لقد فعل رسول الله - ﷺ - أفعالًا مناسبة لظروفها وملابساتها، لا تقع منه لو كانت الظروف غير الظروف، فالتمسك بهذه الأفعال في غير ظروفها يشبه استعمال مكيف التبريد في الشتاء القاسي بِحُجَّةِ أنه استعمل في وقت من الأوقات.
رسول الله - ﷺ - أكل بأصابعه، ولعق أصابعه بعد الأكل، وأمر أصحابه بلعق الأصابع، وَحَثَّهُمْ على لعق الإناء (١١٩).
هذا صحيح، ولكن ما هي الظروف التي فعل فيها ذلك؟ وأمر فيها بذلك؟.
لو أنك في صحراء لا ماء فيها، وليس معك من الماء إلا ما يكفي شرابك، فوضعت طعامك المتيسر لك قطعًا من القرع مع قطعة من لحم كان مُجَفَّفًا في الشمس تسبح في ماء، فأخذت كسرة من خبز، وتتبعت قطع القرع السابحة في مائها بأصابعك، فأكلت هل تبقى أصابعك بما عليها من دسم لتصيب ثيابك؟ أو تصيب ثياب الآخرين؟ أو تلوث بها كل ما لاقت؟ أو تلعقها حيث لا ماء؟ لقد شَرَّعَ اللهُ في مثل هذه الحالات التيمم بدل الوضوء
_________________
(١) انظر " مجلة مركز بحوث السُنَّةِ والسيرة - جامعة قطر - العدد الثالث: ص ٩٤.
(٢) " البخاري ": كتاب الأطعمة - باب لعق الأصابع.
[ ٨٣ ]
للصلاة، أفلا يشرع على لسان نَبِيِّهِ - ﷺ - لعق الأصابع؟ أليس لعق الأصابع في هذه الحالة أرقى عمل إنساني يحصل أكبر قدر ممكن من النظافة؟.
وَهَبْ أنك في هذه الحالة ليس معك إلاَّ إناء واحد، ستأكل فيه مَرَّةً وَمَرَّةً وَمَرَّةً فأكلت منه القرع ظُهْرًا، وستضع فيه القرع في الليل، ولا ماء تغسله. هل تبقيه مع بقايا طعامه يجمع الأتربة والهوام؟ أو تلعقه بعد الأكل بأصابعك ولسانك وشفتيك؟.
ماذا في لعق الإناء حينئذٍ؟ ألست تثاب على فعلك هذا حيث إنه نظافة؟ لو أنَّ الإناء تكلم أَيَمْدَحُكَ أَمْ يَذُمُّكَ؟ أيستغفر لك أم يدعو عليك؟.
إنَّ استقذارنا لِلَعْقِ الأصابع بعد الأكل عُرْفٌ وَعَادَةٌ، وإلاَّ فلا فرق بين لعق الأصابع مَرَّةً واحدة في نهاية الأكل ولعق الملعقة في كل مَرَّةٍ ذَهَابًا وَجِيئَةً حتى سميت الآلة باسم اللعق (ملعقة) بقايا الطعام الذي فوق الأصابع هو بقايا الطعام الذي فوق الملعقة، وهو نفس الطعام الذي تناولناه بشغف وشهية. لكن لِلْعُرْفِ والعادة احترامهما شَرْعًا. وما يستقذره الناس ينبغي اجتنابه حيث لا ضرورة، فمراعاة مشاعر الآخرين من أهم مطالب الإسلام، ومن أبرز مقاصده وأهدافه، لكن الضرورات تبيح المحظورات، واحتمال أخف الضررين واجب، ولعق الأصابع مع قبح المنظر أخف ضَرَرًا من بقاء الدسم عليها وتلويثها مَا تُصِيبُهُ حيث لا مَاءَ.
