَفْعَالِ الاخْتِيَارِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ» (١٩).
هذه القضية [السُنَّةُ كُلُّهُا تَشْرِيعٌ]، لم يخالف فيها أحد من علماء المسلمين في أربعة عشر قرنًا مضت، ولم نسمع ولم نعلم أَنَّ وَاحِدًا من علماء المسلمين قَسَّمَ السُنَّةَ أي الحديث، إلى تشريع وإلى غير تشريع، حتى كان النصف الثاني من القرن الخامس عشر الهجري، فكان أول من قَسَّمَ السُنَّةَ إلى تشريع وإلى غير تشريع فضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت في كتابه: " الإسلام عقيدة وشريعة ".
ويقول الدكتور يوسف القرضاوى: «وَعَنْ الشَّيْخِ شَلْتُوتْ أَخَذَ الكَثِيرُ مِنْ المُعَاصِرِينَ فِيمَا كَتَبُوهُ عَنْ السُّنَّةِ وَتَقْسِيمِهَا إِلَىَ تَشْرِيعِيَّةٍ وَغَيْرِ تَشْرِيعِيَّةٍ» (٢٠).
والتحقيق أنَّ الذين ساروا في ركاب الشيخ شلتوت ليسوا كثيرين، فهم حتى اليوم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، وسنعرض آرَاءَهُمْ وَشُبَهَهُمْ، ثم نناقشها مناقشة موضوعية علمية إِنْ شاء اللهُ.
ماذا يقول فضيلة الشيخ محمود شلتوت؟
يَقُولُ: «مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - وَدُوِّنَ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ عَلَى أَقْسَامٍ:
- أَحَدُهَا: مَا سَبِيِلُهُ سَبِيِلُ الحَاجَةِ البَشَرِيَّةِ كَالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَالمَشْيِ وَالتَّزَاوُرِ وَالمُصَالَحَةِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ بِالطُّرُقِ العُرْفِيَّةِ وَالشَّفَاعَةِ وَالمُسَاوَمَةِ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
- ثَانِيهَا: مَا سَبِيِلُهُ سَبِيِلُ التَّجَارِبِ وَالعَادَةِ الشَّخْصِيَّةِ أَوْ الاجْتِمَاعِيَّةِ، كَالذِي وَرَدَ فِي شُؤُونِ الزِّرَاعَةِ وَالطَبِّ وَطُولِ اللِّبَاسِ وَقَِصَرِهِ.
- ثَالِثُهَا: مَا سَبِيِلُهُ التَّدْبِيرُ الإِنْسَانِيُّ أَخْذًا مِنَ الظُّرُوفِ الخَاصَّةِ، كَتَوْزِيعِ الجُيُوشِ عَلَى
_________________
(١) " بحوث في السُنَّة المشرفة " للأستاذ الدكتور عبد الغني عبد الخالق: ص ١٥.
(٢) انظر " مجلة مركز بحوث السُنَّة والسيرة " - جامعة قطر - العدد الثالث: ص ٣٢ وما بعدها.
[ ٥٨ ]
المَوَاقِعِ الحَرْبِيَّةِ، وَتَنْظِيمِ الصُّفُوفِ فِي المَوْقَِعَةِ الوَاحِدَةِ، وَالكُمُونِ وَالفَرِّ، وَاخْتِيَارِ أَمَاكِنَ النُّزُولِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَمِدُ عَلَى وَحْيٍ الظُّرُوفِ وَالدُّرْبَةِ الخَاصَّةِ.
وَكُلُّ مَا نُقِلَ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ الثَّلاَثَةِ لَيْسَ شَرْعًا يَتَعَلَّقُ بِهِ طَلَبُ الفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشُّؤُونِ البَشَرِيَّةِ التِي لَيْسَ مَسْلَكَ الرَّسُولِ فِيهَا تَشْرِيعًا وَلاَ مَصْدَرٌ تَشْرِيعِ» (٢١).
ثم يقول:
«وَمِنْ هُنَا نَجِدُ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ صُوِّرَ بِأَنَّهُ شَرْعٌ أَوْ دِينٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ مَنْدُوبٌ، وَهُوَ لَمْ يَكُنْ فِي الحَقِيقَةِ صَادِرًا عَلَى وَجْه التَشْرِيعِ أَصْلًا، وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي الأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنْهُ بِصِفَتِهِ البَشَرِيَّةِ، أَوْ بِصِفَةِ العَادَةِ وَالتَّجَارِبِ» (٢٢).
فالشيخ شلتوت ينفي التشريع بأحكامه الأربعة [الوجوب والندب والحرمة والكراهة] عن جميع أقواله وأفعاله وتقريراته - ﷺ - الواردة في هذه الأمور الثلاثة، إذ يقول: «وَكُلُّ مَا نُقِلَ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ الثَّلاَثَةِ لَيْسَ شَرْعًا يَتَعَلَّقُ بِهِ طَلَبُ الفِعْلِ وَالتَّرْكِ».
وينفي تشريع حكم الإباحة في هذه الأمور الثلاثة، إذ يقول: «وَإِنَّمَا هُوَ - أَيْ مَا نُقِلَ - مِنَ الشُّؤُونِ البَشَرِيَّةِ التِي لَيْسَ مَسْلَكَ الرَّسُولِ فِيهَا تَشْرِيعًا وَلاَ مَصْدَرَ تَشْرِيعٍ».
وأبرز ما في هذه الأمور الثلاثة، وأكثرها وُرُودًا ما سبيله سبيل الحاجة البشرية وأبرز هذا النوع ما يتعلق بالأكل والشرب، وَلِهَذَا سَنَكْتَفِي بِالرَدِّ عَلَيْهِ بِشَأْنِهِمَا.
يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢٣).
وَيَقُولُ - ﷺ - لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَكُلْ»، قَالَ عَدِيٌّ: «فَإِنْ أَكَلَ؟» قَالَ: «فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ، إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ». قَالَ عَدِيٌّ: «أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟». قَالَ: «لاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى آخَرَ» (٢٤).
فهل قول الرسول - ﷺ - هَذَا لَيْسَ تَشْرِيعًا؟ وَلَيْسَ بَيَانًا للناس ما أنزل إليهم؟ وَلَيْسَ تَحْرِيمًا وَلاَ تَحْلِيلًا؟ ويقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٢٥). ويقول - ﷺ - عن البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٢٦) فمن الذي أَحَلَّ السَّمَكَ المَيِّتَ؟ أليس رسول الله - ﷺ -؟
_________________
(١) " الإسلام عقيدة وشريعة ": ص ٥٠٨ وما بعدها - نشر مكتبة وهبة بالقاهرة ١٩٨٥ م.
(٢) المصدر السابق.
(٣) [سورة المائدة، الآية: ٤].
(٤) أخرجه البخاري - كتاب الذبائح - باب صيد المعراض.
(٥) [سورة المائدة، الآية: ٣].
(٦) أخرجه أصحاب السُنن وَصَحَّحَهُ ابن خُزيمة وابن حبان. أبو داود / كتاب الطهارة - باب الوضوء بماء البحر.
[ ٥٩ ]
ويقول القرآن الكريم في وصف النبي - ﷺ -: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ (٢٧) فكيف ينفي عنه - ﷺ - تشريع الحل والحرمة في المأكول والمشروب؟ ونسوق هنا بعض آداب الأكل والشرب الواردة في الصحيح وبعضها واجب، وبعضها مندوب، وَبَعْضُهَا مُحَرَّمٌ، وبعضها مكروه، ليتبين الخطأ الواضح في نفي التشريع عنها.
عَنْ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَ - ﵁ - قال: كُنْتُ غُلاَمًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» (٢٨).
وفي ذَمِّ الشَّرَهِ والتنفير من الجشع في الأكل يقول - ﷺ -: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» (٢٩).
ويقول - ﷺ -: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ - فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ - فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلاَجَهُ» (٣٠).
وَنَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ الكَرْعِ، وَهُوَ الشُّرْبُ مُنْكَفِئًا عَلَى الإِنَاءِ وَتَنَاوُلِ الشَّرَابِ بِالفَمِ، كَمَا تَشْرَبُ البَهَائِمُ، فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «مَرَرْنَا عَلَى بِرْكَةٍ، فَجَعَلْنَا نَكْرَعُ فِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لاَ تَكْرَعُوا، وَلَكِنِ اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ، ثُمَّ اشْرَبُوا [فِيهَا]» (٣١).
وَنَهَى - ﷺ - عَنْ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ (٣٢) أَيْ الشُّرْبُ مِنْ فَمِ الإِنَاءِ الكَبِيرِ، مَنْعًا مِنْ تَوَارُدِ الأَفْوَاهِ عَلَى المَكَانِ الوَاحِدِ مِمَّا يُغَيِّرُ رَائِحَتَهُ، فَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: «[أَنَّ النَّبِيَّ] ﷺ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِي السِّقَاءِ، لأَنَّ ذَلِكَ يُنْتِنُهُ» (٣٣).
وَنَهَى - ﷺ - عن التنفس عند الشُّرْبِ، فَقَالَ: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ» (٣٤).
