إِنَّ الشُّبْهَةَ في أضيق نطاقها تكمن في المباح من أفعاله - ﷺ - التي سبيلها الحاجة البشرية والعادة البيئية، ولما كان فِي رَدِّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ رَدٌّ لما عداها من باب أولى رَكَّزْنَا وَنُرَكِّزُ عَلَيْهَا لِنُثْبِتَ أَنَّ هذا النوع من أفعاله - ﷺ - تشريع، لأنه تكليف شرعي.
نعم المباح نفسه تكليف وإلزام بعدم تجاوزه، والاختيار فيه إنما هو داخل في دائرة الجواز. وهو تكليف وإلزام بفعل أحد الخيارات المباحة، فالأكل والشرب في أصله وجملته واجب، يحرم الامتناع عنه مُدَّةً تُعَرِّضُ النفس للهلاك، والاختيار في المأكول والبدائل واللباس في أصله وجملته واجب، يحرم التجرد منه نِهَائِيًّا وكشف العورة للناظرين والاختيار في بدائل اللبس والملبوس. فالمباح تكليف وتشريع، لكنه ليس تكليفًا بأحد المباحات دون غيره، وإنما هو تكليف من حَيْثِيَّتَيْنِ، حَيْثِيَّةُ الإِلْزَامِ بِعَدَمِ التَّجَاوُزِ، وَحَيْثِيَّةُ التَّحَرُّكِ فِي دَائِرَتِهِ.
يُعَبِّرُ عن ذلك الشاطبي بقوله: (*).
«[وَأَمَّا سَائِرُ الأَقْسَامِ - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا] الدُّخُولَ تَحْتَ [خِيَرَةِ] المُكَلَّفِ، فَإِنَّمَا دَخَلَتْ بِإِدْخَالِ الشَّارِعِ لَهَا تَحْتَ اخْتِيَارِهِ، [فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى إِخْرَاجِهَا] عَنِ اخْتِيَارِهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ المُبَاحَ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ وَغَرَضٌ؟، وَقَدْ لاَ يَكُونُ؟ [فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ لَيْسَ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ، بَلْ فِي رَفْعِهِ مَثَلًا، كَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ اخْتِيَارِهِ؟] فَكَمْ مِنْ صَاحِبِ هَوًى يَوَدُّ لَوْ كَانَ المُبَاحُ الفُلاَنِيُّ مَمْنُوعًا، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ وُكِّلَ إِلَيْهِ مَثَلًا تَشْرِيعُهُ لَحَرَّمَهُ، كَمَا يَطْرَأُ لِلْمُتَنَازِعَيْنِ فِي حَقٍّ. (الشُّفْعَةُ مَثَلًا، أَوِ الطَلاَقُ، أَوْ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ)
فإذن، إِبَاحَةُ المُبَاحِ مَثَلًا لاَ تُوجِبُ دُخُولَهُ بِإِطْلاَقٍ تَحْتَ اخْتِيَارِ المُكَلَّفِ، إِلاَّ مِنْ حَيْثُ كَانَ قَضَاءً [مِنَ] الشَّارِعِ، وَإِذْ ذَاكَ يَكُونُ اخْتِيَارُهُ تَابِعًا لِوَضْعِ الشَّارِعِ، وَغَرَضُهُ مَأْخُوذًا مِنْ تَحْتِ الإِذْنِ الشَّرْعِيِّ لاَ بِالاسْتِرْسَالِ الطَّبِيعِيِّ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ إِخْرَاجِ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ [عَبْدًا لِلَّهِ]» (٩٤).
وَإِلَيْكَ أَمْثِلَةٌ تُوَضِّحُ المَقْصُودَ:
يقول الله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٩٥).
_________________
(١) أصله في " البخاري "، وانظر ما يتعلق باللباس في " فتح الباري ": ١٠/ ٢٦٤ وما بعدها. (*) [قارن بالصفحة ٥٥ من هذا الكتاب].
(٢) " الموافقات " للشاطبي: ٢/ ١٢٢ وما بعدها.
(٣) [سورة المائدة، الآية: ٨٩].
[ ٧٧ ]
فقد كلف الحالف وألزم بأحد أمور ثلاثة، هو مختار بينها، يباح له أن يقوم بأي منها.
وإذا كنت تملك كُوبًا من لبن فإنه يباح لك أن تشربه، وأن تضع فيه عَسَلًا، وأن تخلطه بليمون أو برتقال أو تفاح أو موز، وأن تشرب بعضه وتترك بعضه، وأن تهديه لغيرك، لكن لا يباح لك أن تتفل أو تبصق فيه، أو أن تخلطه ببول أو دم أو خمر، أو نجس، بل لا يباح لك أن تريقه على الأرض وغيرك في احتياج إليه.
وإذا كان على مائدتك أصناف من الطعام، بعضها حلال وبعضها حرام، لحم خنزير ولحم ضأن، ولحم ميتة، وَلَحْمٌ مُذَكًّى، وخمر ولبن، فأنت مُخَيَّرٌ في دائرة المباح من الطعام والشراب، تأكل وتشرب من هذا وتدع ذاك، وتشتهي منها هذا وتعاف منها ذاك، بعض الناس يشتهي الجراد وَبَعْضُهُمْ يَعَافُهُ، بعض الناس يشتهي الأرنب، وَبَعْضُهُمْ يَعَافُهُ، رسول الله - ﷺ - يَعَافُ الضَبَّ وخالد بن الوليد يلتهمه التهامًا، حركة في دائرة محددة وحظر ومنع من تجاوزها إلى الحرام.
