بدأ رسول الله - ﷺ -، في العهد المكي يُبَشِّرُ بالقرآن الكريم، ورسالة التوحيد سِرًّا، ثم جهرًا، وكان الرسول - ﷺ - يلتقي بالأضواء كلها على القرآن.
١ - ذلك أن القرآن كلام الله - ﷾ -، وهو بأسلوبه معجز، وهو بمعناه يأخذ بالأفئدة، وهو بعظاته يملك القلوب، وهو بمنطقه يسيطر على العقول.
٢ - ثم إن موضوع القرآن في هذه الفترة كان موضوعًا محددًا: لقد كان جملة من القضايا تتصل بالغيب، الغيب الإلهي، أو - بتعبير آخر - توضح العقيدة.
توحيدًا، ورسالة، وبعثًا.
وكان أسلوب القرآن في ذلك واضحًا لا لبس فيه، مُبَيِّنًا بَيَانًا سَافِرًا.
٣ - وخشي رسول الله - ﷺ -، أن يضيف بعض الناس شيئًا من كلامه إلى القرآن ويخلطوه به، وربما أسرفوا في هذه الإضافة: فلا يستبين الناس الفواصل والفروق بين الأسلوب القرآني الإلهي، والأسلوب
[ ٣٥ ]
النبوي، حينما يتلونهما، في أول العهد بالإسلام، ممتزجين لا تمييز بينهما.
إن معالم الأسلوب القرآني واضحة، وكلام الله، سبحانه أينما كان يتميز بصفات تجعله يسمو بمعزل من غيره، ولكن لا بد من إيجاد الفرصة الكافية لترتسم هذه المعالم في النفوس: أي لا بد من تقديم القرآن خالصًا صافيًا لا يمتزج به غيره.
لا بُدَّ من تقديمه كما أنزل في ثوبه الآلي البحت حتى تصبح المعالم معالم الإعجاز المعجز، بينة سافرة.
من أجل ذلك نهى رسول الله - ﷺ - عن كتابة حديثه، - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -.
٤ - على أن هذه الآيات القرآنية، في العهد المكي، وهي تشرح التوحيد: توحيد الله في الذات وتوحيد الله في الصفات، إنها وهي تشرح الهيمنة الإلهية على الكون، على العوالم: جميع العوالم، ليست: في حاجة إلى بيان أوضح أو إلى تعبير أقوى.
بل إنه لا يتأتى أن يكون هناك بيان أوضح أو تعبير أقوى.
إنها وهي تهدم الشرك، وتدك حصونه، فتقول مثلًا: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ
[ ٣٦ ]
تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ.
أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ.
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١).
إنها، حينما تقول ذلك، لا تحتاج إلى شرح أو تفسير وهي، حينما تتحدث عن البعث فتقول: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (٢).
ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير.
وهي: حينما تتحدث عن الرسول - ﷺ -، ونزول القرآن عليه فتقول:
_________________
(١) [سورة النمل، الآيات: ٥٩ - ٦٤].
(٢) [سورة الزمر، الآيات: ٦٨ - ٧٠].
[ ٣٧ ]
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١). ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير.
ثم هي، حينما تقول ترغيبًا وتبشيرًا:
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾.
﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾.
﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾.
﴿سَلاَمٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٢).
ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير.
وحينما تقول موعظة وإنذار:
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٣). ليست بحاجة إلى شرح أو تفسير.
٥ - ثم إن الموضوعات التي تتحدث فيها هذه الآيات
_________________
(١) [سورة الشعراء، الآيات: ١٩٣ - ١٩٥].
(٢) [سورة يس، الآيات: ٥٥ - ٥٨].
(٣) [سورة فصلت، الآيات: ١٩ - ٢٤].
[ ٣٨ ]
المكية: موضوعات غيبية، والموضوعات الغيبية دقيقة وغاية في الدقة، فهل إذا تحدث الرسول - ﷺ -.
في هذه الموضوعات، ونقل عنه هؤلاء شفهيًا - وهم حديثو عهد بالإسلام وقريبو عهد بالجاهلية الوثنية هل سَيُحْسِنُونَ التعبير عنها أو سيقولونها كما تحدث بها الرسول - ﷺ -، في دقته الدقيقة، وفهمه الواعي عن الله، ﷾؟
من أجل كل ذلك، أمر رسول الله - ﷺ - ألا يكتب عنه غير القرآن.
وحكمة هذا الأمر وتعليله: واضح كل الوضوح مما ذكرنا.
ولكن في فترة العهد المدني تغير الوضع:
ها هو ذا الإسلام ينتشر انتشارًا واسعًا وسريعًا: وها هي ذي الأُمَّةُ الإسلامية الناشئة المؤمنة القوية: تبعث الأمل واسعًا في أن دين الله سينتشر في الآفاق، وسيعم نوره الأقطار، وستحطم كلمة الحق صروح الباطل، وَسَيُتِمُّ اللهُ نُورَهُ ولو كره المشركون، وسيعم لألاؤه رغم ألوف الكافرين.
