يقف المتفحص لمنهجية الإمام مالك في موطئه على أنَّه يقدم المرسل على الموصول والموقوف على المرفوع في أعم أحاديثه، ولعل ذلك يعود إلى منهجية راسخة في ذهنه لا يمكننا الوقوف عليها إذ لم يصرح بها هو في موطئه.
ومن خلال استقرائي لمنهج الإمام مالك في موطئه، بدراسة أسانيده تبين لي أنَّه لم يقبل ولا في حديث واحد زيادة الثقة على قاعدة المتأخرين في فهمهم لها، بل على العكس فقد رد أحاديث من مثل ذلك، منها مثلًا:
١ - أخرج في الموطأ (٧٧٤) فقال: عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: " كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب وذلك بصاع النبي - ﷺ - ".
وأخرجه أحمد ٣/ ٧٣،والدارمي (١٦٧١)،والبخاري (١٥٠٥و ١٥٠٦و ١٥٠٨)، ومسلم٢/ ٦٧٨ (٩٨٥)،والترمذي (٦٧٣)،والنسائي٥/ ٥١كلهم من طرقٍ عن زيد بن أسلم به. (٢)
وأخرجه أحمد ٣/ ٢٣و٩٨،والدارمي (١٦٧٠)،ومسلم ٢/ ٦٧٨ (٩٨٥)، وأبو داود (١٦١٦)،وابن ماجة (١٨٢٩)،والنسائي ٥/ ٥١، وابن خزيمة (٢٤٠٧) و(٢٤١٨) من طرقٍ عن داود بن قيس به. (٣)
وأخرجه مسلم ٢/ ٦٧٩ (٩٨٥)،والنسائي ٥/ ٥١ من طريق الحارث بن عبد الرحمن بن ذباب به. (٤)
وأخرجه أبو داود (١٦١٧)،والنسائي ٥/ ٥٣،وابن خزيمة (٢٤١٩) من طريق عثمان بن حكيم بن حزام به. (٥)
_________________
(١) انظر ص٢٠٨ من هذا البحث.
(٢) انظر المسند الجامع ٦/ ٢٩١ (٤٣٥٢).
(٣) سبق.
(٤) سبق.
(٥) انظر المسند الجامع ٦/ ٢٩١ (٤٣٥٢).
[ ٢٦٠ ]
فهؤلاء (زيد بن أسلم، داود بن قيس، الحارث وعثمان) رووه عن عياض بألفاظ متقاربة. (١)
وأخرجه الحميدي (٧٤٢)،وأبو داود (١٦١٨)،والنسائي ٥/ ٥٢ وفي الكبرى ٢/ ٢٨ (٢٢٩٣)، وابن خزيمة (٢٤١٤)، والبيهقي ٤/ ١٧٢، والدارقطني ٢/ ١٤٦ من طرقٍ عن سفيان بن عيينه عن ابن عجلان عن عياض فزاد فيه (دقيق).
وقد أخرجه مسلم ٢/ ٦٧٩ (٩٨٥) من طريق حاتم بن إسماعيل عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله بن أبي السرح دونها. (٢)
وأخرجه أبو داود (١٦١٨) من طريق يحيى القطان وابن خزيمة (٢٤١٣) من طريق حماد بن مسعدة كلاهما عن ابن عجلان عن عياض دونها. (٣)
فانفرد ابن عيينة عنهم بها وهو ثقة جبل.
فلو قال مالك بالزيادة لأوردها هنا وخاصة وأنَّ سفيان ثقة والزيادة فيها حكم زائد.
لذا قال البيهقي: "فلم يذكر أحد منهم الدقيق غير سفيان، وقد أنكر عليه " (٤).
٢ - وأخرج في (١٢٨٧): عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال:" بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول أو نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ".
أقول: مدار الحديث على عبادة بن الوليد رواه عنه جماعة:
- يحيى بن سعيد الأنصاري: أخرجه البخاري (٧١٩٩)، والنسائي ٧/ ١٣٧و١٣٨و١٣٩.
-ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبيد الله بن عمر -جميعًا-:أخرجه مسلم ٣/ ١٤٧٠ (١٧٠٩).
- ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبيد الله بن عمر ومحمد بن عجلان -جميعًا-:أخرجه مسلم ٣/ ١٤٧٠ (١٧٠٩)، وابن ماجة (٢٨٦٦).
_________________
(١) سبق.
(٢) سبق.
(٣) سبق.
(٤) سنن البيهقي ٤/ ١٧٢.
[ ٢٦١ ]
-ويزيد بن الهاد: أخرجه مسلم ٣/ ١٤٧٠ (١٧٠٩).