وَنَهَى - ﷺ - عن النفخ في الشراب عند الشرب، فَقَالَ رَجُلٌ: القَذَاةُ أَرَاهَا فِي الإِنَاءِ؟ قَالَ: «أَهْرِقْهَا»، قَالَ: فَإِنِّي لاَ أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: «فَأَبِنِ القَدَحَ إِذَنْ عَنْ فِيكَ» (٣٥). قال الحافظ ابن حجر: «وَالنَّفْخُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ أَشَدُّ مِنَ التَنَفُّسِ فِيهِ» (٣٦).
وَنَهَى - ﷺ - عن الشرب في آنية الذهب والفضة (٣٧).
_________________
(١) [سورة الأعراف، الآية: ١٥٧].
(٢) أخرجه " البخاري " - كتاب الأطعمة - باب التسمية على الطعام والأكل باليمين.
(٣) أخرجه " البخاري " - كتاب الأطعمة - باب المؤمن يأكل في معى واحد.
(٤) أخرجه " البخاري " - كتاب الأطعمة - باب الأكل مع الخادم.
(٥) أخرجه " ابن ماجه " - كتاب الأشربة - باب ٢٥.
(٦) أخرجه " البخاري " - كتاب الأشربة - باب الشرب من فم السقاء.
(٧) أخرجه الحاكم بسند قوي. [انظر " المستدرك على الصحيحين " للحاكم، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا: ٤/ ١٥٦، حديث رقم ٧٢١١، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان].
(٨) أخرجه " البخاري " - كتاب الأشربة - باب النهي عن التنفس في الإناء.
(٩) أخرجه " الترمذي " - كتاب الأشربة - باب كراهية النفخ في الشراب. وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».
(١٠) انظر " فتح الباري ": ١٠/ ٩٥. [لم أجده بهذا اللفظ، انظر قريبا منه: " فتح الباري "، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: ١٠/ ٩٢، حديث ٥٦٣٠، نشر دار المعرفة - بيروت، طبعة سَنَةَ ١٣٧٩ هـ].
(١١) أخرجه " البخاري " - كتاب الأشربة - باب الشرب في آنية الذهب والفضة.
[ ٦٠ ]
وَأَمَرَ - ﷺ - بتغطية أواني الطعام والشراب، فقال: «أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ إِذَا رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا الأَبْوَابَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ» (٣٨) أي غطوه.
وَنَهَى - ﷺ - عن الأكل من وسط الإناء، فعن ابن عباس - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «البَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلاَ تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» (٣٩). وَرَغَّبَ - ﷺ - في المواساة بالطعام، والمشاركة فيه، والاجتماع عليه، فقال: «طَعَامُ الوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» (٤٠).
وحفاظًا على أحاسيس الآخرين «مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ» (٤١).
فَهَلْ بَعْدَ اسْتِعْرَاضِ هَذِهِ التَشْرِيعَاتِ السَّامِيَةِ الرَّاقِيَةِ نَسْتَسِيغُ نَفْيَ التَّشْرِيعَ عَنْهَا؟ وَنَقُولُ: إِنَّهَا مِنَ الشُّؤُونِ البَشَرِيَّةِ التِي لَيْسَ مَسْلَكَ الرَّسُولِ فِيهَا تَشْرِيعًا؟ وَلاَ مَصْدَرَ تَشْرِيعٍ؟.
هل يستسيغ مسلم أن هذه الأوامر والنواهي والتوجيهات، وكل ما نقل من أمثالها ليس شَرْعًا يتعلق به طلب الفعل أو طلب الترك؟
لا نملك إلا أن نقول: غفر الله له ورحمه، فقد كانت هذه القذيفة التي لم يُلْقَ لها بَالًا قنبلة فَجَّرَهَا الدكتور عبد المنعم النمر في ميدان آخر، وذهب إلى أن كثير من أفعال النبي - ﷺ - وأقواله ليست للتشريع، وليست خاضعة لوحي، بل صادرة عن اجتهادات بشرية، يجوز لمن يأتي بعده أن يجتهد مثله، وأن يخالفه في أفعاله وتقريراته وأقواله وبخاصة ما جاء عنه في المعاملات التي لَمْ تَرِدْ في القرآن الكريم.
وقال بالحرف الواحد: «فَمَا دَامَ الرَّسُولُ كَانَ يَجْتَهِدُ، وَمَا دَامَ هَذَا الاجْتِهَادُ قَدْ شَمِلَ الكَثِيرَ مِنْ أَنْوَاعِ المُعَامَلاَتِ أَفَلاَ يَجُوزُ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ أَنْ يُدْلِي فِي المَوْضُوعِ بِاجْتِهَادِهِ أَيْضًا؟ هَادِفًا إِلَى تَحْقِيْقِ المَصْلَحَةِ، وَلَوْ أَدَّىَ اجْتِهَادُهُ إِلَى غَيْرِ مَا قَرَّرَهُ الرَّسُولُ بِاجْتِهَادِهِ؟» (٤٢).
وَيَحْصِرُ الدُّكْتُورُ النَّمِرْ السُنَّةَ التَشْرِيعِيَّةَ فِي دَائِرَةٍ ضَيِّقَةٍ، فَيَقُولُ: «نُسَارِعُ فَنُقَرِّرُ أَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ عَنِ الرَّسُولِ مِنْ شُؤُونِ الدِّينِ فِي العَقِيدَةِ وَالعِبَادَةِ وَالحَلاَلِ وَالحَرَامِ وَالعُقُوبَاتِ وَالأَخْلاَقِ وَالآدَابِ لاَ شَأْنَ لَنَا بِهِ إِلاَّ مَنْ نَاحِيَةِ فَهْمِهِ».
ثم يقول: «لَكِنْ هُنَاكَ أَحَادِيثٌ كَثِيرَةٌ تَتَّصِلُ بِمُعَامَلاَتِ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِمْ مِنْ بَيْعِ وَشِرَاءٍ
_________________
(١) أخرجه " البخاري " - كتاب الأشربة - باب تغطية الإناء.
(٢) أخرجه " الترمذي " - كتاب الأشربة - باب كراهية الأكل من وسط الطعام. وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».
(٣) أخرجه " مسلم " - كتاب الأشربة.
(٤) المصدر السابق.
(٥) " السنة والتشريع " للدكتور عبد المنعم النمر: ص ٤٦.
[ ٦١ ]
وَرَهْنٍ وَإِجَارَةٍ وَقِرَاضٍ وَلُقَطَةٍ وَسَلَمٍ » الخ (٤٣).
فالدكتور النمر لم يكتف بالمباح ليجعله مِنَ السُنَّةِ غَيْرِ التَّشْرِيعِيَّةِ، بَلْ أَدْخَلَ المُعَامَلاَتِ التِي لَمْ تَرِدْ فِي القُرْآنِ [وَ] فِي السُنَّةِ غَيْرِ التَّشْرِيعِيَّةِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ في ذلك بين واجب أو مندوب أو مباح، بل ولا بين مُحَرَّمٍ أو مكروه، فحكم على ما يقرب من نصف السُنَّةِ بأنه غير تشريع.
وَقَدْ رَدَدْتُ عليه في بحث بعنوان: " السُنَّةُ وَالتَشْرِيعُ " (*)، نشر في " مجلة مركز بحوث السنة والسيرة " بجامعة قطر - العدد الثاني، ولا حاجة بنا هنا للرد عليه، فهذا البحث سأخصه بالمباحات مما سبيله الحاجة البشرية، لأثبت أن أقواله وأفعاله وتقريراته - ﷺ - مِمَّا سَبِيلُهُ العَادَةُ أَوْ الحَاجَةُ البَشَرِيَّةُ كُلُّهَا تُعْطَى حُكْمًا شَرْعِيًّا، أَقَلُّهُ الإِبَاحَةُ وَرَفْعِ الحَرَجِ.
أما ولي الله الدهلوي فلم يُقَسِّمْ السُنَّةَ إلى تشريع وإلى غير تشريع، وإنما قَسَّمَهَا من حيث طلب الاتباع وعدم الاتباع، من حيث طلب الفعل والترك، أو عدم طلب الفعل والترك، إلى ما سبيله تبليغ الرسالة وإلى ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وجعل من الأخير ما فعله - ﷺ - على سبيل العادة دون العبادة، فهو في الحقيقة لا يدخل تقسيمه في مجال بحثنا، وغاية ما قاله أن بعض ما فعله - ﷺ - ليس من باب تبليغ الرسالة، لكن هل هو تشريع، يرفع الحرج عن هذا الفعل؟ أو ليس تَشْرِيعًا؟ لم يتعرض لهذا الموضوع، وتعبيره بعد أن ذكر أمثلة (لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ اللاَّزِمَةِ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ) ونحن لا نقول: إن المباح من الأمور اللازمة.
أما الدكتور عبد الحميد متولي فقد اعتمد اعْتِمَادًا أَسَاسِيًا وَكُلِّيًّا عَلَى كَلاَمِ الشيخ شلتوت، وَلَمْ يُقَدِّمْ دَلِيلًا وَاحِدًا يمكن مناقشته، بل لم يأت بجديد.