ومن أجل هذه الأُمَّةِ بدأ الوحي ينزل إرسالًا، أرسالًا بالتشريع في جميع ألوانه: تشريع دولي، وتشريع جنائي، وتشريع مدني، وتشريع للعبادة، وتشريع للأحوال الشخصية.
[ ٣٩ ]
لقد بدأ التشريع الإلهي ينظم حياة الفرد: عبادة ومعاملة: حياته مع نفسه، وحياته مع أُمَّتِهِ، وحياته مع الله تعالى.
لقد أخذ ينظم حياة الإنسان منذ أن يستيقظ في الصباح إلى أن ينتهي به الأمر إلى الصحو من جديد في صباح تال.
وينظم حياته في أسبوع إلى أسبوع، ومن شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام.
وينظم حياته في ذاته، وينظم حياته في أسرته، وينظم حياته في مجتمعه.
وينظم حياة المجتمع الإسلامي كله في الكون كله.
وما كان يتأتى أن يتعرض الوحي في ذلك للتفصيلات المفصلة، ولا للجزئيات الجزئية التي لا تحد ولا تحصى، ولكنه كان يفصل تفصيلًا يشبه أن يكون تامًا في الأمور التي تكون عادة مثار النزاع، وخصوصًا الماليات: كالميراث وكتابة الدَّيْنِ مثلًا.
ويضع قواعد عامة شاملة تتضمن الجزئيات المتعددة في موضوعات أخرى، وكان لاَ بُدَّ من أن يستفيض الرسول - ﷺ - في البيان والشرح والتفسير.
وكان المسلمون قد ألفوا الجو الإسلامي، وألفوا الأسلوب القرآني، عرفوا مفهوم الشرك ومفهوم التوحيد، وتبينت لهم الفروق الفاصلة بين العلم والجهل، وبين الإسلام
[ ٤٠ ]
والجاهلية، وبين توجيه الوجه للذي فطر السموات والأرض وتوجيهه للأصنام أو الشهوات أو اللهو، ولم يكن هناك من خوف على خلط أسلوب القرآن الكريم بغيره.
وكان لاَ بُدَّ من تقييد شروح الرسول - ﷺ -، وتفسيراته. لم يكن هناك ظروف توجب عدم كتابة الحديث، وكانت هناك ظروف توجب كتابته.
ومن أجل ذلك أباح الرسول - ﷺ - كتابته بعد أن كان قد نهى عنها.
وبدأ الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، يكتبون.
روى الإمام البخاري، في كتاب العلم، باب كتابة العلم قال:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: " لاَ، إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ " (*).
ويروي الإمام البخاري:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ -
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [البخاري: " الجامع الصحيح " ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (٣) كتاب العلم (٣٩) باب كتابة العلم، حديث رقم ١١١ (" فتح الباري ": ١/ ٢٠٤، طبعة سَنَة ١٣٧٩ هـ، نشر دار المعرفة بيروت - لبنان)].
[ ٤١ ]
بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلاَ وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لأَبِي فُلاَنٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلاَّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِلاَّ الإِذْخِرَ، إِلاَّ الإِذْخِرَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ، بِالقَافِ.
فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ (*).
ويقول البخاري:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [البخاري: " الجامع الصحيح " ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (٣) كتاب العلم (٣٩) باب كتابة العلم، حديث رقم ١١٢ (" فتح الباري ": ١/ ٢٠٥، طبعة سَنَة ١٣٧٩ هـ، نشر دار المعرفة بيروت - لبنان)].
[ ٤٢ ]
: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (*).
انتهى عن " البخاري ".
ولقد اشتهرت كتابة عبد الله بن عمرو لكل ما يصدر عن رسول الله - ﷺ -، حتى لقد نوقش في ذلك من بعض القُرَشِيِّينَ: يقول - ﵁ - حسبما يروي في " سنن الدارمي " وغيره: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، وَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ».
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - كما يذكر الترمذي -، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْهَدُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَلاَ يَحْفَظُهُ، فَيَسْأَلُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُهُ، ثُمَّ شَكَى قِلَّةَ حِفْظِهِ إِلَى الرَّسُولِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ» (**)، أي بالكتابة.
