أَوَّلًا: لو وضعت أمام ابنك تُفَّاحًا وبرتقالًا وموزًا وعنبًا وتمرًا، وَقُلْتَ لَهُ: كُلْ ما شئت من هذه الأصناف، فَأَكَلَ. أَيَكُونُ مُطِيعًا، أَمْ عَاصِيًا؟ أَيَكُونُ مُحْسِنًا أَمْ مُسِيئًا؟ لا خلاف أَنَّهُ يَكُونُ مُطِيعًا مُحْسِنًا، المُطِيعُ المُحْسِنُ يَسْتَحِقُّ الإِحْسَانَ.
وَلَوْ أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أَكَلَ مِنْ حَيْثُ شَاءَ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الشَّجَرَةِ التِي نُهِيَ عَنْ الأَكْلِ مِنْهَا، يَكُونُ مُطِيعًا؟ أَمْ عَاصِيًا؟ مُحْسِنًا أم مُسِيئًا؟ لاَ شَكَّ أَنَّهُ يَكُونُ مُطِيعًا مُحْسِنًا يَسْتَحِقُّ الإِحْسَانَ.
وحينما قال الله تعالى لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ (١٠٧). وفعلت مريم ما أمرت به، أكلت وشربت وَقَرَّتْ عَيْنًا، فعلت ما هو في صالحها، وما هو محبوب لديها مما سبيله سبيل الحاجة البشرية، أتكون مطيعة أم عاصية؟ لا شك أنها تكون طائعة. فَفِعْلُ المُبَاحِ طاعة لله ولرسوله ولو لم يصحبه قصد الطاعة، ولا نِيَّةَ التقرب.
ثَانِيًا: يقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١٠٨). أي سيئاتكم الصغائر، فجعل الله تعالى في مقابل اجتناب الكبائر أَجْرًا حَسَنًا، وهو ما نُعَبِّرُ عنه حين نقول: " المُحَرَّمُ مَا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُثَابُ عَلَىَ تَرْكِهِ "، ولا خلاف في هذا بين العلماء إذا صاحب هذا الاجتناب نِيَّة الطَّاعَةِ، وَقَصْدَ التَقَرُّبِ، واستحضار الخوف من الله، لكن قصدنا من هذا البحث أن مجرد اجتناب الكبائر إحسان يُثَابُ عَلَيْهِ، مهما كانت أسباب هذا الاجتناب، فقد ربط الله تعالى الأجر على الاجتناب ذاته، صاحبه نية تقرب أو لم يصاحبه.
ثَالِثًا: لا شك أن البعد عن الحرام يمنع العقاب عليه، ولو بدون قصد، فلا يعاقب على الزنا من لم يزن، حَتَّى مَنْ هَمَّ بالزنا ولم يزن لم يكتب عليه سيئة بل كتبت له حسنة،
_________________
(١) انظر " فتح الباري ": ٩/ ٥٧٢.
(٢) [سورة مريم، الآيتان: ٢٥، ٢٦].
(٣) [سورة النساء، الآية: ٣١].
[ ٨٠ ]
مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ - ﷺ - «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ [لَهُ] عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» (١٠٩).
قال الحافظ ابن حجر: «وَظَاهِرُ الإِطْلاَقِ [كِتَابَةُ الحَسَنَةِ] بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ» ثُمَّ قَالَ: «وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَسَنَةُ مَنْ تَرَكَ بِغَيْرِ اسْتِحْضَارِ [مَا قُيِّدَ بِهِ] دُونَ حَسَنَةِ الآخَرِ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ تَرْكَ المَعْصِيَةِ كَفٌّ عَنِ الشَّرِّ، وَالكَفُّ عَنِ الشَّرِّ خَيْرٌ» (١١٠).
إن الاشتغال بالمباح - ولو بدون قصد الاستعانة به على البعد عن الحرام - يمنع من الاشتغال بالحرام، فهو وسيلة وسبب للبعد عن الحرام، فالجائع الذي يشتهي كُلَّ شَيْءٍ لو أنك أشبعته من أقل الأشياء انصرفت نفسه عن أطيب الأطعمة، وأمامنا الصائم قبل فطوره وبعد فطوره.
حتى الشهوة الجنسية - وهي أقوى ما يحكم الإنسان مِمَّا سبيله سبيل الحاجة البشرية - عندما تثور تتجه إلى الجميل والقبيح، فإذا ما أشبعت انصرفت عن الجميلة، وَكَثِيرًا مَا يَشْمَئِزُّ منها بعد أن تنطفئ شهوته، وينقضي مأربه، بل قد يعجز عن مباشرة الحرام إذا هو شبع من الحلال، ولذلك جاء في الحديث: «إِنَّ المَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً، فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّ ذَلكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ». وفي رواية " الترمذي ": «فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ مَعَهَا مِثْلَ الَّذِي مَعَهَا».
