الزيادة في أصل اللغة: مصدر زاد يزيد زيدًا، وهي النماء والكثرة، خلاف النقص، وتطلق الزيادة على معان، منها: التكليف يقال: تزيد في كلامه، وتزودت الإبل أي تكلفت. ومنها الراوية: إذ سميت مزادة، وهي تكون من جلدين يزاد بينهما بجلد ثالث
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص١٣٠.
(٢) انظر شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٣٥.
[ ١٥٢ ]
لتتسع، وسميت مزادة لمكان الزيادة (١).
وأما الثقة لغةً: فهو يعني المؤتمن وهو مصدر قولك: وثق به يثق، وأنا واثق به وهو موثوق به، ورجل ثقة، وكذلك الاثنان والجميع، وقد يجمع على الثقات، وهو في التذكير والتأنيث سواء (٢).
وفي الاصطلاح:
عرفها الحاكم النيسابوري بقوله:"معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راوٍ واحد" (٣).
وقال ابن رجب:"أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة" (٤).
وصورة الزيادة التي تعنى هنا، كما عرفها أهل المصطلح: تفرد راو واحد ثقة عن بقية الرواة بنفس السند عن نفس الشيخ، بزيادة لفظة في المتن، أو وصل مرسل، أو رفع موقوف، ونحوه.
وأما إذا كان أكثر من واحد كأن يتابع ذلك الثقة بثقة آخر، أو ممن يعتبر به في المتابعة خرج عن أن يكون هذا الحديث من قبيل زيادة الثقة، وإنما هو من قبيل المختلف، لاحتمال أن يكون الشيخ رواه على الوجهين، فحمله كل جماعة على وجه، وسنفصل القول فيه كما سيأتي.
وأما مراد الأئمة بقولهم:"ثقة":فهو العدل الضابط، وجمع أبو عمر بن الصلاح تلك الخصال فقال:-
" أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا لما يروي، وتفصيله أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظًا غير مغفل، حافظًا إن حدّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدّث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط مع ذلك أن يكون عالمًا بما يحيل
_________________
(١) انظر لسان العرب ٤/ ١٨٢، ومعجم مقاييس اللغة، ابن منظور ٣/ ٤٠، وأساس البلاغة ٢٨٠.
(٢) لسان العرب ابن منظور ١٢/ ٢٥٠.
(٣) معرفة علوم الحديث ص ١٣٠.
(٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٥.
[ ١٥٣ ]
المعنى" (١).
وبالتأمل في هذه الصفات وغيرها مما ذكرها العلماء نجد أنها ترجع إلى أمرين هما: العدالة والضبط.
وعرّف الخطيب البغدادي العدل بأنه:"من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهي عنه وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملاته فمن كان هذا حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه" (٢).
قال الحافظ ابن حجر:"المراد بالعدل: من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة" (٣).
والمروءة التي ينبغي توافرها في الراوي المعدل كثيرًا ما قيست بالمقاييس الخُلقية الإنسانية المشتركة ويستشهد الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بقول النبي - ﷺ -:"من عامل الناس فلم يظلمهم وحدَّثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو من كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته" (٤).
ويشترط في العدالة أمور: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والتقوى، والاتصاف بالمروءة، وترك ما يخل بها (٥).
والضابط:" من يكون حافظًا متيقظًا غير مغفل ولا ساهٍ ولا شاكٍّ في حالتي التحمل والأداء وهذا هو الضبط التام وهو المراد " (٦).
والضبط كما قال العلماء ضبطان: ضبطُ صدرٍ وضبط كتاب. (٧)
ويعرف كون الراوي ضابطًا بمقاييس قررها العلماء واختبروا به ضبط الرواة وهو كما لخصه ابن الصلاح:"أن نعتبر أي نوازن رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وجدنا روايته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٩٤.
(٢) الكفاية في علم الرواية ص٨٠.
(٣) نزهة النظر ص٣٨، وانظر منهج النقد في علوم الحديث، د. نور الدين عتر ص٧٩
(٤) الكفاية ص٧٨،والحديث أخرجه ابن شهاب في مسنده ١/ ٣٣٢.
(٥) نزهة النظر ص٣٨،وانظر منهج النقد في علوم الحديث، د. نور الدين عتر ص٧٩.
(٦) توضيح الأفكار، الصنعاني ص ٨.
(٧) انظر نزهة النظر ص٣٨.
[ ١٥٤ ]