وَرُوِيَ عَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ، كما يذكر في كتاب " تقييد العلم " أنه قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْمَعُ
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [البخاري: " الجامع الصحيح " ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (٣) كتاب العلم (٣٩) باب كتابة العلم، حديث رقم ١١٣ (" فتح الباري ": ١/ ٢٠٦، طبعة سَنَة ١٣٧٩ هـ، نشر دار المعرفة بيروت - لبنان)]. (**) [انظر الترمذي: " السُنَنْ " تحقيق أحمد شاكر ومن معه (إبراهيم عطوة عوض): (٤٢) كِتَابُ العِلْمِ (١٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِيهِ، حديث رقم ٢٦٦٦، ٥/ ٣٩. نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان].
[ ٤٣ ]
مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَنَكْتُبُهَا؟ قَالَ: «اكْتُبُوا وَلاَ حَرَجَ» (*).
على أنه قد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه كتب كتاب الصدقات والديات، والفرائض، والسنن، لعمرو بن حزم وغيره، كما يروي ذلك صاحب كتاب " جامع بيان العلم وفضله ".
هذا بعض ما كان من الصحابة في عهد رسول الله - ﷺ -. وتكثر الروايات فيما كان من كتابة الصحابة بعد انتقاله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - إلى الرفيق الأعلى.
ففي " مسند الإمام أحمد " عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بِأَشْيَاءَ يُحَدِّثُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا إِلاَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْهُ شَيْءٌ، إِلاَّ هَكَذَا» وَقَالَ: بإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَرَأَيْتُ أَنَّهَا أَزْرَارُ الطَّيَالِسَةِ حِينَ رَأَيْنَا الطَّيَالِسَةَ (**).
ولقد كان الصحابة ينقل بعضهم عن بعض، فعروة بن الزبير - ﵁ - ينقل عن خالته، السيدة عائشة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا -، فتقول له: «يَا بُنَيَّ [إِنَّهُ يَبْلُغُنِي] أَنَّكَ تَكْتُبُ عَنِّي الْحَدِيثَ ثُمَّ تَعُودُ فَتَكْتُبُهُ»
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [" تقييد العلم " للخطيب البغدادي، ص ٧٢، إحياء السنة النبوية - بيروت]. (**) [" المسند " لأحمد بن حنبل، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى: ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م، حديث رقم ٢٤٣، ١/ ٣٦٠، نشر مؤسسة الرسالة].
[ ٤٤ ]
فَقُلْتُ لَهَا: «أَسْمَعُهُ مِنْكِ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْمَعُهُ عَلَى غَيْرِهِ».
فَقَالَتْ: «هَلْ تَسْمَعُ فِي الْمَعْنَى خِلاَفًا؟».
قُلْتُ: «لاَ».
قَالَتْ: «لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ» (*).
وَبَشِيرٌ بْنِ نَهِيكٍ يكتب عن أبي هريرة: ويجيزه أبو هريرة بالرواية عنه.
يقول بشير: كما يذكر كتاب " السنة قبل التدوين " (**) نقلا عن كتاب " المحدث الفاصل " وغيره: أَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِكِتَابِي الَّذِي كَتَبْتُهُ عَنْهُ فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: «هَذَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ؟» قَالَ: «نَعَمْ».
وكان لابن عباس - ﵁ - ألواح يكتب فيها عن الصحابة: مثل أبي رافع صاحب رسول الله - ﷺ - ().
بل لقد وصل الأمر بأنس - ﵁ - الذي لازم رسول الله - ﷺ -، ملازمة تكاد تكون تامة طيلة عشر سنوات أنه كان يملي الحديث على جموع من الطالبين، فإذا كثر عليه الناس، واحتاجوا إلى صحف يكتبون فيها، جاء إليهم بها من عنده فألقاها إليهم، ثم قال: «هَذِهِ أَحَادِيثُ سَمِعْتُهَا وَكَتَبْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺوَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ» (****)
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [" الكفاية في علم الرواية " للخطيب البغدادي، تحقيق أبي عبد الله السورقي، إبراهيم حمدي المدني، ص ٢٠٥، نشر المكتبة العلمية - المدينة المنورة. (**) [انظر " السنة قبل التدوين " للدكتور محمد عجاج لخطيب: ص ٣١٨، الطبعة الخامسة: ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م، نشر دار الفكر للطباعة والنشر. بيروت - لبنان]. () [المرجع السابق: ص ٣١٩]. (****) [" تقييد العلم " للخطيب البغدادي، ص ٩٥، إحياء السنة النبوية - بيروت، وانظر: " السنة قبل التدوين ": ص ٣٢٠].
[ ٤٥ ]
وكان يقول - ﵁ - لِبَنِيهِ: «يَا بَنِيَّ قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» (*).
وكان الصحابة يتراسلون في الأحاديث: يستفسرون ويتذاكرون، فمعاوية بن أبي سفيان - ﵁ -، يكتب للمغيرة بن شعبة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ -، عدة مرات، يستفسر عن بعض ما يرويه المغيرةُ عن رسول الله - ﷺ -.