وفي حديث آخر: «إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ المَرْأَةُ، فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ، فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ» (١١١).
فالاشتغال بالمباح - ولو بدون قصد - يساعد على البعد عن الحرام، فله أجر وثواب، أجر الوسيلة المباحة للغاية الواجبة أو المُسْتَحَبَّةِ، كالخطوات إلى المسجد، وهذه النظرة هي التي دفعت الكعبي ليقول: «لاَ يُوجَدُ مُبَاحٌ فِي الشَّرِيعَةِ، بَلْ إِمَّا أَجْرٌ وَإِمَّا وِزْرٌ فَمَنْ اشْتَغَلَ بِمُبَاحٍ عَنْ المَعْصِيَةِ فَهُوَ مَأْجُورٌ عَلَيْهِ، وَكُلُّ فِعْلٍ يُقَالُ عَنْهُ: مُبَاحٌ، فَهُوَ فِي عَيْنِهِ تَرْكُ المَحْظُورِ، وَتَرْكُ المَحْظُورِ وَاجِبٌ مٌثَابٌ عَلَيْهِ» (١١٢).
والحديث الصحيح يقول: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» (١١٣). فقد جعل - ﷺ - مجرد قضاء الشهوة مع الزوجة - وهو أمر مباح - جعل مجرد الاشتغال بهذا الأمر صدقة، لأن
_________________
(١) اللفظ للبخاري - كتاب الرقاق - باب من هَمَّ بحسنة أو بسيئة.
(٢) انظر " فتح الباري ": ١١/ ٣٣٤.
(٣) أخرجه مسلم - كتاب النكاح. والترمذي - كتاب الرضاع.
(٤) انظر " إمام الحرمين الجويني ": ١/ ٩٩، ١/ ٢٩٤.
(٥) أخرجه مسلم - كتاب الزكاة.
[ ٨١ ]
الاشتغال به في ذاته انصراف عن الحرام، ولو كان الدافع إليه قضاء المتعة واللذة والشهوة البشرية.
رَابِعًا: يقول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ (١١٤). والمباح يدخل في هذا التعميم، ولا فائدة من وجوده إلا أن يثاب عليه إن شاء الله.
خَامِسًا: يقول - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (١١٥). وفي رواية «إِلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً فِيهَا أَجْرٌ».
قال الحافظ ابن حجر: [قَالَ بن أَبِي جَمْرَةَ]: «يَدْخُلُ الغَارِسُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ إِنْسَانٌ فَإِنَّ فَضْلَ اللَّهِ وَاسِعٌ وَفِيهِ التَّنْوِيهُ بِقَدْرِ المُؤْمِنِ، وَأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهِ عَيْنًا».
قَالَ الطِّيبِيُّ: «أَنَّ أَيَّ مُسْلِمٍ [كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا] يَعْمَلُ أَيَّ عَمَلٍ مِنَ المُبَاحِ يَنْتَفِعُ بِمَا عَمِلَهُ أَيُّ حَيَوَانٍ كَانَ يَرْجِعُ نَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ [وَفِيهِ]» (١١٦). وهذا دليل على أن كل مباح يفعله المسلم وينتفع به هو أو غيره مثاب عليه إن شاء الله.
سَادِسًا: إذا دعونا أُنَاسًا لطعامنا فأجابوا دعوتنا، وأكلوا طعامنا فرحنا بهم وسررنا وأحسنا وفادتهم ولقاءهم وشكرناهم، فكيف بالكريم الذي لا يقطع فيض كرمه وعطائه عمن عصاه وهو يبارزه بالمخالفة، يعطيه العافية والصحة والستر والرزق، وهو في حال ارتكابه الكبيرة، ويفتح له باب التوبة بعدها، ويفرح به حين يرجع إليه، ويبدل سيئاته حسنات، كيف يظن به أن يرجع من يجلس على مائدة رزقه المباح صفر اليدين؟ وهو الذي يحب أن يرى أثر نعمته على عبده؟ والمباح نعمة منه يظهر أثرها على من ينعم بها؟.
أمام هذه الأدلة تطمئن نفسي إلى أن أفعل المباح طاعة يثاب عليه كَرَمًا وَإِحْسَانًا، وحسبي أنني أحسن الظن في الله الكريم، الذي يقول في الحديث القُدْسِيِّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» (١١٧).
وإذا كان فعل المباح طاعة فهو شرع الله، لأنه لا ثواب إلا على شرع الله.