وأما الدكتور محمد سليم العوا فقد عرض ما قاله ولي الله الدهلوي، وعرض تقسيم ابن قتيبة والقرافي لِلْسُنَّةِ - وَسَنَعْرِضُهُمُا قَرِيبًا - ثم تعرض لموقف الصحابة من بعض السُّنَنِ المَرْوِيَّةِ عَنْ الرَّسُولِ - ﷺ - وكان كل حرصه أن يصل إلى أَنَّ بَعْضَ السُّنَنِ (أي بعض أقواله وأفعاله وتقريراته - ﷺ - لَمْ تَكُنْ شَرْعًا لازمًا عَامًّا فِي كُلِّ الأَحْوَالِ.
وأحدث من كَتَبَ في موضوعنا بإسهاب، وتولى العرض بحماس، ونادى بصوت عَالٍ عَنْ وُجُودِ سُنَّةٍ غَيْرَ تَشْرِيعِيَّةٍ الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي في مقاله (الجَانِبُ
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٥، ٢٦. (*) [انظر " مجلة مركز بحوث السنة والسيرة - جامعة قطر: العدد الثاني: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م (من صفحة ٤٥ إلى ١٠٥). وكذلك الكتاب نشرته مجلة الأزهر، قدم له وعنى بإعداده وإخراجه رئيس التحرير: د. علي أحمد الخطيب. مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف. هدية شهر شعبان ١٤١١ هـ - مجلة الأزهر. (٧٤ صفحة) وكنت قد نشرته على موقع المكتبة الشاملة وغيرها من المواقع].
[ ٦٢ ]
التشريعي في السُنَّةِ النبوية) نشر في " مجلة بحوث السنة والسيرة " بجامعة قطر - العدد الثالث ١٩٨٨ م.
وقبل مناقشة ما جاء في هذا المقال أقرر أن هناك قضيتين مختلفتين تَمَامًا، الأولى تقول: بعض أفعاله - ﷺ - لَيْسَتْ تَشْرِيعًا مُلْزَمًا، أَيْ لَيْسَ مَطْلُوبًا الاقتداء بها، وهذه قضية مُسَلَّمَةٌ، ففعله المباح والجائز ليس مَطْلُوبًا الاقتداء به، بل قد يفعل خلاف الأَوْلَى لبيان الجواز، فلا يلزم اتباعه فيه، ليس فيما جَرَتْ به العادة وما سبيله الحاجة البشرية فحسب بل فيما هو من العبادة، أو وسيلة العبادة، فقد اغتسل - ﷺ - هو وعائشة - ﵂ - عاريين يغترفان من إناء واحد، تختلف أيديهما فيه يسابقان في الاغتراف، حتى تقول له: «دَعْ لِي، دَعْ لِي» (٤٤).
وَتَجَرُّدُ الزوجين من ثيابهما عند الغسل أو عند الجماع جائز، لكنه خِلاَفُ الأَوْلَى فَلَيْسَ مَطْلُوبًا الاقْتِدَاءُ بِهِ. واعتزل رسول الله - ﷺ - نساءه شَهْرًا في مشربة في المسجد، لا يدخل عليهن بيوتهن (٤٥)، لَمَّا أَغْضَبْنَهُ غَضَبًا كَبِيرًا، وهو الحليم الصابر الرؤوف الرحيم الذي تحمل من قومه الأذى أضعاف أضعاف ما لقي من زوجاته، وكان يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ»، فالاعتزال مشروع، لَكِنَّهُ لَيْسَ مَطْلُوبًا الاقْتِدَاءُ بِهِ.
ولم يضرب رسول الله - ﷺ - بيده امرأة له ولا خَادِمًا قَطُّ (٤٦)، وليس مَطْلُوبًا الاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهِ، فالضرب للتأديب مشروع.
وَكَانَ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ (٤٧) (بحفنة ماء واحدة) وغيره يتوضأ بعشر حفنات ويغتسل - ﷺ - من الجنابة بِصَاعٍ (أربع حفنات) وغيره يغتسل بعشرين حفنة، وَلَيْسَ مَطْلُوبًا الاقْتِدَاءُ بِهِ في ذلك، ولكن فعله تشريع.
وَكَانَ - ﷺ - يُصَلِّي في الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة (٤٨)، وكان بعض الصحابة يُصَلِّي أكثر من ذلك، لا يقتدى به - ﷺ -.
وكان يصوم في السفر وبعض أصحابه مفطر، ويفطر في السفر، وبعض أصحابه صائم (٤٩).
بل كان يفعل الشيء وينهى غيره عن فعله، فهو - ﷺ - يواصل، وينهى عن الوصال، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ» (٥٠).
بل كان - ﷺ - يفعل الشيء - كخصوصية - وَيُحَرِّمُ هذا الشيء على جميع أفراد أُمَّتِهِ
_________________
(١) أخرجه " النسائي " - كتاب الغسل / ١٠ وأصله في " البخاري " - كتاب الغسل.
(٢) أخرجه " البخاري " - كتاب النكاح.
(٣) أخرجه " أحمد ": ٦/ ٢٣٢.
(٤) أخرجه " البخاري " - كتاب الوضوء - باب الوضوء بالمد.
(٥) أخرجه " البخاري " - كتاب الوتر.
(٦) أخرجه " البخاري " - كتاب الصوم - باب الصوم في السفر.
(٧) أخرجه " البخاري " - كتاب الصوم - باب التنكيل لمن أكثر الوصال.
[ ٦٣ ]
فهو يتزوج فوق الأربع، وَيُحَرِّمُ عَلَى الأُمَّةِ الاقتداء به في ذلك التشريع الخاص به.
فأفعاله - ﷺ - غير الملزمة لِلأُمَّةِ، وغير المطلوب الاقتداء بها كثيرة، وكثيرة جِدًّا.
القضية الثانية: بعض أفعاله - ﷺ - ليست للتشريع أصلًا، فلا يؤخذ منها حكم ملزم أو غير ملزم.
والذين يُقَسِّمُونَ السُنَّةَ إلى تَشْرِيعِيَّةٍ وَغَيْرِ تَشْرِيعِيَّةٍ لا يريدون بِغَيْرِ التَّشْرِيعِيَّةِ غير الملزمة وغير المطلوب الاقتداء بها، وإنما يقصدون أنها لا تفيد حُكْمًا شَرْعِيًّا أَصْلًا. يظهر ذلك من عباراتهم الصريحة في ذلك «مَسْلَكُ الرَّسُولِ فِيهَا لَيْسَ تَشْرِيعًا وَلاَ مَصْدَرَ تَشْرِيعٍ» (٢٢)، «[إِنَّ] بَعْضَ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ - ﷺ - كَانَتْ تَصْدُرُ عَنْهُ بِمُقْتَضَى البَشَرِيَّةِ المَحْضَ، فَلَيْسَ لَهَا أَيَّ صِفَةٍ تَشْرِيعِيَّةٍ» (٥١).
كما يظهر ذلك بجلاء في قصرهم غير التشريعية على الأصناف الثلاثة عند الشيخ شلتوت، وعلى المعاملات عند الدكتور النمر، وعلى بعض ما سبيله سبيل الحاجة البشرية عند الدكتور القرضاوى، مع أن التشريعية غير الملزمة كثيرة لا تنحصر فيما حصروها فيه كما أوضحنا.
نؤكد أننا أمام قضيتين متغايرتن تَمَامًا.
الأولى: بعض أفعاله - ﷺ - لَيْسَتْ تَشْرِيعًا مُلْزَمًا. فالنفي نفي الإلزام، لا نفي التشريع.
الثانية: بعض أفعاله - ﷺ - لَيْسَتْ تَشْرِيعًا. فالنفي نفي التشريع.
وقد أوضحنا أن القضية الأولى مُسَلَّمَةٌ، لا نقاش فيها، بل هي بديهية عند أهل العلم، أما الثانية فهي الجديدة على العلماء، وهي موضوع البحث، نحن نقول: جميع أفعاله - ﷺ - يؤخذ منها حكم شرعي، أقله رفع الحرج عن الأمة، والمخالف يقول: بعض أفعاله - ﷺ - ليس لها أي صفة تشريعية.
والظاهرة الغريبة التي اشترك فيها المخالفون التردد في العبارة بين القضيتن، يعبر بما يفيد أنه يعنى القضية الأولى تارة، ويعبر بما يفيد أنه يعنى القضية الثانية تارة أخرى.
فالشيخ شلتوت يقول: «وَكُلُّ مَا نُقِلَ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ الثَّلاَثَةِ لَيْسَ شَرْعًا يَتَعَلَّقُ بِهِ طَلَبُ الفِعْلِ وَالتَّرْكِ».
فتظن أنه يعني القضية الأولى، وأنه يعني نفي الإلزام، ونفي طلب الفعل أو طلب
_________________
(١) [المصدر السابق]
(٢) انظر " مجلة مركز بحوث السُنَّة والسيرة " - جامعة قطر - العدد الثالث.