ولقد جَرَّبْتُ هذه الأزمة، وَمَرَرْتُ بمثل هذه الحالة حين تَاهَتْ بنا السيارة في صحراء نَجْدٍ ولم يبق معنا من الزاد والماء سوى عُلْبَةٍ وَاحِدَةٍ صَغِيرَةٍ من الخضار المحفوظ اشتركنا نحن الخمسة في التقاط حباتها من الإناء غير المغسول، وتسابقنا في لعق إنائها بأصابعنا، ثم بشفاهنا وَأَلْسِنَتِنَا، وأدركنا قيمة هذه اللعقة، لا من حيث النظافة فحسب بل ومن حيث ما نحصل عليه بها من طعام، وَتَذَكَّرْنَا ما قرأناه عن صحابة رسول الله - ﷺ - من أنهم كانوا يحملون معهم في سفرهم وغزواتهم النَّوَى - نوى التمر - في أكياس، يَمُصُّونَهُ عند الجوع، فقد روى " مُسْلِمٌ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا - أَيْ إِبِلَنَا -، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «افْعَلُوا»، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَدَعَا
[ ٨٤ ]
بِنِطَعٍ - بِسَاطٌ مِنْ جِلْدٍ -، فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ. قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ. قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ. قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَسْرَةٍ قَالَ: وَجَاءَ ذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ. قِيلَ لَهُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ » (١٢٠).
فهل قوم بهذه الحالة تنكر عليهم أنْ يلعقوا أصابعهم آنيتهم؟.
رسول الله - ﷺ - في وقت السلم، وفي إقامته في الحاضرة - المدينة - يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ - أي بحفنة واحدة - من الماء، ويغتسل بالصاع (١٢١) - أي بأربع حفنات من الماء، ويستجمر بالحجارة قبل الاستنجاء لِيُقَلِّلَ بقدر الإمكان كمية الماء.
ولو أنه - ﷺ - عاش في زمننا، وأمامه صنبور الماء الساخن، وصنبور الماء البارد وصنبور الصابون السائل، ورف الصابون الجامد، وأنواع المُجَّفِّفَاتِ الهوائية ما لعق الأصابع، ولا أمر بلعقها، وما حَثَّ على لعق الإناء وبجواره غَسَّالَةُ الأطباق.
ولو أنه - ﷺ - عاش في زمننا، وفي بيئتنا لاغتسل تحت الدش بأكثر من مائة صاع وَدَلَكَ جِسْمَهُ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ بمختلف أنواع الشَّامْبُو والمُرَطِّبَاتِ الجِلْدِيَّةِ ذات الروائح العطرية.
فالظروف والملابسات وَالمُتَغَيِّرَاتُ جزء من الحكم، بل هي أساسية ومقتضياته.
وكان رسول الله - ﷺ - وصحابته يُعِدُّونَ سلاحهم لِمُلاَقَاةِ الأَعْدَاءِ، فَيُسَوُّونَ النبل ويحدون السيف، ويقيمون الرمح، ويربطون الناقة والفَرَسَ والبغال في سبيل الله.
ولو أنه - ﷺ - عاش في زمننا أكانت شريعة إعداد القوة هي تلك التي كانت؟ أم كانت ستتحول إلى الطائرات والسيارات المُصَفَّحَةِ والدَبَّابَةِ والصاروخ، بل والقنبلة الذرية؟ وكافة التكنولوجيا الحربية الحديثة؟.
إنَّ مشكلة الإسلام في بعض أهله الجَامِدِينَ المُتَزَمِّتِينَ المُتَنَطِّعِينَ رَمْزَ التَخَلُّفِ، وَعُبَّادِ الصورة والظاهر، يأكلون بأصابعهم وأَكُفِّهِمْ في وسط قوم لا يلامس الطعام أيديهم، يلعقون أصابعهم أمام قوم يَشْمَئِزُّونَ من هذا المنظر، وقد يصابون بالمرض أو الغثيان.
وَإِنْ أَنْسَ لاَ أَنْسَى يَوْمًا دُعِيتُ فيه للغذاء لأول مَرَّةٍ في نَجْدٍ عند قوم، سَنَةَ ثلاثٍ وخمسين وتسعمائة وألف من الميلاد، فَوُضِعَتْ أمامي على الأرض صَحْفَةٌ كبيرة، عليها كومة من الأرز، فوقها الضأن كاملًا، وحول الصَحْفَةِ أطباق صغيرة بكل منها سائل
_________________
(١) أخرجه " مسلم ": كتاب الإيمان - باب من مات على التوحيد دخل الجنة.
(٢) أخرجه " البخاري ": كتاب الوضوء - باب الوضوء بالمد.
