المنكر: لغة: اسم مفعول، وفعله: أنكره بمعنى جحده أو لم يعرفه وأنه يقابل المعروف (١).، قال ابن فارس: "ونكر الشيء وأنكره لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه " (٢).وقال الراغب: " المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه أو استحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة " (٣).
ويطلق المنكر في اللغة على عدة معانٍ منها: الدهاء والفطنة، والصعوبة، والأمر الشديد، وخلاف الاعتراف، والتغيير، والجهل .. " (٤).
وفي الاصطلاح:
لم أجد تعريفًا صريحًا، أو بابًا مستقلًا في كتب المصطلح الأولى ككتاب "المحدث الفاصل " للإمام الرامهرمزي (٣٦٠)، ولا في كتاب "معرفة علوم الحديث "لأبي عبد الله الحاكم (ت٤٠٥) وأما عن الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣) فقد بوّب بابًا سماه: "باب ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث" (٥) ولم يصرح بتعريف مستقل، وإنما اكتفى بإيراد الأحاديث الشاذة المستنكرة، وحتى أنّ أبا حفص الميانشي (ت ٥٨١) لم يفرده بتعريف.
وأول من عرفه من علماء المصطلح، وأفرده قسمًا من علوم الحديث - بحدود اطلاعي - الحافظ ابن الصلاح ت (٦٤٣) فقال:" المنكر ينقسم قسمين على ما
_________________
(١) انظر القاموس المحيط فصل النون ؟اب الراء ٢/ ١٤٨ ومختار الصحاح مادة نكر ص ٦٧٩.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٥/ ٤٧٦.
(٣) المفردات ص٥٠٥.
(٤) انظر لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٢٨١، وتاج العروس، الزبيدي ١٤/ ٢٨٧، والحديث المنكر دراسة نظرية وتطبيقية في كتاب علل الحديث لابن أبي حاتم، لزميلنا الشيخ عبد السلام أبو سمحة ص ١١ - ١٢.
(٥) الكفاية في علم الرواية ص١٤٠.
[ ٤٧ ]
ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه مثال الأول، وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول
الله - ﷺ - قال:"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (١) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عمر بن عثمان، بضم العين، وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب " التمييز " (٢): أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: عمرو بن عثمان يعني بفتح العين، وذكر أن مالكًا كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه، وعمرو وعمر جميعًا ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو بفتح العين وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه والله أعلم.
ومثال الثاني، وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يتحمل معه تفرده: ما رويناه من حديث أبي زكريا يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال:"كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه ويقول عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق" (٣).
تفرد به أبو زكريا وهو شيخ صالح، أخرج عنه مسلم في كتابه غير أنه لم يبلغ مبلغ من يتحمل تفرده والله أعلم " (٤).
وقال النووي ت (٦٧٦): " قال الحافظ البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، وكذا أطلقه كثيرون، والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ " (٥).
وقال ابن دقيق العيد ت (٧٠٢): " وهو كالشاذ، وقيل هو ما انفرد به الراوي وهو قول منقوض بالأفراد الصحيحة " (٦).
وقال الذهبي ت (٧٤٨):"المنكر ما تفرد الراوي الضعيف به، وقد يعد مفرد
_________________
(١) أخرجه الشيخان، انظر تخريجه في المسند الجامع ١/ (١٣٩).
(٢) قلت: لم أقف عليه في النسخة الظاهرية التي حققها الأعظمي، فلعلها في غير نسخة، أو هي سبق قلم من الابن الصلاح والله أعلم.
(٣) أخرجه الحاكم ٤/ ١٣٥.
(٤) مقدمة ابن الصلاح ص٨٠.
(٥) تقريب النواوي بشرحه تدريب الراوي ١/ ١٩٩.
(٦) الاقتراح ص١٩٨.
[ ٤٨ ]
الصدوق منكرًا " (١).
وقال ابن جماعة ت (٧٧٣):" هو ما تفرد به من ليس بثقة ولا ضابط فهو المنكر " (٢).
وقال ابن كثير الدمشقي ت (٧٧٤):" المنكر: وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا وإن لم يخالف فمنكر مردود " (٣).
وقال الحافظ العراقي ت (٨٠٦):
والمنكر الفرد كذا البرديجي أطلق والصواب في التخريج
إجراء تفصيل لدى الشذوذ مر فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر (٤)
وقال الحافظ ابن حجر (٨٥٢): " وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث " (٥).
وقال: "إن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له المعروف ومقابله يقال له المنكر، وعرف بهذا أنّ بين الشاذ والمنكر عمومًا وخصوصًا من وجه لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة وافترافًا في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف وقد غفل من سوى بينهما" (٦).
وقال: " وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشئ لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث، وإن خولف بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلًا منهما يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة " (٧).
_________________
(١) انظر الموقظة ص٤٢.
(٢) المنهل الروي ص٥١.
(٣) اختصار علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص ٥٥.
(٤) ألفية الحديث بشرحها فتح المغيث ١/ ٢٢٢.
(٥) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٧٥.
(٦) نزهة النظر ص٥٢.
(٧) النكت ٢/ ٦٧٥.
[ ٤٩ ]
وقال السخاوي ت (٩٠٢) هو: " ما رواه الضعيف مخالفًا " (١).
وقال السيوطي ت (٩١١) في ألفيته (٢):
المنكر الذي روى غير الثقة مخالفًا في نخبة قد حققه
قابله المعروف والذي رأى ترادف المنكر والشاذ نأى.