[ ٦٤ ]
الترك.
وبعدها يقول: «وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشُّؤُونِ البَشَرِيَّةِ التِي لَيْسَ مَسْلَكَ الرَّسُولِ فِيهَا تَشْرِيعًا وَلاَ مَصْدَرَ تَشْرِيعٍ» (٢٢). والدكتور النمر يقول في [ص ٥٧]: «لاَ يُصْبِحُ مَا قَرَّرَهُ الرَّسُولُ بِاجْتِهَادِهِ حُكْمًا ثَابِتًا لِلأَبَدِ» فتظن أنه يعني القضية الأولى، وأنه يعني نفي استمرار الإلزام للأبد.
ثم ينفي في [ص ٢٦] عن الأحاديث الكثيرة التي تتصل بمعاملات الناس أنها تخضع لوحي مباشر أو سكوتي أو إقراري، فتظن أنه يعني القضية الثانية، وأنه ينفي عنها التشريع أَصْلًا.
والدكتور القرضاوي يقول: «لِهَذَا كَانَ البَحْثُ المُهِمُّ هُنَا هُوَ بَيَانُ مَا يُعْتَبَرُ مِنَ السُنَّةِ تَشْرِيعًا يُكَلِّفُ النَّاسَ اتِّبَاعَهُ وَالعَمَلَ بِهِ، وَمَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيعِ وَالتَّكْلِيفِ» (٥٢).
ويقول: «فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا القَبِيلِ فَلَيْسَ مِنَ السُنَّةِ التَّشْرِيعِيَّةِ التِي يَجِبُ اتِّبَاعَهَا» (٥٣).
فتظن أنه يعني القضية الأولى المُسَلَّمَةَ، وأنه يعني نفي الالتزام، ونفي التكليف ونفي وجوب الاتباع.
ويقول: «أَهَمُّ مَا يَجِبُ أَنْ نُنَبِّهَ عَلَيْهِ، وَنُلْفِتَ الأَنْظَارَ إِلَيْهِ هُوَ ضَرُورَةَ التَّدْقِيقِ، وَشِدَّةَ التَحَرِّي فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا جَاءَ فِي السُنَّةِ لِلْتَّشْرِيعِ، وَمَا لَمْ يَجِيءَ لِلْتَّشْرِيعِ» (٥٤).
ويقول: «إِنَّ بَعْضَ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ - ﷺ - كَانَتْ تَصْدُرُ عَنْهُ بِمُقْتَضَى البَشَرِيَّةِ المَحْضَ فَلَيْسَ لَهَا أَيَّ صِفَةٍ تَشْرِيعِيَّةٍ» (٥١).
فتظن أنه يعني القضية الثانية، محل النزاع، وأنه يعني نفي التشريع أَصْلًا.
ثم يناقض هذا الاتجاه، فيثبت أن أفعال الرَّسُولِ - ﷺ - التي سبيلها سبيل الطبيعة البَشَرِيَّةِ تفيد المشروعية، فهي تشريع، فيقول: «فَالفِعْلُ - أَيْ فِعْلَهُ - ﷺ - فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَالمَشْيِ وَالجُلُوسِ وَنَحْوِهَا - كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ - لاَ يَدُلُّ عَلَىَ أَكْثَرَ مِنَ المَشْرُوعِيَّةِ، وَلاَ يَدُلُّ عَلَىَ وُجُوبٍ وَلاَ اسْتِحْبَابٍ فِي نَفْسِهِ، كَمَا فِي قَضِيَّةِ الأَكْلِ بِاليَدِ وَمَا شَابَهَهَا، وَلَكِنْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِالرَّسُولِ الكَرِيمِ، وَحُبًّا لِكُلِّ مَا صَدَرَ عَنْهُ فَهُوَ مُحْسِنٌ وَمَأْجُورٌ بِنِيَّتِهِ، كَمَا نَبَّهْنَا لِذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ السَيِّدُ رَشِيدُ رِضَا فِي بَحْثِهِ» (٥٥).
فهو هنا يُقَرِّرُ أَنَّ أفعاله - ﷺ - تدل على المشروعية، فهي تشريع.
أما أقواله - ﷺ - فهو يُقَرِّرُ - كما يُقَرِّرُ علماء الأصول - أنها تدل على أكثر من
_________________
(١) [المصدر السابق]
(٢) المصدر السابق: ص ٢٥.
(٣) المصدر السابق: ص ٢٥.
(٤) المصدر السابق: ص ٢٨.
(٥) انظر " مجلة مركز بحوث السُنَّة والسيرة " - جامعة قطر - العدد الثالث.
(٦) المصدر السابق: ص ٥٥، ٥٦.
[ ٦٥ ]
المشروعية، أي على ما هو أكثر من الإباحة، تدل على الاستحباب أو الإرشاد في الأمر، وعلى الكراهية في النهي، وقد تدل على الإيجاب في الأمر، أو التحريم في النهي، تَبَعًا للقرائن. (٥٥).
ونحن نغض الطرف عن هذا التَرَدُّدِ فِي العِبَارَةِ، ونعتبر هذا البحث - على أي حال - تَأْيِيدًا وَتَوْضِيحًا للقضية الأولى، وَرَدًّا وَتَفْنِيدًا للقضية الثانية، أَيًّا كَانَ قَائِلُهَا، ونعرض الشبهات الواردة في أبحاث المخالفين، وَنَرُدُّ عليها بما يثبت أَنَّ جميع أفعاله - ﷺ - تشريع إن شاء الله.
١ - يذكرون قولًا للإمام ابن قتيبة (٥٦) وقولًا للإمام القَرَافِي (٥٧) كأنهم يستأنسون أو يستدلون بأقوالهما، وَلاَ دَلِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَلاَ أُنْسٌ. فماذا قال ابن قتيبة؟.
قال في " تأويل مختلف الحديث ": «وَالسُّنَنُ عِنْدَنَا ثَلاَثٌ: سُنَّةٌ أَتَاه جِبْرِيلُ - عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ - عَنْ اللهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: «لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا» (٥٨)، وَالسُنَّةُ الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ أَبَاحَ اللهُ لَهُ أَنْ يَسُنَّهَا، وَأَمَرَهُ بِاسْتِعْمَالِ رَأْيَهِ فِيهَا، فلَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ فِيهَا لِمَنْ شَاءَ، عَلَى حَسَبِ العِلَّةِ وَالعُذْرِ، كتحريمه الحَرِير عَلَى الرِّجَالِ، وَإذْنِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بَنِ عَوْفٍ فِيهِ، لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ. وَالسُنَّةُ الثَّالِثَةُ مَا سَنَّهُ لَنَا تَأْدِيبًا، فَإِنْ نَحْنُ فَعَلْنَاهُ كَانَتْ لَنَا الفَضِيلَةُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ نَحْنُ تَرَكْنَاهُ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْنَا إِنْ شَاءَ اللهُ، كَأَمْرِهِ فِي العِمَّةِ بِالتَّحَلِّي (أَيْ كَأَمْرِهِ فِي العِمَامَةِ بِتَطْوِيقِهَا تَحْتَ الحَنَكِ) (٥٩).
فأنت ترى أن أقل الأقسام التي ذكرها - وَهِيَ قَضِيَّةٌ فِي اللِّبَاسِ وَهَيْئَتِهِ - قد جعلها تَشْرِيعًا يُثَابُ فَاعِلُهُ، وليس فيما قاله سُنَّةٌ غَيْرُ تَشْرِيعِيَّةٍ.
٢ - وأما الإمام القرافي فيقول:
«تَصَرُّفَاتُهُ - ﷺ - مِنْهَا مَا يَكُونُ بِالتَّبْلِيغِ وَالفَتْوَى إجمَاعًا، وَمِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالقَضَاءِ، وَمِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالإِمَامَةِ، وَمِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ العُلمَاءُ فِيهِ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ رُتْبَتَيْنِ فَصَاعِدًا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ رُتْبَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ أُخْرَى.
ثم تَصَرُّفَاتُهُ - ﷺ - بِهَذِهِ الأَوْصَافِ تَخْتَلِفُ آثَارُهَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَكُلُّ مَا قَالَهُ - ﷺ - أَوْ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبْلِيغِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا عَامًّا عَلَى الثَّقَلَيْنِ إِلَى يَوِم القِيَامَةِ، فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بَهِ أَقْدَمَ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ بِنَفَسِهِ، وَكَذَا المُبَاحُ، وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ اجْتَنَبَهُ كُلُّ أَحَدٍ
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٥٥، ٥٦.
(٢) المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٧٦ هـ.
(٣) " الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرفات القاضي والإمام ".
(٤) متفق عليه - " البخاري " - كتاب النكاح - باب لا تنكح المرأة على عَمَّتِهَا.
(٥) " تأويل مختلف الحديث ": ص ١٩٦.
[ ٦٦ ]
بِنَفْسِهِ.
وَكُلُّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ - ﷺ - بِوَصْفِ الإِمَامَةِ لاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْه بِإِذْنِ الإِمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وَلأَنَّ سَبَبَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِوَصْفِ الإِمَامَةِ دُونَ التَّبْلِيغِ يَقْتَضِي ذَلِكَ».
وضرب الإمام القرافي لهذا النوع أمثلة منها بعض الجيوش، وصرف أموال بيت المال، وتولية القضاء وَالوُلاَّةِ، وعقد العهود، إلى نحو ذلك.
«وَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ - ﷺ - بِوَصْفِ القَضَاءِ لاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ إلاَّ بِحُكْمِ حَاكِمٍ لأَنَّ السَّبَبَ الذِي لأَجْلِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ - ﷺ - بِوَصْفِ القَضَاءِ يَقْتَضِي ذَلِكَ».
وَمَثَّلَ الإِمَامُ القرافي بفصله - ﷺ - بين اثنين في دعاوى الأموال أو أحكام الأبدان ونحوها بالبينات أو الأيمان والنكولات ونحوها.
ثم ذكر مسائل اختلف العلماء فِي تَصَرُّفَاتِهِ - ﷺ - فيها، منها قوله - ﷺ - لِهِنْدٍ بِنْتِ [عُتْبَةَ] امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا قَالَتْ لَهُ - ﷺ -: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي [وَوَلَدِي، إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ]، فَقَالَ لَهَا - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ، بِالمَعْرُوفِ» (٦٠).
اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذَا التَّصَرُّفُ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - هَلْ هُوَ بِطَرِيقِ الفَتْوَى؟ فَيَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ ظَفِرَ بِحَقِّهِ أَوْ بِجِنْسِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ عِلْمِ خَصْمِهِ بِهِ؟ [وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ خِلاَفُهُ بَلْ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْ هُوَ تَصَرُّفٌ بِالقَضَاءِ] فَلاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ جِنْسَ حَقِّهِ [أَوْ حَقَّهُ] إذَا تَعَذَّرَ أَخْذُهُ مِنَ الغَرِيمِ إلاَّ بِقَضَاءِ قَاضٍ؟ حَكَى الْخَطَّابِيُّ القَوْلَيْنِ عَنْ العُلَمَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (٦١).
والذي يعنينا من هذا البحث أن الإمام القرافي لَمْ يَنْفِ التَّشْرِيعَ عَنْ أَيِّ فِعْلٍ مِنْ هَذِهِ الأَفْعَالِ، وأن بحثه في الفرق بين التشريع بصفة الرسالة والتبليغ، والتشريع بصفة الإمامة، والتشريع بصفة الفتوى، والتشريع بصفة القضاء، والكل تشريع.
والذي يعنينا في مثال هند وأبي سفيان أنه تشريع بالنسبة لهند، لا خلاف في ذلك، على معنى أنه أَحَلَّ لها أن تأخذ بالمعروف، ولا عقاب عليها يوم القيامة إن فعلت ذلك، أما أنه يقاس عليها غيرها أو لا يقاس؟ فهذا أمر آخر.
وَمِمَّا هو معلوم أن التشريع والإباحة بصفة خاصة قد تكون قاصرة على شخص دون غيره، كما سبق في إباحة الحرير لعبد الرحمن بن عوف لعذر، وقد يستثني
_________________
(١) أخرجه " البخاري " - كتاب النفقات والبيوع، وأخرجه مسلم - كتاب الأقضية.
(٢) " الفروق ": ١/ ٢٠٥ وما بعدها، و" الأحكام " - والسؤال ٢٥ ص ٨٦ - ١٠٩.
[ ٦٧ ]
بالإباحة نوع من العام، كما حدث في استثناء الإذخر من شجر الحرم فأبيح قطعه وَحَرَّمَ قطع غيره، وقد يكون التشريع قَاصِرًا على زمن دون غيره، كما حدث في ادخار لحم الأضحية حيث قال: - ﷺ - في عام: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلاَ يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا [عَامَ] المَاضِي؟ قَالَ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ [ذَلِكَ] العَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا» (٦٢).
فالنهي عن الادخار من الأضحية كَانَ مَقْصُورًا عَلَى سُنَّةٍ وَاحِدَةٍ لِسَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ، ثم رفع الحظر، وأبيح الادخار فيما بعد تلك السَنَةِ، وكل من الحظر والإباحة تشريع خاص بزمن.
٣ - استدل المخالف بأثر ابن عباس الذي ذكرناه عند الكلام عَلَى السُنَّةِ عند الفقهاء حيث قال ابن عباس عن قومه: «صَدَقُوا وَكَذَبُوا»، فأثبت فعل النبي - ﷺ - لِلْرَّمَلِ، وَنَفَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، ويقول المخالف: وهذا يعني أمرين في غاية الأهمية.
أولهما: أن ما كان سُنَّةً فهو مطلوب الاتباع.
وثانيهما: أن بعض ما جاء عن النبي - ﷺ - لَيْسَ بِسُنَّةٍ وهو ما يعبر عنه المعاصرون بأنه ليس للتشريع (٦٣). وهذا خلط بين القضيتين، وإدخال لإحداهما في الأخرى، فكلام ابن عباس حاصله: بعض أفعال النبي - ﷺ - ليست مطلوبة الاتباع، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ مَحْسُومَةٌ لاَ نُنَاقِشُ فِيهَا، فكل أفعاله التي لبيان الجواز أو الإباحة ليست للتشريع، أي ليست للتشريع الملزم، لكفونا مؤونة النقاش، ولأغلقنا ملف الدعوى، لكن القضية الأخرى موضوع النزاع، بعض أفعال النبي - ﷺ - ليست للتشريع مُطْلَقًا، ولا يثبت بها حكم شرعي أَصْلًا مُلْزِمٌ أَوْ غَيْرَ مُلْزِمٍ، ثم إن أثر ابن عباس المستدل به ليس فيما سبيله العادة والحاجة البشرية، وهي الدعوى التي يتبناها المخالف، وإنما هو في العبادة، في عبادة الحج وهيئاتها، في الرمل في الطواف وفي الركوب في السعي بين الصفا والمروة، وفي السعي نفسه، وفي رمي الجمرات، والمخالف يُسَلِّمُ بأن أفعاله - ﷺ - في أمور العبادات تشريع.
ولو سألناه عن حكم الرمل بالنسبة للصحابة الذين كانوا معه - ﷺ - والذين
_________________
(١) أخرجه " البخاري " - كتاب الأضاحي.
(٢) انظر ص ٦٣ من " مجلة بحوث السنة والسيرة " / جامعة قطر - العدد الثالث.
[ ٦٨ ]
أمروا به لقال: تشريع يثاب على فعله ويعاقب على تركه، فغايته أنه تشريع غير عام وغير دائم لكنه تشريع. فما جاء في حديث ابن عباس من أفعاله - ﷺ - كله شرع وتشريع.
٤ - ويستدل المخالف على أن بعض أقواله وبعض أفعاله - ﷺ - لم تكن للتشريع بأن الصحابة كانوا يفهمون ذلك فيخالفون أوامره ونواهيه، كما في أمرهم بِصَبْغِ الشَّيْبِ مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وكما في نهيه لهم عن الوصال (٦٤)، ولا دليل له على ذلك، فإن الصحابة لم يفهموا من الأمر والنهي عدم التشريع، وإنما فهموا عدم الإلزام، وأن الأمر والنهي غير جازمين، فرأوا أنه تشريع إباحة.
٥ - يستدل على دعواه ببشريته - ﷺ -، فيقول: «وَمِمَّا لاَ رَيْبَ فِيهِ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ مَلَكًا، وَأَنَّ رِسَالَتَهُ لَمْ تُلْغِ بَشَرِيَّتَهُ، وَأَنَّ بَعْضَ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ كَانَتْ تَصْدُرُ مِنْهُ بِمُقْتَضَى البَشَرِيَّةِ المَحْضِ، فَلَيْسَ لَهَا أَيَّ صِفَةٍ تَشْرِيعِيَّةٍ، مِثْلَ مَا وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ مِنَ الشَّاةِ، وَأَنَّهُ يُحِبُّ الدُّبَّاءَ (أَيْ القَرْعَ) فَهَذَا وَذَاكَ أَمْرٌ جِبِلِيٌّ تَخْتَلِفُ فِيهِ أَمْزِجَةُ البَشَرِ، فَلَوْ وَجَدَ مُسْلِمٌ لاَ يُعْجِبَهُ لَحْمَ الذِّرَاعِ، بَلْ يُعْجِبُهُ لَحْمَ الظَّهْرِ أَوْ الفَخِذِ فلاَ ضَيْرَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ لاَ يُحِبُّ الدُّبَّاءَ، وَإنمَا يُحِبُّ أَصْنَافًا أُخْرَى مِنَ الخُضْرَوَاتِ» (٦٥).