فيجيبه المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرَّةً عما كان رسول الله - ﷺ -، مثلًا يقول في ختام كل صلاة: «اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» (**).
ويجيبه مرة أخرى بأن رسول الله - ﷺ - «[كَانَ يَنْهَى] عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ المَالِ» ().
ويكتب زياد بن أبي سفيان إلى السيدة عائشة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا -، يسألها عن مسائل تتعلق بالحج، ويذكر لها فتوى ابن عباس - ﵁ -. فتكتب له بما كان - ﷺ - يفعله في الحج.
ويصف المرحوم الأستاذ السباعي بعض الجهود التي قام بها االصحابة لجمع الحديث فيقول في نهاية حديثه عن تلك الجهود: «فلما كان عهد عثمان سمح للصحابة أن يتفرقوا في الأمصار، واحتاج الناس إلى الصحابة وخاصة صغارهم،
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [" جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر: ص ٣١٦، " تقييد العلم " للخطيب البغدادي: ص ٩٦]. (**) [البخاري: " الجامع الصحيح " ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (١٠) كتاب الأذان (١٥٥) بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، حديث رقم ٨٤٤ (" فتح الباري ": ٢/ ٣٢٥، طبعة سَنَة ١٣٧٩ هـ، نشر دار المعرفة بيروت - لبنان). وانظر " المسند الجامع " تأليف محمود محمد خليل: ١٥/ ٣٩٧ حديث رقم ١١٧٤٦. الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م، دار الجيل للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الشركة المتحدة لتوزيع الصحف والمطبوعات، الكويت]. () انظر: [البخاري: " الجامع الصحيح " ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: (٨١) كتاب الرقاق (٢٢) بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ، حديث رقم ٦٤٧٣ (" فتح الباري ": ١١/ ٣٠٦، طبعة سَنَة ١٣٧٩ هـ، نشر دار المعرفة بيروت - لبنان)].
[ ٤٦ ]
بعد أن أخذ الكبار يتناقصون يَوْمًا بعد يوم، فاجتهد صغار الصحابة بجمع الحديث من كبارهم فكانوا يأخذونه عنهم، كما كان يرحل بعضهم إلى بعض من أجل طلب الحديث.
فقد أخرج البخاري في " الأدب المفرد " وأحمد والطبراني والبيهقي واللفظ له عن جابر بن عبد الله قال: «بَلَغَنِيَ حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ، فَابْتَعْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، ثُمَّ سِرْتُ إِلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: " حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي المَظَالِمِ لَمْ أَسْمَعْهُ فَخَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ "، فَقَالَ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: " يُحُشَرُ النَّاسُ غُرْلًا بُهْمًا "، قُلْنَا: " وَمَا [بُهْمٍ؟] " قَالَ: " لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، فَيُنَادِيْهِمْ نِدَاءً يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الدَّيَّانُ لاَ يَنْبَغِيِ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ حَتَّى أَقُصَّهَا مِنْهُ، وَلاَ يَنْبَغِيْ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَحَدٌ
[ ٤٧ ]
مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ "، قُلْنَا: " كَيْفَ؟ وَإِنَّمَا نَأْتِيَ اللهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمَا؟ " قَالَ: " بِالحَسَنَاتِ وَالسَيِّئَاتِ».
وأخرج البيهقي وابن عبد البر عن عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ رَحَلَ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَيْرَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ أَتَى مَنْزِلَ مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ الأَنْصَارِيِّ - وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرَ - فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَعَانَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: " مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا أَيُّوبَ؟ " فَقَالَ: " حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَتْرِ المُؤْمِنِ "، قَالَ: " نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَتَرَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا عَلَى كُرْبَتِهِ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَا أَدْرَكَتْهُ جَائِزَةُ مَسْلَمَةَ إِلاَّ بَعَرِيشِ مِصْرَ (*). اهـ.
ولقد وقر في أذهان الناس، بصورة راسخة أن السُنَّةَ لم تُدَوَّنْ إلا في القرن الثاني، ومن أجل اقتلاع هذه الفكرة الخاطئة أطلنا في نقل بعض النصوص التي تثبت الحقيقة، وهي أن السُنَّةَ دُوِّنَتْ في القرن الأول: في عهد
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٧٢، ٧٣، الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، نشر المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان. (وانظر أيضًا طبعة دار الوارق: ص ٩٠، ٩١)].
[ ٤٨ ]
الرسول - ﷺ -، وفي عهد الصحابة الأَجِلاَّءِ.