-والوليد بن كثير: أخرجه النسائي ٧/ ١٣٩.
كلهم عن عبادة بن الوليد بألفاظ متقاربة (١).
ورواه محمد بن إسحاق عن عبادة فزاد فيه (بايعنا رسول الله - ﷺ - بيعة الحرب على بيعة النساء وعلى السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا)،أخرجه أحمد ٥/ ٣١٦.
قال الحافظ ابن حجر بعد أن ساق حديث ابن إسحاق: " ولكن الحديث في الصحيحين كما سيأتي في الأحكام ليس فيه هذه الزيادة، وهو من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبادة بن الوليد، والصواب أنّ بيعة الحرب بعد بيعة العقبة، لأن الحرب إنما شرع بعد الهجرة " (٢).
أقول: وإخراج الإمام مالك له دون الزيادة يعني عدم قبوله لها ولو قبلها لأخرجها وخاصة وأن ابن إسحاق ثقة في المغازي (٣)، وقد صححه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على مسند أحمد (٤).
٣ - وأخرج مالك (١٠٦٤) عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: قال رسول الله - ﷺ - لعبد الرحمن ابن عوف:" كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن؟ فقال عبد الرحمن: استلمت وتركت، فقال له رسول الله - ﷺ -: أصبت ".
أقول: مدار الحديث على هشام بن عروة، رواه عنه:
- مالك: كما في الموطأ (١٠٦٤)، والحاكم ٣/ ٣٠٦.
- معمر: أخرجه عبد الرزاق ٥/ ٣٤ (٨٩٠٠).
- وابن عيينة: أخرجه عبد الرزاق ٥/ ٣٤ (٨٩٠١).
-وجعفر بن عون: أخرجه البيهقي ٥/ ٨٠ وقال: " هذا مرسل وكذلك رواه مالك عن هشام ".
فهؤلاء (مالك، ومعمر، وابن عيينة، وجعفر) جميعًا رووه عن هشام مرسلًا.
_________________
(١) انظر تفصيل هذا في المسند الجامع ٨/ ١١٠ (٥٦٠٤).
(٢) فتح الباري ١/ ٩٢.
(٣) انظر تهذيب الكمال ٦/ ٢٢١ (٥٦٤٦)، وميزان الاعتدال ٣/ ٤٦٨ (٧١٩٧) والتهذيب ٩/ ٣٩.
(٤) مسند أحمد ٣٧/ ٣٧٤ (٢٢٧٠٠).
[ ٢٦٢ ]
ورواه زهير بن معاوية عن هشام عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي - ﷺ - متصلًا -، أخرجه البزار ٣/ ٢٦٦ (١٠٥٧) وقال:"وهذا الحديث لا نعلمه روي عن عبد الرحمن بن عوف إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد رواه جماعة فلم يقولوا: عن عبد الرحمن بن عوف ".
أقول: فلو كان الإمام مالك يأخذ بزيادة الثقة فلماذا عَدَلَ عن المتصل إلى المرسل؟ وزهير ثقة (١).
وقد أعلّه الدارقطني في علله ٤/ ٢٩٢ (٥٧٤) وعدَّ المرسل هو المحفوظ.
٤ - وأخرج مالك في (١٤٦٢):عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أنه قال: " أتت الجدتان إلى أبي بكر الصديق فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الأم فقال له رجل من الأنصار: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث فجعل أبو بكر السدس بينهما ".
أقول: مدار الحديث على يحيى بن سعيد الانصاري، رواه عنه:
- مالك: أخرجه في الموطأ (١٤٦٢)، ومن طريقه البيهقي ٦/ ٢٣٥.
وذكر الدارقطني في العلل ١/ ٢٨٧ (٧٧) أن علي بن مسهر وحماد بن سلمة رووه مثل رواية مالك.
ورواه سفيان بن عيينة فزاد عليهم التصريح بأن اسم الرجل هو"عبد الرحمن بن سهل وأنه من أهل بدر ":أخرجه عبد الرزاق ١٠/ ٢٧٥ (١٩٠٨٤)،وسعيد بن منصور ١/ ٥٥ (٨١)، والدارقطني في السنن ٤/ ٩٠ - ٩١، والبيهقي ٦/ ٢٣٥.
قال الدارقطني في العلل ١/ ٢٨٧ (٧٧): "يرويه ابن عيينة منفردًا سمّى الرجل الأنصاري، فقال: عبد الرحمن بن سهل، وذكر أنه شهد بدرًا مع النبي - ﷺ - ورواه حماد بن سلمة وعلي بن مسهر وجماعة عن يحيى بن سعيد عن القاسم فقالوا فيه:" فقال رجل من الأنصار لأبي بكر"،ولم يسموه، ولم يقولوا من أهل بدر".