ونحن بدورنا نسأله: صحيح أن رسالته - ﷺ - لَمْ تُلْغِ بَشَرِيَّتَهُ، فَهَلْ بَشَرِيَّتُهُ - ﷺ - تُلْغِي رِسَالَتَهُ في وقت من الأوقات؟ وبعبارة أخرى: هل هو ليس رسولًا في لحظة من اللحظات؟ أم هما متلازمان، وهو بشر رسول في جميع أوقاته وأحواله؟.
هل بعض أقواله وأفعاله التي تَصْدُرُ مِنْهُ بِمُقْتَضَى البَشَرِيَّةِ المَحْضِ لاَ تُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا للبشرية برفع الحرج عنها إذا وقع من الأُمَّةِ مثلها؟ هل حُبُّهُ للقرع لا يبيح للأمة حب القرع؟ هل حُبُّهُ للذراع لا يبيح للأمة حب الذراع؟
نعيد إلى الأذهان ما سُقْنَاهُ من النصوص عند تحديدنا لِلَفْظِ السُنَّةِ وَالتَشْرِيعِ، حيث ذكرنا قول الشاطبي: «جُمْهُورُ الأُصُولِيِّينَ يَرَوْنَ أَنَّ الفِعْلَ مِنَ الرَّسُولِ - ﷺ - يَدُلُّ عَلَىَ مُطْلَقِ الإِذْنِ الَّذِي يَشْمَلُ الوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَالإِبَاحَةَ، مَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ عَلَىَ تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَكَوْنُ الفِعْلِ صَادِرًا عَنْ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ - بِوَصْفِهِ بَشَرًا كَالأَكْلِ
_________________
(١) انظر ص ٧٠ من المصدر السابق.
(٢) انظر ص ٩٤ من المصدر السابق.
[ ٦٩ ]
وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الجِبِلِيَّةِ قَرِينَةً عَلَىَ أَنَّ الفِعْلَ يُفِيدُ الإِبَاحَةَ، لاَ الوُجُوبَ وَلاَ النَّدْبَ» (١٦). (*).
كما ذكرنا قول إمام الحرمين: «فَالْمُخْتَارُ [إِذَنْ] أَنَّ فِعْلَهُ - ﷺ - لاَ يَدُلُّ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ يُثَبُتُ عِنْدَنَا وُجُوبَ حَمْلِهِ عَلَى نَفْيِ الحَرَجِ فِيهِ عَنْ الأُمَّةِ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الاخْتِيَارِ [إِلَى] عِلْمِنَا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَوْ اخْتَلَفُوا فِي حَظْرٍ أَوْ إِبَاحَةٍ، فَنَقَلَ النَّاقِلِ فِي مَوْضِعِ اخْتِلاَفِهِمْ فِعْلًا عَنْ المُصْطَفَىَ - ﷺ - لَفَهِمُوا مِنْهُ أَنَّهُ لاَ حَرَجَ عَلَىَ الأُمَّةِ فِي فِعْلِهِ. وُجَاحِدُ هَذَا جَاهِلٌ بِمَسَالِكِ النَّقْلِ فَضْلًا عَنْ المَعْنَى وَاللَّفْظِ» (١٤) (**).
٦ - ويستدل المخالف على وجود أفعال للنبي - ﷺ - لا تشريع فيها بغضبه ورضاه - ﷺ - فيقول: «كَمَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - بِحُكْمِ بَشَرِيَّتِهِ يَرْضَىَ وَيَغْضَبُ، وَقَدْ يَصْدُرُ عَنْهُ فِي حَالِ الغَضَبِ مَا لاَ يَقْصِدُهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ دُعَاءٍ عَلَىَ بَعْضِ النَّاسِ، فَيَجِبُ عَلَىَ أَهْلِ الْعِلْمِ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ، وَلاَ يَتَجَاوَزُوا بِهِ هَذَا المَجَالَ إِلَى مَجَالِ التَّشْرِيعِ وَاسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ». ثم ساق ما رواه " مسلم " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَدْعُو لَهُ مُعَاوِيَةَ، فَجَاءَ فَوَجَدَهُ يَأْكُلُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ لِلْنَّبِيِّ - ﷺ -: هُوَ يَأْكُلُ، قَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ»، فَجَاءَهُ، فَوَجَدَهُ يَأْكُلُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ لِلْنَّبِيِّ - ﷺ -: هُوَ يَأْكُلُ، فَقَالَ - ﷺ -: «لاَ أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ».
كما ساق حَدِيثًا آخَرَ، وراه " مسلم " أَيْضًا، أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلاَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ، فَأَغْضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا، وَسَبَّهُمَا، فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ، فَقَالَ لَهَا: «أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَارَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟، قُلْتُ: اللهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا» (٦٦). فالمخالف يرى أن هذين الحديثين لا تشريع فيهما، ولكن الراسخين في العلم من الصفوة الأوائل استنبطوا من هذين الحديثين ومن غضبه - ﷺ - وتصرفه هذا بمقتضى غضبه أَحْكَامًا شرعية جليلة، منها أن الغضب جائز على الأنبياء كما هو جائز على غيرهم من البشر، وأن الغاضب قد يقول ما لا يقصد، وبخاصة إذا كان رحيمًا بالمغضوب عليه كالأم تدعو على ابنها ساعة الغضب، وهي لا تحب له شَرًّا وهي لا تقصد أن تصيبه ما تدعو به عليه، ولذلك قالوا عنها: يدعو لسانها وقلبها يقول: لا. ورسول الله - ﷺ - أرحم بالأُمَّةِ من الأم على ولدها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
_________________
(١) الموافقات ": ٤/ ٥٨
(٢) الموافقات ": ٤/ ٥٨
(٣) انظر ص ٩٤ وما بعدها من المصدر السابق. (*) [قارن بصفحة ٥٥ من هذا الكتاب]. (**) البرهان " لإمام الحرمين: ١/ ٤٨٧ وما بعدها [قارن بصفحة ٥٧ من هذا الكتاب].
[ ٧٠ ]
عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٦٧)
لقد اشتبه على المخالف أن كل تشريع يطلب الاقتداء به، فظن أنه لا يطلب الاقتداء به - ﷺ -، في غضبه، فلا تشريع في هذا الفعل منه - ﷺ -، وليس الأمر كما ظن، فالتشريع هنا أن الغضب عند البشر غير مقدور عليه، وغير مكتسب، وإنما هو انفعال لا يدخل تحت الإرادة، وهو معفو عنه - إِنْ شَاءَ اللهُ - في الحدود غير المقدور عليها، فإذا غضب مسلم بعد إثارة فقلت له: لا تغضب؟ قال لك رسول الله - ﷺ - غضب، فإذا صدر عنه وهو غاضب ما لا يصدر عنه في حال الرضا فقلت له: لِمَ لَمْ تسيطر على أعصابك؟ ولم صدر منك مثل هذا؟ قال لك: صدر من رسول الله - ﷺ - وهو غاضب ما لا يصدر عنه في حال الرضا.
فالتشريع في التماس العذر، ورجاء عفو الله عما صدر في حال الغضب، وبخاصة إذا عالج الآثار المترتبة عليه، بأن يدعو بخير لمن دعا عليه بشر، وأن يعوضه بنفع عما أصابه من ضُرٍّ، وأن يطلب السماح والصفح ممن أساء إليه.
إن الله تعالى أراد لرسوله - ﷺ - أن يغضب، وأن يأتي بأمور تقع من ابن آدم حين يغضب، ويمسك عن أمور ينبغي أن يمسك عنها المسلم حين يغضب، لِيُعَّلِّمَ الأُمَّةَ حُدُودَ ما يعفى عنه وما لا يعفى عنه، ولِيُعَّلِّمَ الأُمَّةَ علاج آثار الغضب.
كما أراد لرسوله - ﷺ - أَنْ يَنْسَى، وَأَنْ يَنْسَى فِي الصَّلاَةِ، فَيُسَلِّمَ من ثِنْتَيْنِ فِي صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ، ليقول: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» (٦٨). ثم يعلمنا أحكام النسيان في الصلاة.
إِنَّ أُمُورًا كثيرة غير مكتسبة تقع للأنبياء بحكم بشريتهم، لتتدخل الشريعة برسم الحدود الجائزة، والحدود الممنوعة.
الحزن مثلًا عند المصيبة، يموت لرسول الله - ﷺ - ابنه إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، فيحزن، ويبكي، وتدمع عيناه، بل يجري دمعهما، فَيَقُولُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَبْكِي، أَوَ لَمْ تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَيَقُولُ - ﷺ -: «إِنَّمَا هَذَا رَحْمَةٌ» رِقَّةُ قَلْبٍ «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ»، «إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرِ الشَيْطَانٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَخَمْشِ وُجُوهٍ، وَشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ»، «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَلاَ نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ» (٦٩).
_________________
(١) [سورة التوبة، الآية: ١٢٨].
(٢) أصله في " البخاري " و" مسلم ". كاب السهو في الصلاة.
(٣) أصله في " البخاري ". كتاب الجنائز. وانظر " فتح البارى ": ٣/ ٢٠٨.