ومن أجل زيادة الأمر وضوحًا، ومن أجل تأكيد الحقيقة في الأذهان: ننقل أيضًا رأي الأستاذ الجليل سليمان الندوي، كبير علماء مسلمي القارة الهندية هذا العصر: ننقله من كتابه النفيس " الرسالة المحمدي " وهو محاضرات ألقاها في جامعة مدراس. يقول: «وإني أكشف القناع، لأول مرة في ناديكم هذا بأن من زعم أن الأحاديث النبوية لم تُدَوَّنْ إلى مائة سَنَةٍ أو تسعين سَنَةٍ قد أخطأ، والتاريخ يعارضه».
والسبب في هذا الخطأ ظنهم أن أول كتاب في الحديث النبوي، كتاب " الموطأ " لمالك بن أنس، وأول كتاب في السيرة كتاب " المغازي " لابن إسحاق، وهذان الإمامان الجليلان كانا معاصرين، توفي الأول سَنَةَ ١٧٩ هـ. والثاني سَنَةَ ١٥١ هـ. فاعتبروا العقود الأولى من القرن الثاني بداية تدوين الأخبار والسير.
والأمر ليس كذلك، فإن بواكير التدوين ابتدأت قبل ذلك بكثير، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المتوفى سَنَةَ ١٠١ عالمًا جليلًا، ولي إمارة المدينة ثم استخلف سَنَةَ ٩٩ وقد عهد إلى القاضي أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - الذي كان إمامًا في الحديث والخبر - أن يبدأ في تدوين سُنَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وأخباره، لأنه خاف على العلم أن يرفع شيئًا فشيئًا.
[ ٤٩ ]
وخاف دَرْسَ العلم وعفاءه، وقد ذكر هذا في تعليقات " البخاري "، و" الموطأ " لمالك، و" المسند " للدارمي. فقام بذك أبو بكر بن حزم، وكتبت الأحاديث والأخبار والسنن في القراطيس، وأرسلت إلى دار الخلافة بدمشق، ونسخت في الصحف والكتب، وبعث بها إلى البلاد الإسلامية وكبريات المدن يومئذٍ (١).
فأبو بكر هذا الذي علمتم مكانته من العلم والفضل. وكان قاضيًا بالمدينة المنورة، هو الذي اختاره عمر بن عبد العزيز لهذا العمل الجليل، لعلمه وفضله، ولأن خالته عَمْرَةُ كانت من كبريات تلميذات أم المؤمنين عائشة محفوظًا عنده، فأوعز إليه عمر بن عبد العزيز بتدوين مرويات خالته، وقد اختصها بالذكر في كتابه إليه.
ويتابع السيد الندوي حديثه فيقول: وأمر - ﷺ -، فكتبت أحكام الزكاة وما تجب فيه، ومقادير ذلك، فكتبت مشروحة مفصلة في صفحتين، وبعث بصورة ذلك إلى أمراء البلاد وَوُلاَّتِهَا، وبقيت محفوظة في بيت أبي بكر الصديق، وأبي بكر بن عمرو بن حزم (٢). وكان عند عمال الزكاة رسائل فيها أحكام الزكاة.
وكان لمرويات عبد الله بن عباس كراريس عدة.
_________________
(١) مختصر " جامع بيان العلم وفضله " للحافظ ابن عبد البر: ص ١٣٨. طبع بمصر.
(٢) الدارقطني: " السنن " في كتاب الزكاة ٢٠٩.
[ ٥٠ ]
وجاءه قوم من أهل الطائف بكراسة منها لِيَرْوُوهَا عنه (١).
وكان سعيد بن جبير يكتب روايات عبد الله بن عباس (٢). وبقيت صحيفة عبد الله بن عمرو (الصادقة) موجودة عند حفيده: عمرو بن شعيب (٣).
كانوا يضعفون عمرو بن شعيب، لأنه يروي من الصحيفة، وكان ينبغي له أن يروي من حفظه.
وجمع وهب التابعي روايات جابر بن عبد الله، وكانت عند إسماعيل بن عبد الكريم، وضعفوه لأجل ذلك (٤).
وروى سليمان بن سمرة بن جندب أنه كان عند أبيه صحيفة فيها أحاديث. وكذلك روى ابنه حبيب بن سليمان (٥).
وجمع همام بن منبه روايات أبي هريرة، وهو أكثر الصحابة رواية، وأوعاهم حفظًا لأحاديث الرَّسُولِ - ﷺ - فصارت تعرف صحيفته بين المحدثين بـ " صحيفة همام "، وقد أوردها الإمام أحمد بن حنبل في الجزء الثاني من " مسنده " (٦).
وكذلك بشير بن نهيك: كتب مروياته عن أبي هريرة في كتاب وقرأه عليه (٧).
_________________
(١) " العلل " للترمذي: ص ٦٩١.
(٢) " الدرامي ": ٦٩.
(٣) " سنن الترمذي ": ص ٦١، ١١٣.
(٤) " تهذيب التهذيب " لابن حجر: ص ٣١٦.
