وَسُنَّة رسول الله - ﷺ -، لها مكانتها بالنسبة إلى القرآن ولها مكانتها بالنسبة إلى التشريع.
إنها المصدر الثاني للإسلام باعتباره عقيدة، والمصدر الثاني
[ ٢٦ ]
للإسلام باعتباره تشريعًا، والمصدر الثاني للإسلام باعتباره أخلاقًا.
أما منزلتها بالنسبة إلى القرآن فإنها، حسبما يقول الإمام الشافعي: «وَسُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَجْهَانِ:
- أَحَدُهُمَا: نَصُّ كِتَابٍ فَاتَّبَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ،
- وَالآخَرُ جُمْلَةً، بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِ عَنْ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ بِالجُمْلَةِ، وَأَوْضَحَ كَيْفَ فَرْضُهَا عَامًّا أَوْ خَاصًّا، وَكَيْفَ أَرَادَ أَنْ يَأْتِي بِهِ العِبَادُ وَكِلاَهُمَا اتَّبَعَ فِيهِ كِتَابَ اللِه».
وفي كلمة أخرى يُبَيِّنُ الإمام الشافعي الوجهين فيقول: «أَحَدُهُمَا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ نَصَّ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَصَّ الكِتَابُ، وَالآخَرُ: مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ جُمْلَةَ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ عَنِ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ؛ وَهَذَانِ الوَجْهَانِ اللَّذَانِ لَمْ [يَخْتَلِفُوا] فِيهِمَا».
والوجه الأول بَيَّنَهُ بنفسه.
إنه من الواضح أَنَّ رسول الله - ﷺ - كان يُبَيِّنُ القرآن عقيدة وشريعة وأخلاقًا على وجوه شتى، وعلى أنحاء مختلفة، وعلى أساليب تختلف في الإيجاز والإسهاب، بحسب حالة المخاطب، يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١).
_________________
(١) [سورة النحل، الآية: ٤٤].
[ ٢٧ ]
والرسول - ﷺ - كان يبين للناس ما نزل إليهم بسلوكه، وبقوله، وبإقراراته، يقول - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ -: «مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ إِلاَّ وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلاَ تَرَكْتُ شَيْئًا - مِمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ - إِلاَّ وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ».
ولكن بيان رسول الله - ﷺ - كان يشتمل على بيان ما أجمل في كتاب الله، وهذا الوجه كثير في السُنَّة.
يقول الإمام الشافعي - ﵁ -: «قال ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١).
وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢).
وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣).
ثم بَيَّنَ على لسان رسوله عدد ما فرض من الصلوات، ومواقيتها، وَسُنَنِهَا، وعدد ركعاتها، والزكاة ومواقيتها، وكيف عمل الحج والعمرة، وحيث يزول هذا ويثبت، وتختلف سُنَّتُهُ وتتفق، ولهذا أشباه كثيرة في القرآن والسُنَّةِ». اهـ.
وقد كان رسول الله - ﷺ -، يُبَيِّنُ كيفية الصلاة بقوله وعمله، كان يُبَيِّنُ أوقاتها، وأركانها، وعدد ركعاتها، وافتتاحها وترتيب حركتها بعد الافتتاح، ويقول - ﷺ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»
_________________
(١) [سورة النساء، الآية: ١٠٣].
(٢) [سورة البقرة، الآيات: ٤٣، ٨٣، ١١٠]، [سورة النساء، الآية: ٧٧]، [سورة النور، الآية: ٥٦]، [سورة المزمل، الآية: ٢٠].
(٣) [سورة البقرة، الآية: ١٩٦].
[ ٢٨ ]
ويبين رسول الله - ﷺ - مناسك الحج: أركانه، وواجباته، وَسُنَّتَهُ. يقول: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ».
وفرض الله - ﷾ - الزكاة ولم يبين مقادير لها، لم يذكر بالتفصيل الزروع والثمار والأموال التي تجب فيها الزكاة فَبَيَّنَ رسول الله - ﷺ - ذلك كله وطبقه.
ولقد بَيَّنَتْ السُنَّةُ أن القاتل لا يرث، وأن الوصية لا تكون في أكثر من الثلث، وأن الدين يقدم على الوصية، هذا وكثير غيره مِمَّا بَيَّنَتْهُ السُنَّةُ.
عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ يريد أن يقتصر على القرآن دُونَ السُنَّةِ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ!! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، لاَ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ؟» ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ الصَّلاَةَ وَالزَّكَاةَ وَنَحْوِ هَذَا. ثُمَّ قَالَ: «أَتَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْهَمَ هَذَا وَإِنَّ السُنَّةَ تُفَسِّرُ ذَلِكَ» (١).
وَلَقَدْ قِيلَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ: «وَاللَّهِ مَا [نُرِيدُ] بِالْقُرْآنِ بَدَلًا، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنَّا» (٢).
ويقول الإمام الشافعي - ﵁ -: «وَمَنْ قَبِلَ عَنْ رَسُولِ اللهِ فَعَنْ اللهِ قَبِلَ، لِمَا افْتَرَضَ اللهُ مِنْ طَاعَتِهِ».
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" -كما في "مفتاح الجنة" "٢٤١" للسيوطي- وابن بطة في "الإبانة" "رقم ٦٥، ٦٦، ٦٧"، والآجري في "الشريعة" "ص٥١"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "٢/ ١١٩٢/ رقم ٢٣٤٨". "استدراك ٤". [نقلا عن " الموافقات " للشاطبي، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان: ٤/ ٣٤٤، الطبعة الأولى: ١٤١٧هـ/ ١٩٩٧م، نشر دار ابن عفان].
(٣) [" الموافقات ": ٤/ ٢٦، و" جامع بيان العلم ": ٢/ ١٩١. نقلا عن " السنة " للسباعي: ص ٣٨٧].
[ ٢٩ ]