وإذا كنت تملك عشرين ثَوْبًا حَلاَلًا فإنه يباح لك أن تلبس منها ما تشاء في الصباح وما تشاء في المساء، وأن تهمل منها ما تشاء، وأن تعتز منها بما تشاء، لكن ليس لك أن تتجاوز بها دائرة المباحات إلى المحرمات، فلا يجوز لك أن تفسدها أو تحرقها، بل لا يجوز لك أن تلبسها فَخْرًا وَرِيَاءَ النَّاسِ. وإذا كنت تملك مائة ألف دينار فإنه يباح لك أن تشتري منها عَقَّارًا أَوْ مَتَاعًا أو سيارة أو مصنعًا أو متجرًا أو مزرعة، أو تتنعم منها بأصناف النعم المباحة، أكلًا وشربًا ولباسًا وسياحة، وكل إنسان أعلم بشؤون دنياه وما يصلحها وما يفسدها، لكن لا يتجاوز دائرة المباحات، فلا يشتري منها خمرًا، أو خنزيرًا، ولا يتعامل بها في الرِّبَا، ولا يغش بها ولا يخادع، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْعِلَ فِي بَعْضِهَا نَارًا، أَوْ يُمَزِّقَهَا وَيَرْمِي بِهَا، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ أَنْ يُسْرِفَ أَوْ يُبَذِّرَ فِي إِنْفَاقِهَا.
يقول - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ حَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَقْرَبُوهَا، وَفَرَضَ فَرَائِض فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ - لاَ عَنْ نِسْيَانٍ، وَلَكِنْ رَحْمَةً بِكُمْ - فَلاَ تَكَلَّفُوهَا» أي فلا تتكلفوها، ولا تلزموا أنفسكم بها وَلاَ تَتَزَمَّتُوا فِي اقْتِفَائِهَا وَتَتَبُّعِهَا (٩٦).
ويقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٩٧).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في " المستدرك ": ٤/ ١١٥ - كتاب الأطعمة.
(٢) [سورة الأعراف، الآية: ٣٢].
[ ٧٨ ]
ويقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ (٩٨).
ويقول: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٩٩).
ويقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١٠٠).
ويقول: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (١٠١).
ويقول: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (١٠٢).
ويقول - ﷺ -: «كُلْ مَا شِئْتَ، وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ [اثْنَتَانِ]: سَرَفٌ، أَوْ مَخِيلَةٌ» (١٠٣).
وهكذا يتضح لنا بجلاء لا يقبل الشك أن المباح تكليف شرعي في دائرة اختيارية سواء أكان سبيله سبيل الحاجة البشرية، أو العادة، أَوْ الجِبِلَّةِ، وَسَوَاءً أَكَانَ حُكْمُ إِبَاحَتِهِ صَادِرًا عَنْ اللهِ تعالى قُرْآنًا، أَوْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا.
وقد سبق أن ذكرنا قول الفخر الرازي (القسم الثاني: الإباحة) (*)، وتثبت بطرق ثلاثة:
والفخر الرازي يقول: القسم الثاني للإباحة، وتثبت بطرق ثلاثة:
[١] أَنْ يقول الشارع: إنْ شئتم فافعلوا، وإنْ شئتم فاتركوا.
[٢] أَنْ تدل أخبار الشرع على أنه لا حرج في الفعل والترك.
[٣] أَنْ لا يتكلم الشرع فيه البتة، ولكن انعقد الإجماع مع ذلك أَنَّ ما لم يرد فيه طلب فعل ولا طلب ترك فالمكلف فيه غير مُخَيَّرٍ.
فالإباحة لا تتحقق إلاَّ على أحد هذه الوجوه الثلاثة المذكورة، وفي جميعها خطاب الشرع دَلَّ عليها، فكانت الإباحة من الشرع» (٨) (*).
ويقول - ﷺ -: «كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ، وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا» فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ، ﷺ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَأَحَلَّ حَلاَلَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» (١٠٤) ثُمَّ تَلاَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١٠٥).
_________________
(١) [سورة الأعراف، الآية: ٣١].
(٢) [سورة البقرة، الآيتان: ٥٧ و١٧٢]، [سورة الأعراف، الآية: ١٦٠]. [سورة طه، الآية: ٨١].
(٣) [سورة المائدة، الآية: ٩٣].
(٤) [سورة الإسراء، الآية: ٢٩].
(٥) [سورة الإسراء، الآيتان: ٢٦، ٢٧]. (*) [انظر الصفحة ٥٥ من هذا الكتاب].
(٦) أخرجه " البخاري " مُعَلَّقًا. كتاب اللباس - باب قول الله تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾؟
(٧) أخرجه ابن مردويه، وَصَحَّحَهُ الحاكم عن ابن عباس.
(٨) [سورة الأنعام، الآية: ١٤٥].
[ ٧٩ ]
قال الحافظ ابن حجر: «وَالاسْتِدْلاَلُ بِهَذَا لِلْحِلِّ إِنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ نَصٌّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -» (١٠٦).
وإذا ثبت أن المباح تكليف شرعي ثبت أنه تشريع، وثبت أن كل أفعال النبي - ﷺ - تشريع.