(٥) " تهذيب التهذيب ": ٤/ ١٩٨.
(٦) " مسند الإمام أحمد بن حنبل ": ٢/ ٣١٢ - ٣١٨، الطبعة الأولى.
(٧) كتاب " العلل " للترمذي: ص ٦٩١. و" الدارمي ": ص ٦٨، و" السنن الكبرى " للبيهقي: ١٠/ ٢٨٠.
[ ٥١ ]
وذكر ابن حجر في كتابه " فتح الباري ": أن أبا هريرة جاء برجل إلى بيته وأراه أوراقًا وقال: هذه رواياتي. وقال الذي روى ذلك: «إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَكْتُوبَةً بِيَدِهِ» (١).
وكان أنس بن مالك - وهو معروف بكثرة الرواية - يقول لأولاده: «يَا بَنِيَّ اكْتُبُوا العِلْمَ وَقَيِّدُوهُ بِالكِتَابَةِ» (٢).
وكان تلميذه «أبان» يكتب رواياته بين يديه (٣).
وروي عن سلمى قالت: «رأيت عبد الله بن عباس يستملي أبا رافع خادم رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ما كان - ﷺ -، يفعل أو يقول» (٤).
والواقدي وهو من متقدمي المُصَنِّفِينَ في السيرة النبوية يقول: «رأيت عند عبد الله بن عباس الكتاب الذي أرسله رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، إلى المنذر بن ساوى سيد عمان مع كتب أخرى» (٥).
وفي " تاريخ الطبري ": إن عروة بن الزبير كتب جمع ما كان في غزوة بدر مُفَصَّلًا إلى عبد الملك الخليفة الأموي (٦).
ويقول سعيد بن جُبير التابعي: «كنت أكتب على الأقتاب
_________________
(١) " فتح الباري ": ١/ ١٨٤، ١٨٥.
(٢) " الدارمي ": ص ٦٨.
(٣) " الدارمي ": ص ٦٨.
(٤) " طبقات " ابن سعد: ٢/ ٢ / ١٢٣.
(٥) " زاد المعاد ": ٢/ ٥٧.
(٦) " تاريخ الطبري ": ١٢٨٥.
[ ٥٢ ]
ما أسمعه في الليل من عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، فإذا أصبحت كتبته واضحًا» (١).
وكان أصحار البراء بن عازب يكتبون عنده وراياته (٢).
وكان نافع - وقد صحب ابن عمر ثلاثين سَنَةً - يُمْلِي على الناس (٣).
وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود أنه أخرج كتابًا وقال: «وأيم الله، هذا ما كتبته يد ابن مسعود» (٤).
ونتابع الحديث في الموضوع على الرغم من أن الأمر أصبح واضحًا فنضيف إلى ما سبق، أَنَّ مَرْوَانَ قَدْ خَطَبَ فِي النَّاسِ فَذَكَرَ مَكَّةَ وَحُرْمَتَهَا، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ النَّاسُ: «وَالمَدِينَةَ حَرَمٌ حَرَّمَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَنَا فِي أَدِيمٍ [خَوْلاَنِيٍّ]، إِنْ شِئْتَ أَنْ نُقْرِئَكَهُ فَعَلْنَا، فَنَادَاهُ مَرْوَانُ: أَجَلْ قَدْ بَلَغَنَا ذَلِكَ» (٥).
وأرسل الضحاك بن قيس كتابًا إلى النعمان بن بشير يسأله فيه عن السورة التي كان رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يقرؤها في صلاة الجمعة غير سورة الجمعة،
_________________
(١) " الدارمي ": ص ٦٩.
(٢) " الدارمي ": ص ٦٩.
(٣) " الدارمي ": ص ٦٩.
(٤) " جامع بيان العلم " لابن عبد البر: ص ١٧.
(٥) " مسند الإمام أحمد بن حنبل ": ٤/ ١٤١.
[ ٥٣ ]
فكتب إليه يقول: «كان يقرأ ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ [الغاشية: ١]» (١).
وكتب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن فرقد كتابًا ذكر فيه «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ» (٢).
وَيَقُولُ مُجَاهِدٌ: «رَأَيْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو كِتَابًا، فَسَأَلْتُهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: " هَذِهِ الصَّادِقَةُ " فِيهَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ».
ولما وَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عمرو بن حزم اليمن بعثه إليها وأعطاه أحكامًا مكتوبة في الفرائض والصدقات والديات (٣).
وتلقى عبد الله بن حكيم كتابًا من رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فيه أحكام الحيوانات الميتة (٤).
ولما أراد وائل بن حجر أن يرجع إلى بلاده حضرموت ناول رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كتابًا فيه أحكام الصلاة والصوم والربا والخمر وغير ذلك (٥).