[ ٧١ ]
والضحك مثلًا مبادئه التبسم، فإن انبسط الوجه حتى بدت الأسنان من السرور فهو الضحك، فإن كان بصوت بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة، وَلَمْ يُسْمَعْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقًهْقِهُ أبدًا، وَأَكْثَرُ مَا رُؤِيَ يَبْتَسِمُ، تَعَجُّبًا، أَوْ إِعْجَابًا، أَوْ مُلاَطَفَةً، وَقَلَّمَا ضحك حتى بدت نواجذه، أي أضراسه.
قال ابن بطال: «وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ الأَحَادِيثِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي مُعْظَمِ أَحْوَالِهِ لاَ يَزِيدُ عَلَى التَّبَسُّمِ وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَضَحِكَ، وَالمَكْرُوهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الإِكْثَارُ مِنْهُ، أَوِ الإِفْرَاطُ فِيهِ لأَنَّهُ يُذْهِبُ الوَقَارَ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ فِعْلِهِ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ»، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ فِي " الأَدَبِ المُفْردِ " وَابْنُ مَاجَهْ [مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ] «لاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ» الحَدِيثُ (٧٠).
وهكذا يتبين أن الشبهات التي تعلق بها المُخَالِفُونَ شُبُهَاتٍ وَاهِيَةٍ، نشأ أكثرها من التباس الأمر عندهم بين التشريع العام الملزم المطلوب، والتشريع غير الملزم وغير المطلوب.
ولكنهم كلهم على اختلاف مناهجهم ينفون التشريع عن بعض أفعاله - ﷺ -، بل ينفون الرسالة عنه في بعض أفعاله، كلهم يقول ذلك، والفرق بينهم الأفعال التي تطبق عليها هذه الصفة.
فالشيخ شلتوت يطبقهاعلى ما سبيله الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشي والتزاور، وما سبيله التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، وما سبيله سبيل التدبير الإنساني، أَخْذًا من الظروف الخاصة، لا يفرق في ذلك بَيْنَ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، أَوْ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، أَوْ مُبَاحٍ، ويقول: «وَكُلُّ مَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَدُوِّنَ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ الثَلاَثَةِ لَيْسَ شَرْعًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الفِعْلُ وَالتَّرْكُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشُؤُونِ البَشَرِيَّةِ التِي لَيْسَ مَسْلَكَ الرَّسُولِ فِيهَا تَشْرِيعًا وَلاَ مَصْدَرَ تَشْرِيعٍ» (٢٢).
والدكتور النمر يطبقها على المعاملات المالية التي لم ترد في القرآن الكريم.
والدكتور القرضاوي - وهو أضيقهم دائرة في التطبيق - «يُطَبِّقُهَا عَلَى بَعْضَ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ - ﷺ -، مِمَّا سَبِيلُهُ سَبِيلُ الحَاجَةِ البَشَرِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَصْدُرُ مِنْهُ بِمُقْتَضَى البَشَرِيَّةِ المَحْضَ، وَلَيْسَ لَهَا - فِي رَأْيِهِ - أَيَّ صِفَةٍ تَشْرِيعِيَّةٍ». فكلهم ينفي التشريع من أساسه عن بعض أفعاله - ﷺ -، ينفي أَنْ يكون في هذه الأفعال صَادِرًا عَنْ وَحْيٍ، أَوْ مُرَاقَبًا مِنْ وَحْيٍ، وكأن هذه الأفعال ليس لها حكم عند اللهِ، مع أننا نعتقد أن كل مؤمن، بل كل
_________________
(١) " فتح الباري ": ١٠/ ٥٢١.
(٢) [المصدر السابق]
[ ٧٢ ]
إنسان مراقب من الله، محاسب على ما يفعل، مِصْدَاقًا لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٧١).
فكيف تفلت أفعال محمد - ﷺ - من المراقبة والتوجيه؟ وهو الذي أُمِرَتْ الأُمَّةُ بطاعته والاقتداء به؟ كيف نقول: إِنَّ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِهِ لا يخضع للرقابة والتوجيه؟ وهو الذي حُوسِبَ وَعُوتِبَ على أنه امتنع عن كل طعام يحبه، إرضاء لأزواجه؟ فَنَزَلَ فِيهِ قُرْآنٌ يُتْلَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٧٢).
كَيْفَ نَقُولُ: إِنَّ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِهِ - ﷺ - لا يخضع للرقابة والتوجيه؟ وهو الذي حُوسِبَ وَعُوتِبَ على عوارض انفعالاته؟ وَتَجَهَّمَ وَجْهُهُ فِي مُلاَقَاةِ أَعْمَى لاَ يَرَاهُ؟ ولا يتأثر بعبوسه؟ فَنَزَلَ فِيهِ قُرْآنٌ يُتْلَى ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ (٧٣).
كَيْفَ نَقُولُ: إِنَّ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِهِ - ﷺ - لا يخضع للرقابة والتوجيه؟ وهو الذي حُوسِبَ وَعُوتِبَ على خلجات قلبه؟ ودواخل نفسه، فَنَزَلَ فِيهِ قُرْآنٌ يُتْلَى ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٧٤).
أليست هذه الأفعال قد صدرت منه - ﷺ - بصفته البشرية؟ أليس الإقبال على طعام والامتناع عنه ما دام مُبَاحًا أَمْرًا من أمور الدنيا المحض؟ وَمِمَّا سبيله سبيل الحاجة البشرية؟
أليس العبوس عَارِضًا من العوارض الجِبِلِّيَّةِ والانفعالات البشرية؟ أليست خطرات النفس وما يدور بداخلها من الخواطر البشرية؟.
لكنها كلها خضعت لرقابة الوحي، وتوجيه الوحي، وهي مثال ودليل على أن كل أفعاله - ﷺ - مراقبة من فوق سبع سموات، خاضعة للوحي بالإقرار أو التعديل.
ثم إن المخالفين يتفقون معنا في أن رؤياه - ﷺ - وَحْيٌ، وإلهامه - ﷺ - وَحْيٌ واجتهاده - ﷺ - بِمَنْزِلَةِ الوَحْيِ، أي بعد أن يقر، وينزل جبريل - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وتمر فترة تسمح بالتعديل، وهو بمنزل الوحي قَطْعًا ما لم يعدل حتى لحق - ﷺ - بالرفيق الأعلى.
إن الشافعي يُصَرِّحُ بأن كل فعل من أفعال المكلفين له حكم عند الله، وهذه عقيدة إسلامية، لأن أي فعل للمكلف إما أن يكون مَرْضِيًّا عنه من الله تعالى، وإما أن يكون غير
_________________
(١) [سورة ق، الآية: ١٨].
(٢) [سورة التحريم، الآيتان: ١، ٢].
(٣) [سورة عبس، الآيات: ١ - ١١].
(٤) [سورة الأحزاب، الآية: ٣٧].
[ ٧٣ ]
مرضي عنه - وكل من طرفي المباح مرضي عنه - ويستحيل أن يفعل الرَّسُولُ - ﷺ - فِعْلًا لاَ يَرْضَى عَنْهُ اللهُ، ثم يتركه اللهُ دون توجيه لما يرضيه، وبعبارة أخرى: كل فعل من أفعاله - ﷺ - إما أن يكون مُوَافِقًا لِمَا شَرَّعَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا أَوْ إِبَاحَةً وَحِينَئِذٍ ينزل جبريل - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، وَيُقِرُّهُ صَرَاحَةً، أو يسكت عنه، فيكون إِقْرَارًا سُكُوتِيًا، ويكون شَرْعًا للمسلمين، حيث لم يعدل هذا الحكم حتى لحق الرسول - ﷺ - بربه، لأنه تعالى أمرهم أن يقتدوا به - ﷺ - في أفعاله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٧٥).
وإما أن يكون غير موافق لما شرعه اللهُ للمسلمين، فيستحيل سكوت الله عليه ويعدل قَطْعًا بوسيلة من الوسائل، بالإلهام، أو بالمنام، أو بالاجتهاد، أو بالوحي الصريح.
سواء في ذلك الفعل الذي صدر منه - ﷺ - بالإلهام، أو بالاجتهاد، أو حتى بالطبيعة وَالجِبِلَّةِ أو العادة وَالعُرْفِ.
وكان الصحابة - ﵃ - يؤمنون بذلك، لبس نعله في الصلاة فلبسوا نعالهم، فلما خلع نعله - لسبب لا يعلمونه - خلعوا نعالهم، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ لَهُمْ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟»، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ: أَذًى» (٧٦). ونزل - ﷺ - ضيفًا على أبي أيوب الأنصاري فتكلفوا له طعامًا، فيه بعض البقول (الثوم) فكره أكله، أكل من غيره، ولم يمد يده إليه فلم يمدوا إليه أيديهم، فقال لأصحابه: «كُلُوا، فَإِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُوذِيَ صَاحِبِي» (٧٧).