[ ٨٥ ]
الصلصة، وَالْتَفَّ المَدْعُوُّونَ حولها، وَسُلِّمَتْ لي ملعقة على مَضَضٍ من الدَّاعِي، وبدأنا نأكل، من حولي يأخذ القبضة من الأرز تعدل ملعقتين، يظل يقبضها ويبسطها حتى يعجنها، ثم يغمس قبضته بما فيها في طبق الصلصة، ثم يلقيها في فمه، مُبَلِّلًا شعر لحيته الطويلة، وَأَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ عَنْهُمْ إِذْ أَحْسَسْتُ بالغثيان، لكنهم بدأوا يقطعون اللحم بهذه الأيدي وَيُقَدِّمُونَهَا لي لآكُلَهَا، وبكل إصرارٍ اضطررتُ لوضع قطعة في فمي، وكأني أدخل أصابعهم، وليس قطعة اللحم، وَتَحَرَّكَتْ أَمعائي، وتمالكت نفسي وأمسكت التقلب في معدتي حتى وصلت بيتي، فأفرغت ما فيها ولازمتُ الفراش أَيَّامًا يعلم الله آثارها على مستقبل حياتي الصِحِيَّةِ.
أهذا هو الإسلام؟ مَنْ يَقُلْ منهم هذا هو الإسلام فهو لا يعرف الإسلام، الإسلام دين النظافة والمشاعر الإنسانية، والإحساس المرهف «لاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ، [فَإِنَّ] ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» (١٢٢) «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ» (١٢٣) «لَمْ يَعِبْ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ عَافَهُ تَرَكَهُ» (١٢٤).
إن مشكلة الإسلام في بعض أهله، وقد أخبرني بعض منهم ممن يتصدون للدعوة في الخارج أنهم يذهبون إلى أوروبا وأمريكا، يدعون إلى الإسلام، ويأكلون على الأرض هناك وبأصابعهم، على أن هذه الصورة التي يدعون إليها، صورة الإسلام.
مُنَفِّرُونَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، فَتَّانُونَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، إن الإسلام رمز الطهر والنقاء والصفاء والنور والهداية، يُسْرٌ لاَ عُسْرَ فِيهِ، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٢٥)، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١٢٦).
إن الإسلام دين الزينة والطيبات والجمال، دستوره الخالد يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١٢٧)، «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (١٢٨)، «إِنَّ اللهَ [يُحِبُّ] إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ»، وفي رواية أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا رَثَّ الثِّيَابِ، فَقَالَ لَهُ: «إِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُهُ عَلَيْكَ» (١٢٩) قالها لرجل رآه في ثياب دون، وفي رواية أنه - ﷺ - رَأَى رَجُلًا شَعِثًا، قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ فَقَالَ: «أَمَا كَانَ يَجِدُ
_________________
(١) أصله في " البخاري ": كتاب الاستئذان - باب لا يتناجى اثنان دون الثالث.
(٢) أخرجه " البخاري ": كتاب الأطعمة - باب التسمية على الطعام والأكل باليمين والأكل مما يليك.
(٣) أخرجه " البخاري ": كتاب الأطعمة - باب ما عاب طعامًا قط. [الحديث كما ورد في " صحيح البخاري ": «مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ»، البخاري: " الجامع الصحيح " ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (٧٠) كتاب الأطعمة (٢١) بَابُ مَا عَابَ - النَّبِيُّ ﷺ - طَعَامًا. حديث رقم ٥٤٠٩، (" فتح الباري ": ٩/ ٥٤٧)].
(٤) [سورة المائدة، الآية: ٦].
(٥) [سورة الحج، الآية: ٧٨].
(٦) [سورة الأعراف، الآيتان: ٣١، ٣٢].
(٧) أخرجه " مسلم ": كتاب الإيمان، جوابًا عن سؤال: إن الرجل يحب أن يرى ثوبه حسنًا ونعله حسنة.
(٨) أخرجه البيهقي بإسناد جَيِّدٍ.
[ ٨٦ ]
هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ؟ وَرَأَى رَجُلًا آخَرَ وَعَلْيِهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ، فَقَالَ أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ» (١٣٠).
إن مشكلة الإسلام في بعض أهله المُتَشَدِّدِينَ، ولا أراهم إلا أنهم كانوا سَبَبًا في تفريط المفرطين، فالتطرف يخلق التطرف، والإفراط يخلق التفريط.