وَلَمَّا وَجَّهَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنِ لْخَطَّابِ السُّؤَالَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِنْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ سُنَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي نَصِيبِ المَرْأَةِ
_________________
(١) " صحيح مسلم ".
(٢) " صحيح مسلم ".
(٣) " كنز العمال ": ٣/ ١٨٦.
(٤) " المعجم الصغير " للطبراني: ص ٢١٧.
(٥) " الطبراني ": ص ٢٤٢.
[ ٥٤ ]
من دية زوجها قام الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ فقال: «نعم عندنا كتاب من رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يبين فيه ذلك» (١).
وقد بلغ عدد الصحابة - ﵃ - في آخر حياة النَّبِيِّ - ﷺ - عندما حج حجة الوداع - مائة ألف، ومن هؤلاء عشرة آلاف صحابي مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في كتب التاريخ التي أفردت لتدوين أحوالهم الخاص.
وإن التاريخ لم يهتم بتدوين أحوالهم ولم يحفظ لنا شؤونهم إلا لأن كل واحد منهم حفظ شيئًا من أقوال النَّبِيِّ - ﷺ -، وأفعاله وتصرفاته وهديه وسيرته.
لقد توفي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَنَةَ ١١ من الهجرة النبوية، وبقي فريق من كبار الصحابة بعده إلى سَنَةِ أربعين، وبقي بعد ذلك من الصحابة، الذين كانوا أحداثًا في حياة النَّبِيِّ - ﷺ - عدد غير قليل. فلما انقرض ذلك الجيل لم يبق من الصحابة أحد، وانطفأ كل سراج أوقد بنور النبوة.
وإليكم أسماء آخر من مات من الصحابة، والبلاد التي ماتوا فيها، وسنوات وفاتهم.
_________________
(١) " سنن الدارقطني ": ٢/ ٤٨٥، انظر " السنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب و" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور السباعي، و" رجال الفكر والدعوة " لأبي الحسن الندوي.
[ ٥٥ ]
أخر الصحابة موتًا ---------------------- المدن التي توفوا فيها ----------- سَنَة الوفاة.
١ - أبو أمامة ---------------------------------- الشام ---------------------- ٨٦
٢ - عبد الله بن الحارث بن جزء ----------------- مصر --------------------- ٨٦
٣ - عبد الله بن أبي أوفى ----------------------- الكوفة --------------------- ٨٧
٤ - السائب بن يزيد --------------------------- المدينة --------------------- ٩١
٥ - أنس بن مالك ----------------------------- البصرة --------------------- ٩٣
وأنس بن مالك هذا الذي كان آخر من بقي من الصحابة كان الخادم لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، استمر في خدمته عشر سنوات متوالية.
ومعظم هذه الثروة الحديثية - كما يقول الأستاذ الجليل أبو الحسن الندوي - قد كتب وَدُوِّنَ بأقلام رواة العصر الأول، وقد يزيد ما حفظ في الكتب والدفاتر كتابة وتحريرًا في العصر النبوي وفي عصر الصحابة - ﵃ -، على عشرة آلاف حديث، إذا جمعت صحف ومجاميع أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وَعَلِيٍّ وابن عباس - ﵃ -، فيمكن أن يقال: إن ما ثبت من الأحاديث الصحاح واحتوت عليه مجاميعها ومسانيدها قد كتب وَدُوِّنَ في عصر النبوة وفي عصر الصحابة قبل أن يُدَوَّنَ " الموطأ و" الصحاح " بكثير.
[ ٥٦ ]
جمعت السُنَّةُ إذن - جميعها تقريبًا - في عهد الرَّسُولِ - ﷺ -، وعهد الصحابة.
جمعت دون ترتيب ولا تنسيق.
جمعت متفرقة متناثرة، يكتب هذا الحديث والحديثين، ويكتب الآخر المائة والمائتين، ويزيد الثالث عن ذلك، ويملي الرابع من حفظه على الآخرين، وهكذا، وفي ذلك لم يكن لأحد اهتمام بالتنضيد أو التنسيق.
يقول الأستاذ العالم الورع المتثبت أبو الحسن الندوي في كتابه " رجال الفكر والدعوة " ما يلي:
وإذا اجتمعت هذه الصحف والمجاميع، وما احتوت عليه من الأحاديث، كونت العدد الأكبر من الأحاديث التي جمعت في الجوامع والمسانيد والسنن في القرن الثالث.
وهكذا يتحقق أن المجموع الكبير الأكبر من الأحاديث سبق تدوينه وتسجيله - من غير نظام وترتيب - في عهد الرَّسُولِ - ﷺ -، وفي عصر الصحابة - ﵃ -.