أقول: فلو كان مالك يقبل الزيادة لأوردها هنا؟.
٥ - وأخرج مالك (٢٤٧٨): عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: "أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها
_________________
(١) التقريب (٢٠٥١).
[ ٢٦٣ ]
فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرةٍ: عبدٍ أو وليدةٍ ".
دار الحديث على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رواه عنه:
- محمد بن شهاب الزهري: أخرجه مالك (٢٤٧٨)، والشافعي في الأم ٦/ ١٠٧،وأحمد ٢/ ٢٣٦ و٢/ ٢٧٤،والبخاري (٥٧٥٨ و٥٧٦٠ و٦٧٤٠و٦٩٠٤و٦٩٠٩ و٦٩١٠)،ومسلم (١٦٨١)، والترمذي (٢١١١)، والنسائي ٨/ ٤٨، والطحاوي في شرح المعاني ٣/ ٢٠٥، والبيهقي ٨/ ١١٢ من طرقٍ عن الزهري به. (١)
-ومحمد بن عمرو: أخرجه أحمد ٢/ ٤٣٨ من طريق يحيى بن سعيد وفي ٢/ ٤٩٨ من طريق يزيدبن هارون، والترمذي (١٤١٠) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وابن ماجة (٢٦٣٩) من طريق محمد بن بشر. كلهم عن محمد بن عمرو (٢) بلفظ مقارب لرواية الزهري.
ورواه أبو داود (٤٥٧٩) من طريق عيسى بن يونس عن محمد بن عمرو (٣)، فزاد عليهم " أو فرس أو بغل "وقال: " روى هذا الحديث حماد بن سلمة وخالد بن عبد الله عن محمد بن عمرو، ولم يذكرا (فرس أو بغل) ". (٤)
هكذا وجدنا ستة من الثقات يروون الحديث عن محمد بن عمرو من غير هذه الزيادات، وتفرد بها عيسى بن يونس وهو ثقة مأمون كما قال الحافظ ابن حجر (٥).
أقول: فلو صحت الزيادة عند مالك لماذا لم يأخذ بها هنا وفيها فائدة زيادة حكم شرعي؟ وكذا يدلل على منهج البخاري ومسلم في عدم إيرادهما لها.
٦ - وأخرج في (٢١١١) فقال: عن جعفر بن محمد عن أبيه: " أنّ رسول الله - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد ".
قلت: دار الحديث على جعفر بن محمد الصادق روي عنه مرة مرسلًا ومرة متصلًا، رواه عنه:
- سفيان الثوري: أخرجه الترمذي (١٣٤٥)، وابن أبي شيبة ٤/ ٥٤٤
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٧/ ٣٦٢ (١٣٧٦٥).
(٢) انظر المسند الجامع ١٧/ ٣٦٢ (١٣٧٦٥).
(٣) سبق.
(٤) انظر تفصيل تخريج الحديث في المسند الجامع ١٧/ ٣٦٢ (١٣٧٦٥) و١٧/ ٢٦٣ (١٣٧٦٦).
(٥) التقريب (٥٣٤١).
[ ٢٦٤ ]
(٢٢٩٩٧).
- وإسماعيل بن جعفر: أخرجه الترمذي (١٣٤٥) وقال: هذا أصح، والبيهقي ١٠/ ١٦٩. كلاهما عن جعفر بن محمد به مرسلًا.
ورواه عنه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - وهو ثقة (١) - فوصله، أخرجه الشافعي في المسند ٢/ ١٨٠، وأحمد ٣/ ٣٠٥، والترمذي (١٣٤٤)، وابن ماجة (٢٣٦٩)، والدارقطني ٤/ ٢١٢، والبيهقي ١٠/ ١٦٩ - ١٧٠.
كلهم من طرق عن عبد الوهاب الثقفي به (٢).
أقول: فلو قال الإمام مالك بقبول الزيادة فلماذا لم يوردها هنا؟
وقد أعل المتصل كل من الأئمة أبي حاتم، وأبي زرعة الرازيين، والترمذي -كما مر -، وابن عدي، ابن التركماني (٣).
وهكذا يتضح لنا أنَّ الإمام مالك لم يقبل زيادة الثقة، بل رَدَّ زيادات كثيرة في الإسناد إذ أوردها مرسلة في حين رواها غيره متصلة، كما رد زيادات مهمة في المتن تفرد بها ثقات، والأمثلة المذكورة لها نظائر عديدة في الموطأ لمن يتتبع.