ودخل خالد بن الوليد مع رسول الله - ﷺ - على ميمونة بنت الحارث الهلالية زوجة رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وهي خالة خالد، وخالة ابن عباس - ﵃ - فوجد عندها ضَبًّا (٧٨) مَحْنُوذًا - أَيْ مَشْوِيًّا - قدمت به أختها حُفَيْدَةَ بِنْتَ الحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتْ الضَبَّ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ يَدَهُ لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ، وَيُسَمَّى لَهُ، فأهوى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَا قَدَّمْتُهُنَّ لَهُ. هُوَ الضَبُّ يَا رَسُولَ اللهِ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ عَنْ الضَبِّ فَلَمْ يَمُدَّ خالد بن الوليد يده، وقال: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: «لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ
_________________
(١) [سورة الأحزاب، الآية: ٢١].
(٢) أخرجه أبو داود [" السنن "]- كتاب الصلاة - باب الصلاة في النعل
(٣) اللفظ لابن خزيمة وابن حبان - وأصله في " البخاري ".
(٤) الضب حيوان جَبَلِيٌّ يكثر في البلاد العربية من جنس الزواحف، غليظ الجسم خشنه، وله ذنب عريض حرش أعقد. (" المعجم الوسيط ") يشبه ما يعرف في بعض البلاد (بالسحلية الكبيرة).
[ ٧٤ ]
بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ». قال خالد بن الوليد: فَاجْتَزَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنْظُرُ إِلَيَّ (٧٩). هكذا كان الصحابة يعلمون أن أكله - ﷺ - تشريع، ويخافون من امتناعه - ﷺ - من أكل شيء أن يكون مَمْنُوعًا وَحَرَامًا، ولا يتصور مسلم أنهم يُسَوُّونَ بين أكل رسول الله - ﷺ - لطعام وأكل غيره من الصحابة لهذا الطعام، وما ذلك إلا لإيمانهم بأن فعل رسول الله - ﷺ - تشريع، وكان رسول الله - ﷺ - يُؤَكِّدُ لَهُمْ هذا المعنى، فحين يحكم لهم بالقول بِحِلِّ شَيْءٍ كَانَ يُؤَكِّدُ هَذَا التَّحْلِيلَ اللفظي بالتحليل العملي فيسألهم أن يشركوه في أكل ما يسألون عن أكله فبعد أن أَحَلَّ لهم أكل الحمار الوحشي، وَقَالَ لَهُمْ: «كُلُوهُ، هُوَ حَلاَلٌ»، قَالَ لَهُمْ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟» فَنَاوَلُوهُ العَضُدَ فَأَكَلَهَا (٨٠). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لَهُمْ: «كُلُوا وَأَطْعِمُونِي». قال بعض العلماء؛ طلب النَّبِيُّ - ﷺ - أن يأكل تَطْيِيبًا لقلب من أكل وبيانًا للجواز بالقول والفعل لإزالة الشُبْهَةِ (٨١). إن الذين ينفون التشريع عن فعل النَّبِيِّ - ﷺ - في الأكل والشرب يُسَوُّونَ بَيْنَ أَكْلِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَبَيْنَ أَكْلِ أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي لَهَبٍ، فالكل عندهم صادر عن الجبلة والعادة والطبيعة البشرية. وما هكذا يفهم الإسلام.
هذا وإن ما يتعلق بالطعام والشراب يجري حكمه في جميع الأفعال الجبلية البشرية حتى قضاء الحاجة، وعلاقة الرجل بالمرأة، وهي أمور جبلية يشترك فيها الحيوان الأعجم مع الإنسان، تدخلت الشريعة الإسلامية فيها، وتدخلت السُنَّةُ النَّبَوِيَّةُ نحوها بتهذيب الطبائع وتقويم العادات.
كانوا يقضون الحاجة جماعات، يرى بعضهم بعضًا، ويكلم بعضهم بعضًا، فَعَلَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أُمَّتَهُ البُعْدَ عِنْدَ قَضَاءِ الحَاجَةِ، وَعَلَّمَهُمْ التواري والتستر وعدم الكلام مِمَّا لم يكن مألوفًا وكانوا يبولون قِيَامًا، فلما بال رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جَالِسًا قال بعضهم لبعض: انظروا، إنه يبول جَالِسًا كما تبول المرأة (٨٢).
وكانوا لا يؤاكلون الحائض، ولا يأكلون ما عملت يداها، ولا يخالطونها ولا يلامسونها، عادات يهودية جاهلية، فتدخلت الشريعة بتغيير ما لا يصلح، فكان رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يباشر نساءه فوق الإزار وَهُنَّ حُيَّضٌ (٨٤)، وتغسل زوجته له رأسه وهي حائض (٨٥)، ويطلب من زوجته الحائض أن تناوله فراش الصلاة، فَتَقُولُ لَهُ: إِنِّي حَائِضٌ؟ فَيَقُولُ لَهَا: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» (٨٦)، وتشرب عائشة من الإناء، وهي حائض، فيطلبه منها
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب الصيد والذبائح - باب الطيب
(٢) أخرجه " البخاري ": كتاب جزاء الصيد - باب لا يشير المُحْرِمُ إلى الصيد.
(٣) انظر " فتح الباري ": ٤/ ٣٨.
(٤) أخرجه النسائي وابن ماجه - وأبو داود / كتاب الطهارة - باب الاستبراء من البول.
(٥) المصدر السابق.
(٦) المصدر السابق.
(٧) المصدر السابق.
[ ٧٥ ]
- ﷺ - فتناوله، فيضع فَاهُ على موضع فَمِهَا حين شربت، فيشرب من مكان شُرْبِهَا وتنهش من قطعة اللحم، وهي حائض، فيتناولها منها، وينهش من المكان الذي نهشت منه، ويضع فمه على موضع فمها، ويتكئ في حجرها، وهي حائض، فيقرأ القرآن (٨٧).
كل هذه الأفعال سبيلها سبيل الحاجة البشرية، وكلها شرع وتشريع، يقول الإمام النووي استنباطًا من هذه الأحاديث: «[فَفِيهِ جَوَازُ] النَّوْمِ مَعَ الحَائِضِ وَالاِضْطِجَاعِ مَعَهَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ مُلاَقَاةِ البَشَرَةِ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، أَوْ يَمْنَعُ الفَرْجَ وَحْدَهُ عِنْدَ مَنْ لاَ يُحَرِّمُ إِلاَّ الفَرْجَ، قَالَ العُلَمَاءُ: لاَ تُكْرَهُ مُضَاجَعَةُ الْحَائِضِ، وَلاَ قُبْلَتُهَا وَلاَ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ وَضْعُ يَدِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَائِعَاتِ، وَلاَ يُكْرَهُ غَسْلُهَا رَأْسَ زَوْجِهَا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ مَحَارِمِهَا، [وَتَرْجِيلُهُ] وَلاَ يُكْرَهُ طَبْخُهَا وَعَجْنُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الصَّنَائِعِ، وَسُؤْرُهَا وَعَرَقُهَا طَاهِرَانِ، وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَقَلَ [الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ] بْنُ جَرِيرٍ [فِي كِتَابِهِ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ] وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا كُلِّهِ، وَدَلاَئِلُهُ مِنَ السُّنَّةِ ظَاهِرَةٌ مَشْهُورَةٌ» (٨٨)، فمن أين لنا هذه الأحكام الشرعية لو لم تكن أفعاله هذه تشريعًا؟.
نعم. وإن ما يجري في الطعام والشراب يجري حكمه في جميع الأفعال الجبلية البشرية، ففي اللباس حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - على الرجال تطويل الثياب كِبْرًا وَفَخْرًا فقال: «مَا أَسْفَلَ الكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ» (٨٩). وقال: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (٩٠).
وَحَرَّمَ عليهم لبس الحرير، فقال: «مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ» (٩١).
وَنَهَى - ﷺ - عن المشي في نعل واحدة، فقال: «لاَ يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا» (٩٢).
وفي مباحات الثياب لبس - ﷺ - الإزار والرداء، ولبس الجُبَّةَ الشَّامِيَّةَ، ولبس القميص ولبس جُبَّةً من صوف، ولبس القباء، وكسا بعض أصحابه البرانس، واشترى السراويل، وَرُوِيَ أَنَّهُ لَبِسَهَا، ولبس العمامة، وَتَقَنَّعَ، وَعَصَّبَ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ فَوْقَ العِمَامَةِ ولبس على رأسه المغفر، وكانت العمامة السوداء فوق المغفر، ولبس البردة النجراني ولبس الحبرة، وكانت أحب الثياب إليه، وهي على وزن (عنبة) وهي بردة يمانية مخططة موشاة مزينة، ولبس الشملة، وهي ثوب طويل أشبه بما يعرف في أيامنا بالشال، يلتحف بها،
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) شرح النووي على " مسلم " (كتاب الحيض).
(٣) أخرجه " البخاري ": كتاب اللباس - باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق.
(٦) أخرجه " البخاري ": كتاب اللباس - باب لا يمشي في نعل واحدة.
[ ٧٦ ]
فكان - ﷺ - يتجوز من اللباس والبسطة ويتوسع في اللباس فلا يضيق، ولا يقتصر على صنف بعينه، فلبس الثياب السود والخضر والبيض والحمر وذات الخطوط وذات الأعلام والسادة، وقال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ» (٩٣).