ويتحدث الأستاذ أبو الحسن الندوي عن الوهم الشائع بين الناس من أن السُنَّةَ لم تُدَوَّنْ إلا في القرن الثالث، ويعلل هذا الوهم تعليلًا منطقيًّا فيقول:
وقد شاع في الناس - حتى المثقفين والمؤلفين - أن الحديث لم يكتب ولم يسجل إلا في القرن الثالث الهجري،
[ ٥٧ ]
وأحسنهم حالًا من يرى أنه قد كتب ودوّن في القرن الثاني.
وما نشأ ذلك الغلط إلاَّ عن طريقتين:
الأولى: أنَّ عامة المؤرِّخين يقتصرون على ذكر مدوِّني الحديث في القرن الثاني، ولا يعنون بذكر هذه الصحف والمجاميع التي كتبت في القرن الأول، لأنَّ عامتها فقدت وضاعت مع أنها اندمجت وذابت في المؤلفات المتأخرة.
الثانية: أنَّ المحدثين يذكرون عدد الأحاديث الضخم الهائل الذي لا يتصوَّر أنْ يكون قد جاء في هذه المجاميع الصغيرة التي كتبت من القرن الأول، مع أنَّ عدد الأحاديث الصحاح غير المتكررة المتجردة من المتابعات والشواهد لا يزال قليلًا.
وقد نبَّه على ذلك العلاَّمة، مناظر أحسن الكيلاني رئيس القسم الديني سابقًا في الجامعة العثمانية بحيدر آباد في كتابه العظيم " تدوين الحديث " يقول - ﵀ -: «وقد يتعجَّب الإنسان من ضخامة عدد الأحاديث المروية فيقال: إنَّ أحمد بن حنبل كان يحفظ أكثر من سبعمائة ألف حديث.
وكذلك يقال عن أبي زُرعة.
ويروى عن الإمام البخاري أنه كان يحفظ مائتي ألف من الأحاديث الصحيحة.
ويُروى عن مسلم أنه قال: " جمعت كتابي من ثلاثمائة ألف حديث ". ولا يعرف كثير من المتعلمين - فضلًا عن
[ ٥٨ ]
العامة - إن الذي يكون هذا العدد الضخم هو كثرة المتابعات والشواهد التي عني بها المحدثون.
فحديث «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» مثلًا يروى من سبعمائة طريق.
فلو جردنا مجاميع الحديث من هذه المتابعات والشواهد لبقي عدد قليل من الأحاديث.
فـ " الجامع الصحيح " للبخاري لا تزيد الأحاديث التي رويت بالسند الصحيح فيه على ألفين وستمائة وحديثين.
وأحاديث " مسلم " يبلغ عددها إلى أربعة آلاف حديث.
وهكذا لا يبلغ عدد الأحاديث المروية في كتب الصحاح الستة، و" مسند أحمد "، وكتب أخرى، خمسين ألف حديث، منها الصحيح ومنها السقيم، ومنها المتفق عليه، ومنها المتكلم فيه.
وقد صرح الحاكم أبو عبد الله الذي يُعَدُّ من المتسامحين المتوسعين أن الأحاديث التي في الدرجة الأولى لا تبلغ عشرة آلاف (١).
ويقول الأستاذ:
ولم ينتصف القرن الثاني حتى كانت حركة الجمع والتدوين أنشط وأقوى.
وكان ممن سبق إليها من الرجال هذا القرن:
ابن شهاب الزهري - مات عام ١٣٤ هـ.
وابن جُريج المكي - مات عام ١٥٠ هـ.
_________________
(١) " توجيه النظر " للشيخ طاهر الجزائري: ص ٩٣.
[ ٥٩ ]
وابن إسحاق - مات عام ١٥١ هـ.
ومعمر اليمني - مات عام ١٥٣ هـ.
وسعيد بن أبي عروبة المدني - مات عام ١٥٦ هـ.
وربيع بن صُبيح - مات عام ١٦٠ هـ.
وسفيان الثوري - مات عام ١٦١ هـ.
ومالك بن أنس - مات عام ١٧٩ هـ.
والليث بن سعد - مات عام ١٧٥ هـ.
وابن المبارك - مات عام ١٨١ هـ.
ثم تتابع الناس (١).
ليس من همنا في هذا الفصل أن نتابع السُنَّةَ في تدوينها، وإنما أردنا أن نوضح في هذا الفصل توضيحًا شافيًا فكرة أن السُنَّةَ دُوِّنَتْ في عهد الرسول - ﷺ -، وعهد الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، وأظن أنه قد استبان الآن الأمر بما لا يحتاج إلى مزيد، وشكر الله للباحثين الأعلام المتبصرين الذين استندنا إليهم في هذا الحديث.
_________________
(١) انظر كتاب " رجال الفكر والدعوة " لأبي الحسن الندوي.
[ ٦٠ ]