ورسول الله - ﷺ - يُشَرِّعُ عن الله تعالى فيما لا نص فيه من كتاب الله.
روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وغيرهم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ - ﵁ - إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ لَهُ:
«كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟».
قَالَ: «أَقْضِي بِكِتَابِ اللهِ».
قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ؟».
قَالَ: «فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ».
قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ؟».
قَالَ: «أَجْتَهِدُ رَأْيِيِ وَلاَ آلُو».
فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَىَ صَدْرِهِ، وَقَالَ: «الحَمْدُ للهِ الذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ».
وسيدنا عمر بن الخطاب - ﵁ - في رسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري - ﵁ - والتي بدأها بقوله: «سَلاَمٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ القَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ».
يقول سيدنا عمر في هذه الرسالة: «الفَهْمَ الفَهْمَ فِيمَا تَلَجْلَجَ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ».
[ ٣٠ ]
فجعل سيدنا عمر السُنَّةَ مصدرًا من مصادر التشريع.
ولقد سئل سيدنا أبو بكر - ﵁ - عن ميراث الجدة فقال: «مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ أَسْأَلُ النَّاسَ»، فسألهم، فقام الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَشَهِدَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ.
ولم يكن سيدنا عمر بن الخطاب - ﵁ - يعلم سُنَّةَ الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى الأشعري - ﵁ - (١).
ولم يكن يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان، أمير رسول الله - ﷺ -، على بعض البوادي يخبره أن رسول الله - ﷺ - «وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَّةِ زَوْجِهَا».
ولم يكن يعلم حُكْمَ المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف: أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ».
وَلَمَّا قَدِمَ «سَرْغَ» وَبَلَغَهُ أَنَّ الطَّاعُونَ بِالشَّأْمِ، اسْتَشَارَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ الذِينَ مَعَهُ، ثُمَّ الأَنْصَارَ، ثُمَّ مُسْلِمَةَ الفَتْحِ فَشَارَ عَلَيْهِ كُلٌّ بِمَا رَأَى، وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِسُنَّةٍ، حَتَّى قَدِمَ
_________________
(١) فبين له أن الاستئذان ثلاث، فإذا لم يُؤْذَنْ له انصرف.
[ ٣١ ]
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَأَخْبَرَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي الطَّاعُونِ وَأَنَّهُ قَالَ: «إِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ».
وهذا عثمان - ﵁ -، لم يكن عنده علم بأن المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ في بيت زوجها، حتى حَدَّثَتْهُ الفُرَيْعَةُ بِنْتِ مَالِكٍ، أخت أبي سعيد الخُدري بقضيتها لما توفي زوجها، وأن النبي - ﷺ - قال لها: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»، فأخذ به عثمان.
ولقد روى الحاكم ما يلي:
«حَرَّمَ [النَّبِيُّ] ﷺ أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْهَا الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ وَغَيْرُهُ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلًا اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَمْنَاهُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ».
ويقول رسول الله - ﷺ -، فيما رواه أبو داود عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا أَمَرْتُ
ُ
[ ٣٢ ]
بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ [نَدْرِي]، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ».
روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلاَ وَأَنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ».
وَعَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: «كَانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، وَيُعَلِّمُهُ إِيَّاهَا كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ».
وَعَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «[آتَانِيَ] اللَّهُ الْقُرْآنَ، وَمِنَ الْحِكْمَةِ مِثْلَيْهِ» أخرجهما أبو داود في " مراسيله ".
وَقِيلَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ [مُطَرِّفٌ]: «وَاللَّهِ مَا [نُرِيدُ] بِالْقُرْآنِ بَدَلًا، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنَّا» (١).
عن عبد الله بن مسعود قال: «لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ، وَالمُوسْتَشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ فقالت:
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(٢) [انظر ص ٢٩ من هذا الكتاب].
[ ٣٣ ]
«يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ». فَقَالَ: «وَمَا لِي لا َأَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ» فَقَالَتْ المَرْأَةُ: «لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيْ المُصْحَفِ، فَمَا وَجَدْتُهُ»، فقال: «لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ (١) قَالَتْ: «بَلَى»، قَالَ: «فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
وبعد أن يذكر الإمام الشافعي الوجوه الثلاثة:
١ - بيان السُنَّةِ للكتاب على ما في الكتاب.
٢ - بيان السُنَّةِ لمجمل الكتاب.
٣ - ما بَيَّنَ رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب.
يقول: «وَذَلِكَ مَا نُرِيدُ أَنْ نَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَهُوَ بَيِّنٌ فِي وُضُوحٍ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، وَأَيُّ هَذَا كَانَ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ فَرَضَ فِيهِ طَاعَةَ رَسُولِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ عُذْرًا بِخِلاَفِ أَمْرٍ عَرَفَهُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَنْ قَدْ جَعَلَ اللهُ بِالنَّاسِ الحَاجَةَ إِلَيْهِ فِي دِينِهِمْ، وَأَقَامَ عَلَيْهِمْ حُجَّتَهُ بِمَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللهِ مَعَانِي مَا أَرَادَ اللهُ بِفَرَائِضِهِ فِي كِتَابِهِ، لِيَعْلَمَ مَنْ عَرَفَ مِنْهَا مَا وَصَفْنَا أَنَّ سُنَّتَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ - إِذَا كَانَتْ سُنَّةً مُبَيِّنَةً عَنْ اللهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ مِنْ [مَفْرُوضِهِ] فِيمَا فِيهِ كِتَابٌ يَتْلُونَهُ، وَفِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ [أُخْرَى]، فَهِيَ كَذَلِكَ أَيْنَ كَانَتْ، لاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ اللهِ ثُمَّ حُكْمُ رَسُولِهِ، بَلْ هُوَ لاَزِمٌ بِكُلِّ حَالٍ» (*).
_________________
(١) [سورة الحشر، الآية: ٧]. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [" الرسالة " للإمام الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، ١/ ٩٠، الطبعة الأولى: ١٣٥٨ هـ - ١٩٤٠ م، نشر مكتبة البابي الحلبي. مصر].
[ ٣٤ ]